dcsimg


Header image for news printout

بيان نهاية المهمة الصادر عن خبير الأمم المتحدة المستقل المعني بآثار الدين الخارجي على التمتع الكامل بجميع حقوق الإنسان، السيد خوان بابلو بوهوسلافسكي خلال زيارته لتونس

تونس، 28 شباط/فبراير 2017

بلغت اليوم نهاية زيارتي الرسمية إلى تونس التي بدأت في 20 شباط/فبراير 2017. وأود أن أشكر حكومة تونس ومؤسساتها على التعاون الكامل خلال الزيارة.

لقد استفدت من المناقشات التي أجريتها مع ممثلين رفيعي المستوى من وزارة الشؤون الخارجية، ووزارة المالية، ووزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، ووزارة العدل، ووزارة العلاقة مع المؤسسات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، ووزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة التكوين المهني والتشغيل، ووزارة الصحة العمومية ووزارة التربية. وبالإضافة إلى ذلك، التقيت مع محافظ البنك المركزي التونسي ولجنته للتحاليل المالية (وحدة الاستخبارات المالية)، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وهيئة الحقيقة والكرامة، والهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وكتابة الدولة لأملاك الدولة والشؤون العقارية. وتضمن برنامجي أيضا عقد اجتماعات مع أعضاء من مجلس النواب والاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT)، ومع ممثلين عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمجتمع المدني والأكاديميين. وأود أن أشكر جميع من تحدثت معهم على الوقت الذي خصصوه للالتقاء بي وعلى الحوار المفتوح والصريح.

تضمنت زيارتي تحقيق هدفين بارزين:

  • الاطلاع على مدى تأثير الصعوبات الاقتصادية والمالية التي يمر بها البلد على التمتع بحقوق الإنسان، لا سيما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛
  • وتقييم أثر التدفقات المالية غير المشروعة على التمتع بحقوق الإنسان.

وشمل ذلك مناقشة إمكانية وكيفية إسهام سياسات الإصلاح الاقتصادي التي تدعمها المؤسسات المالية الدولية في تعزيز حقوق الإنسان في البلاد.

سأرفع تقريرا شاملا عن زيارتي إلى تونس إلى مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في مارس من العام المقبل. و أود من خلال هذا المؤتمر الصحفي أن أطلعكم على بعض من استنتاجاتي الأولية.

خفض الدين العام إلى مستويات اجتماعية مستدامة

تواجه تونس أوقاتاً عصيبة. فوجود بيئة اقتصادية عالمية صعبة إلى جانب حدوث أزمة في قطاع السياحة في أعقاب الهجمات الإرهابية في عام 2015، أدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاض عائدات الضرائب. وفي محاولة لضمان الاستقرار الاجتماعي بعد الثورة، نمت النفقات العامة بشكل كبير، وعلى وجه الخصوص في مجال أجور الموظفين العموميين. ووفقا لصندوق النقد الدولي، ارتفع الدين العام في تونس إلى أكثر من 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن تصل نسبته إلى أكثر من 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017. تشير أحدث إحصائيات البطالة التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء والمتعلقة بالفصل الأخير من عام 2016 إلى أن معدل البطالة بلغ 15.5 في المئة. حيث يكافح كل من النساء (تقدر نسبة البطالة لديهن بـ 23.1٪) والخريجين (تقدر نسبة بطالتهم بـ 30.9٪) على وجه الخصوص من أجل العثور على عمل لائق في الاقتصاد الرسمي 1. كما ظلت الفوارق الجهوية في التنمية الاقتصادية، وفي الحصول على العمل، والرعاية الصحية الجيدة والتعليم قوية.

يعتبر الإقراض والاقتراض المسؤولان والشفافية والمشاركة العامة عوامل حاسمة لضمان أن يتم توجيه الموارد العامة نحو تجسيد حقوق الإنسان وتحقيق الأهداف الإنمائية المستدامة. يجب ألا يتسبب الدين العام بنقاط ضعف اقتصادية واجتماعية وسياسية، بل ينبغي أن يساهم في النمو الاجتماعي والتنمية الشاملين.

