العولمة – التجارة والاستثمار

العولمة وحقوق الإنسان

" تهيئ العولمة والتقدم التكنولوجي السريع والمستمر فرصاً لم يسبق لها مثيل لإحراز التقدم الاجتماعي والاقتصادي. وهما في الوقت نفسه يستمران في فرض تحديات خطيرة من بينها انتشار الأزمات المالية وعدم الأمن والفقر والاستبعاد وانعدام المساواة داخل المجتمعات وفيما بينها. ولا تزال البلدان النامية، وخاصة أقل البلدان نموا، فضلاً عن بعض البلدان التي تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقالية، تواجه عقبات كبيرة تحول دون اندماجها ومشاركتها بصفة كاملة في الاقتصاد العالمي. وما لم تصل فوائد التنمية الاجتماعية والاقتصادية إلى جميع البلدان، فسيظل عدد متزايد من الأفراد في جميع البلدان، بل ومناطق بأكملها، على هامش الاقتصاد العالمي." قرار الجمعية العامة دإ – 24/2, A/RES/S-24/2 ، 15 كانون الأول/ديسمبر 2000، الفقرة 4، الدورة الاستثنائية الرابعة والعشرون للجمعية العامة، "مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية وما بعده: تحقيق التنمية للجميع في ظل عالم يتحول إلى العولمة."

ومنذ 60 عاماً، اتفق المجتمع الدولي، في إطار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أن "لكل فرد حق التمتع بنظام اجتماعي دولي يمكن أن تتحقق في ظله الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان تحققاً تاماً." وتكمن استراتيجية تحقيق التنمية الاجتماعية خلال عصر العولمة الحالي في الاعتراف بأنه ينبغي اعتماد مبادئ ومعايير حقوق الإنسان بوصفها إطاراً لا غنى عنه للعولمة. وتجسد حقوق الإنسان القيم العالمية المشتركة وهي المعيار المشترك للإنجاز بالنسبة لجميع الشعوب وجميع الأمم. وباتباع نهج يراعي حقوق الإنسان، يمكن دراسة العولمة في سياقها المدني والثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي حتى يمكن للمجتمع الدولي أن يفي بالتزامه بإقامة نظام دولي واجتماعي يفضي إلى احترام حقوق الإنسان. ويجب أن تكون هذه استراتيجية نظم الحكم على جميع المستويات، من أجل ضمان احترام جميع حقوق الإنسان لكل شخص.

الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها القواعد والسياسات التجارية على التمتع بحقوق الإنسان

لئن كانت القواعد والسياسات الوطنية والإقليمية والدولية المختلفة تنظم العديد من عمليات العولمة، ولا سيما تحرير التجارة، والتحرر من القيود التجارية، والخصخصة، فإن القواعد التجارية التي أرسيت في إطار اتفاق منظمة التجارة العالمية وسياسات الاقتصاد الكلي للمؤسسات المالية الدولية تؤثر تأثيراً قوياً بشكل خاص في تحديد أداء الاقتصاد العالمي.

وهناك صلة حتمية بين نظام التجارة الدولية والتمتع بحقوق الإنسان. فمن شأن تحقيق النمو الاقتصادي عن طريق تحرير التجارة أن يزيد من الموارد المتاحة لإعمال حقوق الإنسان. بيد أن النمو الاقتصادي لا يؤدي بصورة آلية إلى زيادة تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها.

ويمكن أن يوفر تحرير التجارة في الزراعة فرصاً تصديرية في البلدان المصدرة للمواد الزراعية ويعزز النمو والتنمية. بيد أن صغار المزارعين قد لا تكون لديهم القدرة على انتاج محاصيل تصديرية كافية بل إنهم قد يواجهون منافسة أكبر على الموارد، بما فيها الأرض، وبالتالي يجري تهميشهم بعيداً عن الفوائد المحتملة للتجارة. وبالمثل، فإن تزايد الفرص التصديرية قد يؤدي إلى إعادة تخصيص الأرض وغيرها من الموارد بعيداً عن الإنتاج الغذائي المحلي، مع ما يمكن أن يترتب على ذلك من عواقب ضارة بالنسبة للأمن الغذائي للأسر المعيشية. ومن دون تطبيق ضمانات وتدابير انتقالية ملائمة، يمكن أن تكون للقواعد والسياسات التجارية آثار ضارة على الحق في الغذاء وحقوق العمال والحقوق الأخرى الخاصة بصغار المزارعين وفقراء الريف.

