dcsimg


Header image for news printout

رفض تيسير الوصول وعدم التعاون مع هيئات الأمم المتحدة لن يحدَّ من التدقيق في سجل حقوق الإنسان لأي دولة

الدورة الخامسة والثلاثون لمجلس حقوق الإنسان

الكلمة الافتتاحية لمفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، زيد رعد الحسين

6 حزيران/يونيو 2017

حضرة رئيس المجلس المحترم،
أصحاب السعادة، أيها الزملاء والأصدقاء الكرام،

منذ خمسين عاماً، كان هذا هو اليوم الذي سمعت فيه صوت الحرب. لقد كنت أبلغ من العمر آنذاك ثلاث سنوات ونصف، وبالرغم من أن المشهد متقطع في ذاكرتي، إلا أنه لا يزال باستطاعتي أن أتذكر رجالاً من الجيش يحومون حول منزلنا في عمَّان، وآلية مصفَّحة متوقفة في الجوار، من ثم لاحقاً طائرات تحلِّق فوق رؤوسنا. لقد كانت حرباً حدَّدت شكل حياتي وكوَّنت لدي في ما بعد رغبتي في فهم أعماق المعاناة الفلسطينية، لا بل ليس هذه المعاناة فحسب، إنما أيضاً المعاناة اليهودية – هذه الأخيرة التي امتدَّت على أكثر من ألفي سنة وبلغت ذروتها في تلك الجريمة الاستعمارية، ألا وهي محرقة اليهود.

لقد ترعرعت على مسافة غير بعيدة من المخيم الجماعي للاجئين الفلسطينيين في البقعة. وعملت في الجهة المقابلة لمخيم الوحدات للاجئين. وعلى مدى ثلاثين عاماً الماضية، ذهبت إلى معسكر أوشفتيز بيركيناو وقمت بزيارة معسكر داخاو ورأيت معسكر بوخنفالد. لقد تعمقت في دراسة محاكمات نورنبيرغ وسواها، وفي التاريخ الطويل والمؤلم لمعاداة السامية في أوروبا وروسيا ولاحقاً في الدول العربية – والذي لا يزال سائداً حتى الساعة إلى حدٍّ بعيد في العديد من الأماكن حول العالم.

سوف يجيب البعض، بشكل شبه تلقائي، أن الاختبارات التي عايشها الشعبان ليست متكافئة، وكيف باستطاعتي أن أذكرها في الوقت ذاته؟ في الواقع، أوافق على هذا الرأي – فمحرقة اليهود كانت على مدى من الوحشية والتخطيط والتنفيذ بشكل محكم جداً إلى درجة أن ليس هناك ما يوازيها ولا من حدث معاصر يشبهها بشكل تام.

لكن من الثابت اليوم أيضاً أن الشعب الفلسطيني يمثل نصف قرن من المعاناة الشديدة تحت نير احتلال فرضته قوة عسكرية. وهو احتلال حرم الفلسطينيين من العدد الأكبر من حرياتهم الأساسية، وكان في أكثر الأحيان وحشياً تبعاً للأسلوب الذي نفِّذ فيه؛ احتلال كانت فيه الانتهاكات للقانون الدولي ممنهجة، وتمَّ إدانته مراراً وتكراراً من قبل كل الدول عملياً.

يستحق الفلسطينيون الحرية، تماماً كما كل الشعوب. هم يستحقون تربية أطفالهم بأمان في منازلهم وعلى أرضهم وممارسة حقوقهم في دولتهم في غياب هذا الاحتلال الطويل والمرير. كذلك، يستحق الإسرائيليون الحرية – إنما نوعاً آخر من الحرية، إذ لطالما كان لهم دولتهم، لكنهم عانوا أيضاً معاناة شديدة. فقد قاسى الشعب الإسرائيلي طويلاً هجمات غير مشروعة ضد سكانه من المدنيين – هجمات وحشية، في ما شكل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني، وهي تستحق أيضاً الإدانة. ويحتاج الإسرائيليون أيضاً إلى التحرر من العنف ومن أي تهديد وجودي مفروض عليهم. ومن الواجب الآن العمل على تحقيق الشرط اللازم لإحلال السلام – ألا وهو إنهاء الاحتلال – وفي وقت قريب. فالإبقاء على الاحتلال، لن يشكل بالنسبة إلى الشعبين هناك سوى إطالة للألم الكبير والدفق الذي لا ينتهي لمجالس العزاء وطقوس حداد شيفا وعويل الأحباء على الأحباء والصلوات واللعنات وأعمال الكراهية والانتقام واستحالة حياة آمنة للجميع. هذا كله يمكن أن ينتهي.