يجب مراقبة مؤشرات الدين عن كثب لأنها بلغت مستويات خطرة، وينبغي تشجيع المقرضين الدوليين لتونس على تقديم تخفيف إضافي لعبء الديون لفائدة تونس من أجل الحد من خدمة الدين العام وتحرير الموارد للاستثمار العام وفقا لاستراتيجية التنمية الوطنية التي نوقشت على نطاق واسع. ينبغي أن يستند تحليل القدرة على تحمل الديون على فهم شامل لتحمل الديون، وأن يتضمن حقوق الإنسان والأبعاد الاجتماعية والبيئية.

ينبغي أن يتبع التكيف الاقتصادي مقاربة قائمة على حقوق الإنسان

هناك إجماع عام على أن كفاءة الإدارة العامة والخدمات وقدرتها على الاستجابة لأصحاب الحقوق في حاجة إلى تحسين، وعلى وجوب تعزيز المالية العمومية. ومع ذلك، من الضروري تحقيق المزيد من التوافق الاجتماعي لضمان تولي زمام الأمور على الصعيد الوطني (السيطرة الوطنية) لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي يجري التفاوض بشأنها بين صندوق النقد الدولي والحكومة التونسية. وهذا يشمل إعادة تعزيز مشاركة مجلس نواب الشعب في تصميم حزم الإصلاح الاقتصادي الكلي والموافقة عليها قبل أن يتم إبرام اتفاقات الإقراض. وإذا كان لابد من اعتماد تدابير تقشفية والعمل على رفع القيود بينما الاقتصاد آخذ في الضعف 2، فمن الضروري الإجابة عن هذه المسألة في إطار مسار تشاركي وطني، خاصة إذا كان الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي في خطر.

توفر معايير حقوق الإنسان الملزمة لتونس إطارا يتم ضمنه تقييم أي مقترحات لضرورة الإصلاح. وتعتبر تدابير التقشف التي من شأنها أن تقلل من التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا للقانون الدولي تدابيرَ مبررة حصرا إذا كانت لا مفر منها وكانت ضرورية ومتناسبة، بمعنى أن اعتماد أي سياسة أخرى أو الامتناع عن الفعل من شأنه أن يكون أكثر ضررا على الاقتصاد، وعلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويجب الإبقاء على هذه الإجراءات فقط إذا لم تؤدِ إلى حدوث تمييز؛ وبشرط أن تخفف من عدم المساواة وأن تضمن ألا تتأثر حقوق الأفراد والفئات المحرومة والمهمشة بشكل غير متناسب. والأهم من ذلك أنه يجب ألا تقوض الحد الأدنى من المضمون الأساسي للحقوق المحمية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية3.

من السديد في هذا الصدد، أن نثير الاستنتاج الرئيسي الوارد في تقريري الأخير الموضوعي المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان: بشكل عام، لا دليل تجريبياً على أن إصلاحات سوق العمل ذات الصلة بالتقشف (على سبيل المثال، تجميد أو تخفيض الأجور والحد الأدنى للأجور) ينتج عنها زيادة في النمو الاقتصادي أو العمل أو في تحسن وضع العمال4.

يجب عدم تكرار التجارب الفاشلة في الماضي

كان مفهوم النمو الشامل غائبا في برامج التكيف الهيكلي الماضية لصندوق النقد الدولي التي نفذت خلال فترة حكم زين العابدين بن علي لتونس. وقد كان الافتراضُ السائد أن النمو الاقتصادي وحده من شأنه أن يحسن مستويات المعيشة. لقد حصل ذلك إلى حد ما، ومع ذلك، كانت المشكلة تكمن في أن هذه الإصلاحات لم تحسن مستويات المعيشة لجميع الناس في هذا البلد. فقد حرم العديد من الناس من هذا النمو. وينبغي ألا تتكرر مثل هذه الأخطاء.

هناك الآن التزام واضح بتحقيق نمو اجتماعي شامل في وثائق البرنامج الرسمي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ومع ذلك، فإنه يمكن التساؤل عما إذا كانت الشروط والمعايير المدرجة في البرنامج الحالي للإصلاح الاقتصادي البالغة قيمته 2.9 مليار، تعكس كما هو واضح قطيعة مع السياسات السابقة. في رأيي، ينبغي أن تستند تدابير التكيف إلى رؤية مبنية على استقرار اجتماعي وسياسي ومالي طويل الأمد، وينبغي أن تكون سياسات الإصلاح على اطلاع على الأهداف الإنمائية المستدامة للأمم المتحدة والمقاربة القائمة على حقوق الإنسان في مجال التنمية.