وينبغي أن تؤدي حماية الملكية الفكرية – لاسيما حماية براءات الاختراع – إلى زيادة الاستثمار في الابتكار، بما في ذلك في البحوث الصيدلانية، وهي ضرورية لتعزيز الحق في الصحة. وفي الوقت نفسه، فإنها قد تسفر عن نهج للابتكار ذي طابع تجاري مفرط وتركيز للسيطرة على توزيع العقاقير وتكنولوجيات أخرى في أيدي شركات قليلة نسبياً. وبذلك قد تغفل حماية الملكية الفكرية أهدافها الإنمائية الشاملة. وعلى وجه الخصوص، فإن العقاقير المرتفعة الأسعار يمكن أن تصبح في غير متناول الفقراء وتكون لها تأثيرات سلبية على التمتع بالحق في الصحة وغيره من حقوق الإنسان.

ويمكن أن يوفر إصلاح الشراء الحكومي مزيداً من الشفافية ومنافسة دولية فعالة في هذا المجال. بيد أنه يمكن أيضاً أن يشكل خطراً على استخدام القوة الشرائية للحكومات لتعزيز الفرص المتاحة للأفراد الذين عانوا تقليدياً من التمييز، مثل العاملات أو الشعوب الأصلية. ومن ثم، فإن من المهم ضمان أن يمضي إصلاح الشراء الحكومي في طريقه دون إغفال وظائفه الاجتماعية.

وقد استخدمت الدول نظام الأفضليات المعمم من أجل تعزيز حقوق الإنسان وذلك، على سبيل المثال، في مسعى للقضاء على العمل القسري وعمل الأطفال أو باشتراط أن ترتهن فوائده بالتصديق على معايير منظمة العمل الدولية. والربط بين التجارة وحقوق الإنسان بهذه الطريقة أبرز، من ناحية، الأبعاد الاجتماعية للتجارة واهتمامات المستهلكين بالتجارة الأكثر إنصافاً. وأثار، من ناحية أخرى، مخاوف من أن تُستخدم حقوق الإنسان للتستر على أهداف حمائية أو سياسية ضيقة مع القيام في الوقت ذاته بتقليص الفرص التجارية في البلدان الأفقر والمفاقمة الفعلية لحالة حقوق الإنسان للعمال هناك. وبالتالي، فإن استخدام التجارة لتحقيق أهداف حقوق الإنسان في بلدان أخرى يظل مثار جدل.

نهج للتجارة قائم على حقوق الإنسان

نهج التجارة القائم على الحقوق إطار مفاهيمي لعمليات إصلاح التجارة يستند من الناحية المعيارية إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان ويوجه عملياً إلى تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها.

وقانون حقوق الإنسان حيادي فيما يتعلق بتحرير التجارة أو بالحمائية التجارية. وبدلاً من ذلك، يركز نهج التجارة القائم على حقوق الإنسان على العمليات والنتائج – الكيفية التي تؤثر بها التجارة على التمتع بحقوق الإنسان – ويضع تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها ضمن أهداف إصلاح التجارة.