حضرة الرئيس،

يبدو أن وحشية تنظيم داعش وغيره من المجموعات الإرهابية لا تعرف حدوداً. في الأمس، أبلغني موظفو مكتبي أن الجثث العائدة لرجال ونساء وأطفال عراقيين لقوا حتفهم لا تزال مرمية في الشوارع في حي الشيرة غربي الموصل، بعد أن أطلق داعش النيران وقتل ما لا يقل عن 163 شخصاً في الأول من حزيران/يونيو لمنعهم من الفرار. كما تلقى موظفو مكتبي تقارير تفيد عن فقدان أشخاص من هذا الحي.

إنني أشجب مجدداً وبأشد العبارات الهجمات الجبانة والمقززة التي ارتكبت ضد أشخاص بريئين من قبل إرهابيين قساة القلب ينشطون في أنحاء كثيرة من العالم. يجب استئصال الإرهاب في العالم أجمع من خلال العمل الحكومي – إنما العمل الذكي. يجب أن تتم مكافحة الإرهاب بتعقل: على أن لا يحصل ذلك إلا بالتوازي مع الحفاظ على حقوق الإنسان للجميع. أرجوكم أن تتذكروا ما يلي: كل مواطن جرى اعتقاله ظلماً بموجب قانون غامض معادي للإرهاب أو إذلاله أو إساءة معاملته أو تعذيبه، فإن الشعور بالضيم لا ينمو ببساطة ضد السلطات لدى فرد واحد فحسب، بل يمتد ليشمل معظم أفراد أسرته أيضاً. أرسلوا شخصاً واحداً بريئاً إلى السجن، وإنكم لترسلون حينئذ ستة أو سبعة أشخاص من أفراد الأسرة إلى أيدي أولئك الذين يعارضون الحكومة، فيما قد يتجه عدد قليل إلى أبعد من ذلك. وإن الكلفة المترتبة عن عملية اعتقال ظلماً لتفوق بشكل كبير أي منفعة يُنظر إلى تحقيقها. وبغية مكافحة التطرف العنيف، يجب أن نتصرف بحزم ونصر على نقيضه: السلام الشامل.

حضرة الرئيس،

منذ عامين، تطرقت إلى موضوع أرغب في إثارته مجدداً هذا الصباح. لقد أبلغت مراراً أنه لا يجب علينا "تسمية وفضح" الدول. لكن ليست هذه التسمية ما يدعو إلى الخزي. فالخزي يأتي من الأفعال نفسها أو من السلوك أو الانتهاكات المعنية بالقضية. إن حرمان الحق بالحياة ليدعو إلى الخزي؛ القتل أو ارتكاب الجريمة، أحياناً على نطاق جماعي، يؤدي إلى الخزي بصورة مثيرة، وفي ما يبدو أنه مخزون لا ينضب. حرمان الحق بالتنمية يدعو إلى الخزي. الحرمان من الكرامة الإنسانية مثير للخزي. التعذيب مثير للخزي. الاعتقالات العشوائية مثيرة للخزي. الاغتصاب مثير للخزي. وإنني أعمل مع مكتبي على أن أعكس لأولئك الذي سبق أن ارتكبوا الخزي بأنفسهم صورتهم أمام باقي العالم. لكن ماذا لو لم يكن هناك من رد فعل إزاء معاناة العديد من الأشخاص؟ إنني أشعر بالقلق بشأن الغياب السافر للخزي الذي يستعرضه عدد متزايد من السياسيين في أنحاء العالم. وحين يأتي أمثال هؤلاء القادة إلى السلطة، سواء ديمقراطياً أم خلاف ذلك، ويتحدون صراحة، ليس قوانينهم ودساتيرهم الخاصة فحسب، بل أيضاً التزاماتهم بموجب القانون الدولي، فأين هم من الخزي؟ ألا يشعرون بالاشمئزاز من أنفسهم حين يحرضون على أعمال العنف والتعصب أو يتغاضون عنها؟ وحين يعلِّقون أن على كل جندي أن يكتفي بثلاث عمليات اغتصاب لنساء القرى، ألا يتحلون بضمير حي؟ منح المكافآت لقتل الأشخاص – أشخاص غير محكومين بارتكاب جرائم أو متهمين بجرائم، بل مجرد مشتبه بهم أو يُتخيَّل أنهم مجرمون. طلب الانسحاب من القوانين لمكافحة العنف ضد المرأة والضرب المنزلي والادعاء بأنهم يمثلون ما يسمى "الإيديولوجية الجنسانية". سجن القضاة والمحامين من ذوي المبادىء والصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وأساتذة الجامعات والمعلمين وإقفال الجامعات. الاتجار بالحقد والوحشية والشتائم والأكاذيب. ماذا عن الخزي من كل ذلك؟