يجب أن تنفذ الإصلاحات الاقتصادية على أساس جدول زمني أكثر واقعية. وعلاوة على ذلك، ينبغي إعطاء الأولوية لتوفير فرص عمل للنساء وطالبي الشغل من الشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، في المناطق الأكثر حرمانا. أرحب في هذا السياق بالبرامج النشطة والجديدة في سوق العمل، بما في ذلك عقد الكرامة، والتي تهدف إلى إحداث مواطن الشغل اللائق في القطاع الخاص للعاطلين عن العمل الذين طالت بطالتهم.

مقاربة إصلاح الضمان الاجتماعي القائمة على الحقوق

هناك حاجة لتأمين الاستدامة المالية لصناديق التقاعد والضمان الاجتماعي، وعلى سد الثغرات في شبكة الضمان الاجتماعي في تونس5. ويشمل ذلك إنشاء نظام التأمين ضد البطالة. ينبغي وضع استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر على أساس بيانات مفصلة عن الفقر. وفي هذا السياق تم إبلاغي أنه تم بالفعل إجراء دراسة للأبعاد المتعددة للفقر بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وآمل أن يتم قريبا نشر البيانات التي تم جمعها للجمهور.

يجب أن تضمن منافع التقاعد والضمان الاجتماعي أن يخرج أصحاب الحقوق على أقل تقدير من ربقة الفقر المدقع. ينبغي أن توجه مزايا الرعاية الاجتماعية بشكل أفضل لأولئك الذين هم في أشد الحاجة إليها. كما ينبغي أن يتبع إصلاح نظام الحماية الاجتماعية المقاربة القائمة على حقوق الإنسان وأن يستمر في الاسترشاد بتوصية أرضيات الحماية الاجتماعية لمنظمة العمل الدولية6. وفي هذا السياق، يجب إيلاء اهتمام خاص بتحسين العمل والحماية الاجتماعية للمرأة الريفية في تونس7.7

كما يجب تمكين أصحاب الحقوق من الوصول إلى العدالة وسبل الانتصاف الفعالة اذا فشلت السلطات العامة في أن تقدم لهم منافع الضمان الاجتماعي التي يستحقونها. يجب على الدولة أن تضمن في هذا الصدد معاملة غير تمييزية على كامل أراضيها. ينبغي ألاّ تكون نتيجة أسقف الإنفاق أن يتم في بعض المناطق استبعاد مقدمي الطلبات المؤهلين من المساعدة الاجتماعية لأن الأموال المخصصة لمنطقة أو بلدية معينة قد استنفدت.

ضمان الشفافية والمشاركة والعدالة في الميزانية والضرائب

يجب ألاّ تفضي جهود الحد من تكاليف فاتورة أجور القطاع العام من خلال الإبقاء على عدد أقل من الموظفين في القطاع العام، إلى عرقلة الإصلاحات في القطاع العام، ومنع معالجة النقص في عدد الموظفين في المراكز الصحية والمستشفيات في المناطق الريفية، وعدم زيادة عدد الموظفين في إدارة الضرائب وتفقدية الشغل أو عدم التحقيق في الفساد والجرائم الاقتصادية ومقاضاتها. وينبغي إيلاء الأولوية لإعادة تنظيم الموارد المالية والبشرية في الوظيفة العمومية، بدلا من تجميد الانتدابات في جميع المجالات أو تخفيض عدد العاملين في الوظيفة العمومية.

وكما يشير مسح الموازنة المفتوحة لسنة 2015، يجب القيام بالمزيد من التحسينات لزيادة الشفافية في الموازنة العامة، لمنح الجمهور والسلطة التشريعية المزيد من الفرص للانخراط في مسار إعداد الميزانية وتحسين مراجعة الموازنة العامة8.

ينبغي أن يكون مبدأ العدالة الاجتماعية ركيزة الإصلاح الضريبي في البلاد. ويجب أن يشمل ذلك فرض ضريبة أكثر تصاعدية على الدخل الشخصي مع تخفيض معدلاتها لذوي الدخل المنخفض، وجعل إدارة الضرائب أكثر كفاءة ونزاهة من أجل أن تضمن أن يفي أكبر عدد من دافعي الضرائب بالتزاماتهم الضريبية بشكل تام، على النحو المتوخى في برنامج الإصلاح الاقتصادي الحالي للحكومة التونسية.