وباختصار، فإن اعتماد نهج للتجارة قائم على حقوق الإنسان يحقق الإدراج التام للأفراد والمجتمعات في عمليات التفاوض والتنفيذ المتعلقة بالقانون التجاري. ويعني هذا:

  • احترام مبدأ عدم التمييز بتفادي أي تمييز أو استبعاد أو تقييد أو تفضيل يمارس على أساس نوع الجنس أو العرق أو اللون أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غير السياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الحالة الاقتصادية أو الملكية أو المولد أو أي وضع آخر ويكون من آثاره أو أغراضه توهين أو إبطال الاعتراف لشخص بحقوق الإنسان والحريات الأساسية الخاصة به أو توهين أو إبطال تمتعه بهذه الحقوق أو ممارسته لها. ولا يعني هذا حماية الأفراد والجماعات من التمييز العلني فحسب، ولكنه يعني أيضاً عدم إقصاء أفراد معينين وجماعات معينة من الإطار التجاري.
  • تعزيز المشاركة الشعبية في وضع القواعد والسياسات التجارية. ومن المرجح، على وجه الخصوص، أن نراعي السياسات التجارية احتياجات الأفراد والمجتمعات المحلية إذا كان هناك تشاور في عملية وضع السياسات.
  • رصد التأثيرات المحتملة والفعلية للقواعد والسياسات التجارية على تمتع الأفراد والجماعات _ وبصفة خاصة الضعفاء والمهمشين والمستبعدين اجتماعياً – عن طريق استخدام تقييمات التأثير في مجال حقوق الإنسان.
  • استخدام تقييمات التأثير في مجال حقوق الإنسان والمشاورات مع الأفراد والمجتمعات المحلية لتوجيه وضع القواعد والسياسات التجارية كيما يعزز التحرير التدريجي للتجارة الإعمال التدريجي لحقوق الإنسان. وكما هو الحال بالنسبة لأي عملية إصلاح، يمكن أن يسفر تحرير التجارة عن "خاسرين" إذا لم يتم اختيار طريقة الإصلاح ووتيرته وتتابعه على النحو الصحيح. وبالتالي، فإن النهج القائم على حقوق الإنسان يسعى إلى الإدخال التدريجي لسياسات تجارية تؤخذ في الحسبان فيها احتياجات وحقوق الأفراد والمجتمعات المحلية، وبصفة خاصة أولئك الذين يمكن أن يخسروا نتيجة لعملية الإصلاح – مثل الأشخاص الذين يعملون في صناعات غير تنافسية أو يعيشون في مناطق نائية.
  • تعزيز المساءلة في عمليات تحرير التجارة. وبالنظر إلى أن المستثمرين يلجأون على نحو متزايد إلى التحكيم الدولي والدول يمكنها حل المنازعات التجارية عن طريق هيئة تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية، فإن من المهم أن يلجأ الأفراد أيضاً إلى آليات المساءلة القضائية والإدارية. والإقرار بإمكانية التقاضي بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية جزء أساسي في هذه العملية.
  • ضمان تعزيز المبادرات المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية للشركات باعتبارها جزءا لا يتجزأ من تحرير التجارة والاستثمار. وبالنظر إلى أن التجار والمستثمرين يستفيدون من التجارة الأكثر تحرراً، فإن من المهم ضمان أن تكون التجارة الحرة عادلة أيضاً وأن تحترم المؤسسات التجارية حقوق الإنسان ومعايير العمل والمعايير البيئية عندما تتاجر وتستثمر.
  • تشجيع التعاون والمساعدة على الصعيد الدولي لكي تتمكن البلدان الأشد فقراً من التكيف مع – وبالتالي الإفادة من – عملية إصلاح التجارة. ولئن كانت المساعدة الإنمائية الرسمية مهمة، فإن نقل الدراية التقنية والتكنولوجيا المتركزتين في البلدان الأكثر ثراءً مهم بالقدر نفسه لكي يتسنى تمكين الأشخاص الذين يعيشون في البلدان الأشد فقراً من جني الثمار التي تتيحها التجارة. وبالمثل، فإن ضمان الحوكمة الرشيدة، لا على المستوى الوطني فقط وإنما أيضاً على المستوى الدولي، عنصر مهم من عناصر التعاون والمساعدة على الصعيد الدولي لتعزيز حقوق الإنسان.