لقد ظلت الحقوق العالمية المعنية بالحرية والمساواة والكرامة صائبة عبر الثقافات والحضارات بسبب قيمتها الحقيقية، ولأنها تجعل من الممكن الحفاظ على السلام. فهي ليست إضافات تافهة؛ بل هي حاسمة بشكل مطلق. تخلصوا من تلك الأشياء، بصراحة وبتحدٍّ، وإن الحدود التي تفصلنا عن العنف المروِّع ستذوب. وحدها الكوارث تنفجر عند بلوغ هذه النقطة. كيف يمكنهم أن يكونوا حمقى إلى هذه الدرجة؟

حضرة الرئيس،

سوف أخصِّص الآن بقية هذا الخطاب لمسألة تيسير الوصول، بما في ذلك عدم التعاون والتعاون الانتقائي مع آليات حقوق الإنسان ومكتبي. وفي أيلول/سبتمبر، سوف أطرح مجدداً الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان في أخطر حالات النزاع في العالم فضلاً عن أزمات أخرى. ومن بين السمات البارزة لمجلس حقوق الإنسان هذا الاستعراض الدوري الشامل، الذي افتتح في الشهر الماضي دورته الثالثة. وقد عرضت كل دولة من دول العالم مرتين أداءها ونواياها في ما يتعلق بالتدقيق الذي يجريه الاستعراض – والتزمت كل دولة بتحسين سجلها ضمن مروحة واسعة من النقاط الرئيسية. هل كان هناك من أي تحسن؟ وبما أننا ندخل إلى الجولة الثالثة من التدقيق، فهل يتعمَّق الاستعراض الدوري الشامل في الملاءمة والدقة والتأثير؟ وهل أن الأمر مجرد أداء توضيحي للمجاملات الدبلوماسية المتبادلة أم أنه يقود إلى تغيرات حقيقية ونافذة لترسيخ السلام والتنمية وتحسين معيشة الأشخاص؟ إن مكتبي مصمم على القيام بأي شيء يستطيعه لضمان التنفيذ الكامل لكل التوصيات التي أوعزتها آليات حقوق الإنسان، بما في ذلك، ما ورد في الجولة الثالثة من الاستعراض الدوري الشامل، من خلال اقتراح مسارات عمل. سوف نواصل أيضاً الالتزام مع فرق الأمم المتحدة القطرية وسواها حتى نضمن أن التوصيات تدعم عملهم.

حضرة الرئيس،

في أيلول/سبتمبر الماضي، لقد شاركتكم قلقي بشأن رفض عدد من الدول الأعضاء منح تيسير الوصول إلى مكتبي أو إلى آليات حقوق الإنسان. وتعهدت آنذاك أنني سأتوسع في هذا النقاش في جلسة مقبلة للمجلس. ففي الأشهر القليلة الماضية، شعرت بقلق بالغ إزاء عدد من الحوادث المخزية من التهديدات والشتائم الشخصية التي تمَّ توجيهها إلى المكلفين بولايات في إطار الإجراءات الخاصة. إذ خضع ثلاثة منهم أخيراً لحملات تشهير وكراهية، البعض منها انطوى على تحريض على العنف وهم: المقرر الخاص المعني بميانمار؛ المقرر الخاص المعني بإجراءات موجزة، في سياق المناقشات بشأن الفليبين؛ والمقرر الخاص المعني بإيران. وهذا الأمر غير مقبول على الإطلاق. وبما أن المجلس هو من يعيِّن هؤلاء المقررين الخاصين، أناشدكم أن تأخذوا بالاعتبار أي خطوات قد ترغبون في القيام بها بهدف منع هذه الأشكال من الحملات. في هذا السياق، لا بدَّ أن أشدِّد مجدداً على مخاوفي الجدية الكبيرة بشأن أعمال الترهيب والانتقام التي يرتكبها مسؤولو الدول بحق الأشخاص الذين يلتزمون مع الأمم المتحدة في ما يتعلق بحقوق الإنسان. إذ يعتمد موظفو مكتبي والإجراءات الخاصة وهيئات المعاهدات على أعضاء من المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، إلى جانب العديد من الجهات الأخرى، من أجل التبصر والمعلومات. نحن نعتمد على مشورتهم ومساعدتهم – وحتى على الضغوط التي يمارسونها. نحن نخدمهم – كما تفعلون، حضرات السادة. وحين تقوم حكومة أو مسؤولون آخرون بترهيب أو اعتقال أو إيذاء هؤلاء الأفراد، فإنهم يهاجمون عنصراً أساسياً لعمل هذا المجلس والأمم المتحدة، وتقع على عاتقنا مسؤولية القيام بكل ما نستطيعه لحمايتهم. وفيما سنقدم في جلسة المجلس المقبلة التقرير السنوي للأمين العام بشأن أعمال الانتقام، أناشدكم أن تتعاونوا مع الأمين العام المساعد أندرو غيلمور الذي يقود العمل عبر نظام الأمم المتحدة حول هذه القضية.