تقييم أثار سياسات الإصلاح الاقتصادي على حقوق الإنسان

أود في هذا السياق، أن أحث أيضا المؤسسات المالية الدولية والحكومة التونسية على إجراء تقييمات لأثر الإصلاحات على التمتع بالحقوق الاجتماعية و بحقوق الإنسان قبل تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الكبرى على النحو المطلوب في مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية المتعلقة بالديون الخارجية و حقوق الإنسان9.

اسمحوا لي بتقديم مثال. هناك حاجة لتقييم ورصد مدى تأثير الأزمة الاقتصادية، وتكاليف تدابير الاحتواء والفساد، على توفير خدمات الرعاية الصحية العامة لأصحاب الحقوق في تونس. ولا يبدو أن هذا الرصد يجري حاليا. غير أنه من الضروري أن نعرف، أين وما هي الأسباب التي تجعل بعض أصحاب الحقوق محرومين من إمكانية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية والمرافق أو البضائع الكافية. يمكن أن تكون هناك أسباب كثيرة: على سبيل المثال، أصحاب الحقوق لا يستطيعون تسديد تكاليف خدمات الرعاية الصحية؛ أو ارتفاع التكاليف المشتركة أو الرشاوى تقوض الوصول إليها، أو معاناة بعض المؤسسات العامة، ولا سيما في المناطق الريفية من نقص في الكادر الطبي، أو تدهور البنية التحتية للرعاية الصحية العامة ولمرافقها. يعد هذا التحليل ضروريا من أجل إصلاح منظومة الصحة العمومية وتحسينها بناءً على رؤيتنا المشتركة لنظام الرعاية الصحية التي توفر الوصول الشامل للجميع.

أسرد مثالا آخر: إذا تم رفع الدعم عن الطاقة أو المواد الغذائية أو وقع تخفيضه، فمن الضروري حماية الأسر ذات الدخل المنخفض من الآثار السلبية لهذه الإصلاحات لضمان أن تظل الطاقة أو المواد الغذائية في المتناول. وينبغي أن يكون التدرج والكفاءة والعدالة الاجتماعية والتشاور أركان أي إصلاحات تتعلق بالدعم.

خفض العجز العام من خلال الحد من الفساد والتدفقات المالية غير المشروعة

يجب أن تظل محاربة الفساد والتدفقات المالية غير المشروعة أولوية قصوى10.وفقا لمسح أجري في العام الماضي، ادعى 64 في المائة من المشاركين التونسيين أن الفساد قد زاد خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، على الرغم من الجهود الكثيرة التي تبذلها الحكومة للتصدي للفساد11. ليس فقط الفساد والتهرب الضريبي وسوء تسعير التحويلات ما يساهم إلى حد كبير في التدفقات المالية غير المشروعة في تونس. فوفقا لمنظمة النزاهة المالية العالمية، يصل مقدار التدفقات المالية غير المشروعة من تونس إلى ما يقرب من 2 مليار دولار سنويا 12. بتعزيز التفتيش الجمركي، تستطيع سلطات الضرائب والمراقبة الكافية لرأس المال المساعدة في الحد من هذا النزيف.

وقد قدرت الأبحاث الأكاديمية أن مجموع هروب رؤوس الأموال غير المشروعة من تونس قد بلغ 38.9 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من سنة 1960 إلى سنة 2010، منها 33.9 مليار دولار خلال نظام بن علي 13. جمدت عدة بلدان الأصول التي تم نهبها نظام بن علي وهرّبها إلى الخارج، ولكن ظلت المبالغ التي تمت إعادتها إلى تونس حتى الآن مخيبة للآمال. ولذلك فإنني أدعو المجتمع الدولي إلى الإيفاء بالتزاماته القانونية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وذلك بضمان عودة الأصول المسروقة في الوقت المناسب إلى تونس. فالتعاون الدولي على المحك.