تقع على عاتق أعضاء هذا المجلس والمرشحين للعضوية فيه مستقبلاً مسؤولية خاصة بالتعاون مع آليات المجلس. ويدعو القرار 60/251، الذي أنشىء بموجبه هذا المجلس في آذار/مارس 2006، هؤلاء إلى "دعم أعلى المعايير في تشجيع وحماية حقوق الإنسان (وإلى) التعاون مع المجلس كلياً". مع ذلك، على سبيل المثال، ثمة 21 طلب زيارة معلق لدى أندونيسيا كانت تقدمت به الإجراءات الخاصة، وهي لم تستقبل سوى إثنين من المكلفين بولاية منذ عام 2008. وثمة 11 طلب زيارة معلق لدى مصر، فيما آخر بعثة زارت البلاد منذ سبع سنوات. نيبال، وهي مرشحة للعضوية، لديها 16 طلب زيارة معلق، فيما آخر بعثة من قبل مكلف بولاية مواضيعية تعود إلى عام 2008. حصة فنزويلا 10 طلبات زيارة معلقة، فيما آخر بعثة من قبل مكلف بولاية مواضيعية كانت في القرن الفائت. وقبلت الفليبين ثلاث زيارات في السنوات الخمس الماضية لكن ثمة 23 طلبات زيارة أخرى لا تزال معلقة.

وأكثر ما يدعو للدهشة أنه بالرغم من انتخابها في هذا المجلس عام 2015، إلا أن بوروندي تواصل ارتكاب ما يشكل أخطر انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعامل معها هذا المجلس، في حين أن الحكومة علَّقت كل أشكال التعاون مع مكتبي. وفي أيلول/سبتمبر تمَّ الإعلان عن أن البعثة المستقلة التابعة للمجلس غير مرغوب فيها، فيما لم تتمكن لجنة التحقيق الحالية من دخول البلاد. لننتقل إلى الدول غير الأعضاء في هذا المجلس، فالبحرين ولاوس وتنزانيا وتركمانستان لم تسمح بزيارات على الإطلاق من قبل الإجراءات الخاصة خلال السنوات الخمس الماضية، وراكمت كل منها أكثر من خمس طلبات معلقة. تندرج جامايكا ضمن هذه الفئة أيضاً، لكنها وافقت على زيارة فريق الخبراء العامل المعني بالمنحدرين من أصل أفريقي وإنني أشجع الحكومة على وضع تواريخ محددة للزيارة. أما زيمبابوي، التي لديها 14 طلب زيارة معلق، فلم تقبل زيارة بعثة واحدة من قبل مكلف بولاية. وإنني أعترض بشدة على الحجة ذات المصلحة الذاتية التي يتقدم بها البعض، بما مفاده أن على هذا المجلس أن يتجنب طرح حالات الدول – وهو رأي عادة ما يجاهر به قادة الدول التي لديها القليل من المؤسسات المستقلة وتحجِّم بشكل حاد الحريات الأساسية. كما رفضت حكومات روسيا البيضاء وجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية وإريتريا وإسرائيل وإيران قرارات تنشىء مكلفين بولايات قطرية لصالحها، وبالتالي هي لا تسمح بزيارات من قبل هؤلاء المكلفين بولايات.

وفي حالة سوريا، كان ثمة فترة طويلة من عدم تيسير الوصول سواء لمكتبي أو للجنة التحقيق بشأن سوريا. هذا بالرغم من المعاناة المروعة المتواصلة للشعب السوري، خصوصاً في المجتمعات المحاصرة. وإنني أكرر ندائي لإطلاق سراح كل المعتقلين الذين تمَّ سجنهم ظلماً في سوريا. وإن الأمم المتحدة بصدد وضع اللمسات الأخيرة على توظيف رئيس الآلية الدولية غير المتحيزة والمستقلة. وفي الشهر الفائت، قبلت جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية بأول زيارة في تاريخها للإجراءات الخاصة، وذلك من قبل المقررة الخاصة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وهي خطوة أرحب بها. ونظراً إلى الخطورة الحادة للانتهاكات المفاد عنها في البلاد، يجب التوضيح أن هذا الأمر لا يقلل بأي بطريقة من الحاجة الماسة إلى الالتزام مع المكلف بولاية القطري ومع مكتبي، بما في ذلك هيكلنا الميداني القائم في سيول. أما ميانمار، فقد منحت المكلف بولاية القطري الدخول إليها، لكن بعض الأماكن المحددة المطلوبة محظورة، في ظل تفسيرات متناقضة بشأن هذه القيود. وإنني أحث الحكومة على التعاون بالكامل مع بعثة تقصي الحقائق المستقلة التي تمَّ إنشاؤها حديثاً لميانمار، بما في ذلك الدخول الكامل وغير الخاضع للرقابة إلى ولاية راخين، حيث نعتقد أن انتهاكات حقوق الإنسان مرعبة إلى أقصى الحدود.

وفي هذا المسح العالمي للتعاون وعدم التعاون مع الإجراءات الخاصة، يجب أن نذكر على نحو خاص كوبا التي قبلت في نيسان/أبريل، بعد عشر سنوات من عدم حصول أي زيارات من قبل مكلفين بولايات، ببعثة للمقرر الخاص المعني بالاتجار بالأشخاص. ويبدو من غير المعتاد لعضو ناشط مماثل في مجلس حقوق الإنسان الإبقاء على مثل هذا الالتزام المحدود مع الإجراءات الخاصة. بدورها، وجهت الصين دعوة إلى أربعة مكلفين بولايات في إطار الإجراءات الخاصة في السنوات السبع الماضية، لكن كما الحال مع بعض الدول الأخرى، واجهت هذه البعثات تحديات تتعلق بضرورة حرية التنقل والوصول إلى المجتمع المدني المستقل.

أخيراً، في مقابل ذلك، بذلت العديد من الدول جهوداً كبيرة للتعاون مع المكلفين بولايات، وقامت بتسهيل أكثر من خمس زيارات قطرية في السنوات الخمس الماضية وهي: أستراليا والبرازيل وتشيلي وجورجيا وإيطاليا والمكسيك وتونس والولايات المتحدة الأميركية. لكن لم تخل كل هذه الزيارات من المصاعب. ففي الولايات المتحدة الأميركية، التي استقبلت ست زيارات قطرية للإجراءات الخاصة في السنوات الخمس الماضية ووافقت على زيارتين إضافيتين خلال 2017، يبقى من الضروري تيسير وصول المقرر الخاص المعني بالتعذيب إلى معتقل غوانتنامو، بما يتماشى مع اختصاصات زيارات الإجراءات الخاصة. من جهتها، لم تمنح أستراليا، وهي مرشحة للعضوية في هذا المجلس، الدخول إلى كل مراكز الاعتقال للمهاجرين وبالرغم من توصيات عديدة، إلا أن الحالة في مراكز في ناورو ومانوس لم تُطرح بشكل كاف.

حضرة الرئيس،

أن تصبح طرفاً في معاهدة دولية معنية بحقوق الإنسان هو التزام تقوم به الدولة فوق كل شيء من أجل شعبها. وتهدف تقارير الإجراءات إلى تحديد الثغرات كحماية وتدابير متخذة لتصحيحها. هي ليست اختيارية. لكن تقارير 74 دولة تأخرت لعقد من الزمن أو أكثر – وفي دقائق قليلة، حين يُنشر النص الكامل لهذا الخطاب على موقع المكتب الإلكتروني، فإنه سيتم إلحاق قائمة 1 بهذه الدول1. ولم يتم تقديم ما مجموعه 280 تقريراً أولياً أبداً – ما يعني أن الدول صادقت على المعاهدة المعنية أو البروتوكول الاختياري، من ثم أدرات ظهرها لاحقاً لواجباتها على ما يبدو، ونكثت بالتزامها.

إن التقرير HRI/MC/2017/2 الصادر الشهر الماضي، والذي تُرك لمراجعته من قبل رؤساء هيئات معاهدات حقوق الإنسان، يستكشف بتفاصيل صادمة في أكثر الأحيان عدم التزام هذه الدول الأطراف. أما المعاهدات التي سجلت أعلى نسبة من عدم التزام الدول الأطراف بتقديم التقارير فهي الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري بكافة أشكاله؛ العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة‏؛ والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتعتبر هذه الاتفاقيات صكوكاً أساسية. وفشلت خمسة وستون دولة صادقت على البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلال الأطفال في البغاء وفي المواد الإباحية في تقديم تقارير بهذا الشأن. ولم تقدم حوالى 30 بالمئة من الدول الأطراف تقريرها الأولي إلى اللجنة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