وأود أن أثني على الحكومة التونسية لتعزيزها لهيئتها الوطنية المستقلة لمكافحة الفساد في العام الماضي بعدد أكبر من الموظفين والموارد المالية لتمكين هذه المؤسسة من تنفيذ ولايتها. وآمل أن تعزز قدراتها المؤسسية عندما سيتم تحويل هذه المؤسسة إلى هيئة دستورية مستقلة من أجل الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد على النحو المنصوص عليه في الدستور الجديد. أنا مع ذلك قلق إزاء عدم كفاية الموارد والانتدابات المقدمة للقطب القضائي والمالي المكلف بمقاضاة جرائم غسل الأموال والفساد والجرائم المالية.

أنا أرحب كذلك بالتشريع الجديد الذي أقره البرلمان التونسي الأسبوع الماضي والمتعلق بحماية الشهود والمبلغين عن مخالفات الفساد. وآمل أيضا أن يتم سن قانون في المستقبل القريب من شأنه إلزام المسؤولين العموميين بأن يدلوا بتصريح كامل عن مكاسبهم ، ومنع الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.

إرساء المساءلة عن التواطؤ المالي والجرائم الاقتصادية الماضية

اسمحوا لي أن أعرب عن تقديري للجهود المبذولة من قبل هيئة الحقيقة والكرامة التي وفرت منبرا لإبلاغ صوت ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي. أرحب بأن هيئة الكرامة والحقيقة بصدد التحقيق أيضا في الانتهاكات المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك حقوق العمال، وأن ولايتها تغطي كذلك التحقيق في الفساد المالي واختلاس الأموال العامة. إن هيئة الحقيقة والكرامة مكلفة بمهمة شاملة وصعبة، وتستحق الدعم الكامل من المجتمع الدولي. ويجب ألا يكون هناك بأي حال من الأحوال إفلات من العقاب على جرائم الاختلاس الواسع النطاق للأموال العامة. ولا بد من التأكيد على القيام بالمساءلة الفردية عن الجرائم المالية الخطيرة التي ارتكبت في زمن نظام بن علي.

و أود في هذا السياق أن أؤكد على أهمية إرساء المساءلة كذلك في القطاع المصرفي. يبدو أنه لم يتم حتى الآن فرض أي عقوبات ضد المؤسسات المالية، ولم تجرِ أي تحقيقات ضد الأفراد الذين ساعدوا النظام السابق في المعاملات المالية المتعلقة بالفساد واختلاس الأموال العامة في الماضي.

ينبغي أيضا التحقيق بشكل حاسم في دور ومسؤولية المقرضين والجهات المانحة الأجانب الذين ساعدوا ماليا نظام بن علي لسنوات عديدة في سياق العدالة الانتقالية14. وفي هذا السياق أود أن أدعم مقترحات طرحت في البرلمان لإجراء تدقيق في الدين العام وأشجع هيئة الحقيقة والكرامة على النظر في هذا البعد.

إدماج أهداف وتوصيات الأمم المتحدة في سياسات الإصلاح

أود أن أؤكد مجددا على التوصيات التي رفعتها العام الماضي اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية15. ويشمل ذلك ضمان أن تكون الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية متوافقة تماما مع مبادئ باريس، وتغطي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وأشجع الهيئة على تعزيز عملها حول حقوق الإنسان والسياسات الاقتصادية. كما أحث كذلك تونس على المصادقة على البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومنح أصحاب الحقوق الحق في تقديم الشكاوى الفردية بعد استنفاد سبل الانتصاف المحلية.

وأنا أشجع الحكومة التونسية على مواصلة دمج أهداف التنمية المستدامة (SDGs) في المخطط الوطني للتنمية بدعم من الفريق القُطْرِي للأمم المتحدة. وينبغي أيضا أن تسترشد برامج الإصلاح الاقتصادي الكلي التي تنفذ بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية بأهداف التنمية المستدامة و بالواجبات الملزمة لتونس في مجال حقوق الإنسان. يمكن للمؤسسات الثنائية والمتعددة الأطراف المساهمة في ذلك، عن طريق مواءمة إقراضها للأولويات التي حددتها أهداف التنمية المستدامة والحكومة التونسية.

الاستثمار في الحقوق الاجتماعية سيؤدي إلى نجاح الديمقراطية في تونس

نتج عن الحرمان من التمتع بحقوق الإنسان والفساد والتنمية الاجتماعية غير الشاملة انتقال تونس إلى الديمقراطية. وأود أن أذكر أن الربيع العربي حدث بشكل أساسي بفضل الشباب في بلدة سيدي بوزيد. إن البطالة، والوعي بالفساد في المستويات العليا للدولة، وعدم المساواة الاجتماعية والجهوية أشعلت الغضب بنفس القدر الذي سببه غياب التمتع بالحقوق المدنية والسياسية.