لقد كانت الأمم المتحدة تبث عبر الإنترنت كل الاستعراضات العامة للجان هيئات المعاهدات منذ العام الماضي، مستلهمة بذلك اهتماماً كبيراً في الدول المعنية؛ وفي نيسان/أبريل، تمَّ بث التقرير الثالث الذي قدمته تونس إلى لجنة مناهضة التعذيب في إحدى دور السينما مباشرة أمام جمهور ضمَّ مسؤولين حكوميين وناشطين وإعلاميين وضحايا. وهذا هو الصواب بعينه: فالهدف من تقارير معنية بحقوق الإنسان وموضوعها هو لإفادة الناس. فهي ليست نهاية بحد ذاتها أو عملية ميكانيكية بحتة لتغذية الطلبات البيروقراطية.

وثمة 34 دولة فقط ملتزمة بالكامل حتى تاريخه بتقديم تقاريرها المعنية بهيئات المعاهدات وهي: أستراليا, أذربيجان, روسيا البيضاء, بلجيكا, بوتان, كندا, الصين, جزر كوك, الدانمارك, الإكوادور, فرنسا, الكرسي الرسولي, هندوراس, إيطاليا, الكويت, قيرغيزستان, ليتوانيا, جزر مارشال, مونغوليا, الجبل الأسود, نييوي, عُمان, بولندا, بورتوغال, جمهورية مولدوفا، الاتحاد الروسي، رواندا، سنغافورة، السويد، تركمانستان، أوكرانيا، الولايات المتحدة الأميركية، الأوروغواي وأوزبكستان. وكما قلت سابقاً، يعتبر تقديم التقارير ضرورياً – لكن إذا ما اعتُمد عليه وحده، فإنه لا يُترجم بالضرورة مباشرة إلى تقدم فعلي.

حضرة الرئيس،

يسعدني أن أبلغ عن عدد من الحالات التي تحسَّن فيها تيسير الوصول لموظفي مكتبي أو يبدو على الأرجح أنه سيتحسَّن أكثر في المستقبل القريب. ففي أوزبكستان، عندما قمت بزيارة طشقند في الشهر الماضي، وافق كبار المسؤولين على التعاون مع مكتبنا الإقليمي لآسيا الوسطى وتعهدوا بدعوة المكلفين بولايات في إطار الإجراءات الخاصة لزيارة البلاد، ابتداءً من المقرر الخاص المعني بحرية الدين أو المعتقد. ولا تزال أوزبكستان تواجه تحديات رئيسية في مجال حقوق الإنسان لكن القيادة، على ما أعتقد، تأخذ البلاد في الاتجاه الصحيح. لقد أبلغتني أرمينيا بدورها عن نيتها تحسين التزامها مع المكتب، وسوف نواصل المناقشات مع الحكومة في هذا الاتجاه. وفي مهمتي إلى أثيوبيا في الشهر الماضي، وقَّعت مذكرة إبداء اهتمام مع الحكومة، وعقدت مناقشات مهمة مع السلطات، بما في ذلك ضرورة زيادة المساحات الديمقراطية والمدنية. وبالرغم من أن تيسير الوصول لم يُمنح لموظفي مكتبي بعد من أجل تقييم الأحداث الأخيرة في منطقتي أوروميا وأمهارا، إلا إنني آمل في أن يحصل ذلك، ولقد تعهدت بأن أترأس بعثة متابعة إلى إثيوبيا العام المقبل. وتشكل عملية الإعدام الأخيرة لقادة معارضين، وذلك لتعبيرهم على ما يبدو عن آراء مخالفة، مصدر قلق كبير بالنسبة إلي، كما عمليات الوقف الدورية لوسائل التواصل الاجتماعي.

من جهتها، قبلت حكومة موزامبيق استقبال بعثة تقنية من موظفي مكتبي وطلبت من المفوضية السامية لحقوق الإنسان تأمين المساعدة لتدريب الشرطة وتحسين إدارة العدالة وشروط السجن والمساعدة في قضايا تتعلق بالعدالة الانتقالية. وآمل في أن ذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى نيل المفوضية السامية لحقوق الإنسان والإجراءات الخاصة قدرة أكبر على الوصول للتحقق من مزاعم الإعدامات بإجراءات موجزة وعمليات القتل التعسفية وحالات الاختفاء القسري.

وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، لا تزال الحالة الرهيبة التي سبق أن بدأت في أقاليم كاساي مستمرة في التدهور، وتمتد إلى أقاليم أخرى عبر الحدود وعبر الحدود مع أنغولا. ونظراً إلى مصاعب الوصول إلى المناطق حيث تحصل الانتهاكات والإساءات، سوف أرسل فريقاً إلى المنطقة في الأسبوع المقبل للقاء السكان الفارين من الهجمات. وإذا لم أتلقى الردود المناسبة من الحكومة في ما يتعلق بتحقيق مشترك بحلول 8 حزيران/يونيو سوف أصرُّ على إنشاء آلية تحقيق دولية لسكان كاساي. وفي الصحراء الغربية، تتواصل المناقشات مع الحكومة لاستئناف إرسال بعثات تقنية. وينظر مكتبي أيضاً في خيارات تيسير الوصول إلى شبه جزيرة القرم.

إنني أشعر بأسف بالغ إزاء ضرورة الإبلاغ عن أنه في عدد من المناطق الأخرى لم يحدث أي تغيير منذ الخطاب الذي ألقيته أمام المجلس في أيلول/سبتمبر 2016 في ما يتعلق بمسألة تيسير الوصول اللازم. ففي منطقة جنوب شرق تركيا، لا تزال جهودنا للتحقيق في مزاعم بشأن حدوث انتهاكات خطيرة مرفوضة، في حين أن عدد الأشخاص الذين ينتظرون محاكمتهم عبر البلاد يجعل من الصعب التخيل إذا ما كانت ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة محترمة. وبالرغم من الطلبات المتكررة الرفيعة المستوى إلى الهند وباكستان، إلا أن السماح لموظفي بالحصول على تيسير وصول غير مشروط إلى جهتي خط المراقبة في إقليم جامو وكشمير الذي يخضع لإدارة الهند وإقليم كشمير الذي يخضع لإدارة باكستان لم نحصل عليه بعد، ونحن لا نزال نتلقى تقارير عن زيادة العنف والإصابات في صفوف المدنيين وعمليات حظر تجول وحجب للمواقع الإلكترونية. وفي فنزويلا، تؤكد أزمة حقوق الإنسان المتنامية – بما في ذلك قتل ما لا يقل عن 60 شخصاً، بحسب المدعي العام، فضلاً عن انتشار النقص في الغذاء والجوع – على الحاجة الملحة إلى إجراء تحليل غير متحيز وتقديم مساعدات سريعاً. وإنني أحث الحكومة على قبول طلبي لإرسال بعثة إلى البلاد على مستوى العمل. وبما أن هذا المجلس يعي أين تبدو حالة حقوق الإنسان حرجة وأين يتم رفض تيسير الوصول مراراً لموظفي مكتبي، فإن الخيار الوحيد المتاح أمامنا هو تنفيذ أشكال مختلفة من الرصد عن بعد. وطالما أن عمليات الرفض لتيسير الوصول مستمرة، سوف أكون مجبراً على نشر التقارير بشأن النتائج التي توصلوا إليها علناً وبانتظام.

حضرة الرئيس،

في الأسبوع الماضي، أطلقت سلطات جمهورية أفريقيا الوسطى والمفوضية السامية لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى (مينوسكا) تقرير المسح المعني بحقوق الإنسان. ونأمل صدقاً في أن يحفز الجهود الوطنية والدولية لمكافحة الإفلات من العقاب وفي أن يرسل إشارة قوية بأن العدالة سوف تأخذ مجراها بحق جميع الأشخاص الذين يتورطون أو يدعمون الموجة الحالية للعنف المروع الذي يتهدَّد البلاد. وقامت غواتيمالا أخيراً بتمديد الاتفاق المضيف لمكتبي القطري لمدة ثلاث سنوات إضافية، وهو ما يشكل تطوراً مرحباً به. لكن يؤسفني أن المكتب القطري للمفوضية السامية لحقوق الإنسان في بوليفيا سوف يقفل أبوابه في نهاية العام، عقب قرار من الحكومة. غير أننا سنواصل متابعة حالة حقوق الإنسان في بوليفيا قدر المستطاع.