يمثل انتقال تونس إلى الديمقراطية الحدث الأبرز في المنطقة. وقد نتج عن ثورة 2011 تحسن كبير على مستوى التمتع بالحريات المدنية والسياسية. تمت في عام 2014 المصادقة على دستور جديد كرس المعايير الدولية لحقوق الإنسان وأجريت انتخابات عامة. إن الحريات المكتسبة ينبغي ألاّ يقوضها التقدم المتفاوت في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

قد يصبح التقدم المحرز في مجال الحقوق المدنية والسياسية هشا، إذا لم تَتَلَقَّ تونس الدعم والاستثمار اللازمين لضمان تحقيق تحسن ملموس في المجال الاجتماعي والاقتصادي.

ولذلك ينبغي أن تكون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على رأس أولويات المؤسسات المالية الدولية، والمقرضين الثنائيين والسلطات التونسية. إن الاستثمار في هذه الحقوق هو أفضل استثمار لمنع حدوث التطرف العنيف وعدم الاستقرار السياسي.

يجب ألا ننسى حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والمساءلة عند وضع إطار ملائم للاستثمار المحلي والأجنبي المنتج. فهي شرط أساسي لتحقيق النمو الشامل.

شكرا.


Notes:

1. المعهد الوطني للإحصاء، مؤشرات التشغيل والبطالة، الثلاثي الرابع لسنة 2016، http://www.ins.tn/sites/default/files/publication/pdf/Note_ENPE_4T2016.pdf

2. انظر على سبيل المثال "آفاق الاقتصاد العالمي. أكتوبر 2012. التعامل مع الديون المرتفعة والنمو البطيء، "صندوق النقد الدولي، 2012، واشنطن دي سي، وهي متاحة على الرلبط التالي: https://www.imf.org/external/pubs/ft/weo/2012/02/pdf/text.pdf

3. يرجى الاطلاع على بيان اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بخصوص الدين العام، وثيقة الأمم المتحدة. E / C.12 / 2016/1. E/C.12/2016/1.

4. إطلع على وثيقة الأمم المتحدة A/HRC/34/57.

5. أنظر كذلك إلى دراسة مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان بعنوان "المقاربة القائمة على حقوق الإنسان لمنظومة حقوق الإنسان التونسية المتوفرة على https://issuu.com/dorraloudhaief/docs/rapport

6. http://www.ilo.org/dyn/normlex/en/f?p=NORMLEXPUB:12100:0::NO::P12100_INSTRUMENT_ID:3065524

7. اطلع على التوصيات الواردة في دراسة مشتركة أجراها مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، والمرأة، الأمم المتحدة والوزارة التونسية للمرأة وشؤون الأسرة والطفولة: «عمل المرأة في الوسط الريفي ووصولها إلى الحماية الاجتماعية، 2016» . « Travail des femmes en milieu rural et leur accès à la protection sociale, 2016 ».

8. ورقة دولة تونس, http://www.internationalbudget.org/wp-content/uploads/OBS2015-CS-Tunisia-English.pdf

9. وثيقة الأمم المتحدة A/HRC/20/23

10. عن العلاقة بين التدفقات المالية غير المشروعة وحقوق الإنسان، انظر A/HRC/31/61

11. الشفافية الدولية ،الشعب والفساد: مسح حول دول الشرق الأوسط و شمال أفريقيا 2016، مقياس الفساد العالمي، وهو متاح على موقع منظمة الشفافية الدولية www.transprency.org.

12. التدفقات المالية غير المشروعة والفساد والتنمية الاقتصادية المستدامة في تونس http://www.gfintegrity.org/illicit-financial-flows-corruption-sustainable-economic-development-tunisia

13. رؤوس الموال المهربة من دول شمال افريقيا https://www.peri.umass.edu/publication/item/486-capital-flight-from-north-african-countries

14. انظر تقرير الخبير المستقل عن التواطؤ المالي ، وثيقة الأمم المتحدة A/HRC/28/59.

15. الملاحظات الختامية، تونس، وثيقة الأمم المتحدة E/C.12/TUN/CO/3.