حضرة الرئيس،

لقد قبلت كل دولة أنه "من واجب الدول، بغض النظر عن أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية، تشجيع وحماية كل حقوق الإنسان والحريات الأساسية" – لمتابعة إعلان فيينا. وتشكل كل دولة طرفاً في ما لا يقل عن واحدة من أصل تسع معاهدات رئيسية لحقوق الإنسان. وسيكون من غير المقبول إذا كان على الوفود أن تستخلص أنه بالإبقاء على أدنى حد من الالتزام بآليات حقوق الإنسان يمكنها التهرب أو خيانة هذه الالتزامات تجاه شعوبها وشعوب العالم. وقد يرغب القادة في نكران هذا الواقع، لكن سواء أعجبنا ذلك أم لا، فإن البشرية مترابطة في ما بينها. فقد أدَّى تعذيب الأطفال في درعا في آذار/مارس 2011 وهجمات العنف التي نفذتها قوات الأمن السورية في وجه التظاهرات المتلاحقة التي قام بها أهلهم وجيرانهم ومؤيديهم إلى نزاع لا تزال مذابحه ودماره وموجات الصدمة المرتبطة به تسبب الفوضى ما وراء حدود سوريا. ونحن نرى من حولنا مراراً وتكراراً وبمزيد من الوحشية نتائج التمييز والحرمان والظلم – في تصعيد الأزمات والمعاناة وتفشي الحرب. وسواء اعتبر القادة الأفراد هذه الحقيقة ملائمة أم لا، فإن من المسلَّم به مع ذلك أن نكران حقوق الإنسان في مقاطعة واحدة يعني كل دولة في المنظمة.

ويستغرق تحقيق تقدم في مجال حقوق الإنسان إجراء صفقة أكبر من التباهي بتوقيع في ذيل الوثيقة. ويقدم مكتبي والإجراءات الخاصة التابعة للمجلس وهيئات المعاهدات إلى الدول فرصة الاستفادة من تدقيق موضوعي وقائم على مساعدة الخبراء وخبرة واسعة وأدوات عملية وموجهة نحو الهدف. وأعتقد أن لدينا فرصة هائلة للبناء على التزام الأمين العام بالمنع وعلى خطة عام 2030، المدعومة بحافز لإنهاء التمييز في أي مكان مبني حول التزام جوهري بالحقوق – لا سيما الحق في التنمية. ونستطيع استخدام هذه النقاط الأولية لتطوير آفاق جديدة للعمل في مجال حقوق الإنسان بما يمكن أن يؤثر في حياة العدد الأكبر من الأشخاص. لكن المسؤولية الأساسية لفتح هذه الأبواب لا تزال تقع على عاتق الحكومات وأصحاب السعادة وهذا المجلس.

شكراً جزيلاً.

ملاحظة:

1. أفغانستان 3، أنتيغوا وباربودا 3، باهاماس 1، البحرين 3، بنغلاديش 3، باربادوس 1، بليز 3، بنين 1، بوليفيا 2، بوتسوانا 4، البرازيل 1، بوروندي 1، الرأس الأخضر 7، جمهورية أفريقيا الوسطى 2، تشاد 2، جزر القمر 2، الكونغو 2، ساحل العاج 4، كرواتيا 2، كوبا 1، دومينيكا 6، جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية 1، جمهورية الكونغو الديمقراطية 1، مصر 1، غينيا الاستوائية 4، إريتريا 5، الغابون 2، غامبيا 1، غانا 2، غرينادا 2، غينيا 3، غينيا بيساو 1، غيانا 1، هايتي 1، هنغاريا 1، الهند 1، جامايكا 1، الأردن 1، كينيا 1، كيريباتي 1، لاتفيا 1، لبنان 1، ليسوتو 6، ليبيريا 3، ليبيا 4، ملاوي 3، جزر المالديف 1، مالي 6، ميكرونيزيا 1، موزامبيق 2، ناميبيا 2، النيجر 3، نيجيريا 3، بنما 3، بابوا غينيا الجديدة 1، رومانيا 2، سان مارينو 2، سان مارينو 2، ساو تومي وبرنسيب 1، السنغال 4، جزر السيشل 3، سييراليون 2، جزر سليمان 2، الصومال 4، سانت كيتس ونيفيس 2، سانت لوسيا 1، سانت فينسنت والغرينادين 4، سورينام 1، سوازيلاند 4، الجمهورية العربية السورية 2، طاجيكستان 2، تيمور الشرقية 3، تونغا 2، ترينيداد وتوباغو 2، تونس 1، أوغندا 1، فيتنام 1، زيمبابوي 3.

انتهى

للحصول على مزيد من المعلومات ولطلبات وسائل الإعلام، الرجاء الاتصال بــ:
روبرت كولفيل (+41 22 917 9767 / rcolville@ohchr.org) أو رافينا شامداساني (+41 22 917 9169 / rshamdasani@ohchr.org) أو ليز ثروسيل (+41 22 917 9466 / ethrossell@ohchr.org)

هل تشعر بالقلق إزاء العالم الذي نعيش فيه؟ إذاً قم اليوم ودافع عن حق إنسان استخدم هاشتاغ #Standup4humanrights وقم بزيارة صفحة الويب على العنوان التالي http://www.standup4humanrights.org

تابعونا وشاركوا أخبارنا على تويتر @UNHumanRights وفايسبوك unitednationshumanrights