Header image for news printout

هل القانون الدولي المعني بحقوق الإنسان مهدَّد؟ محاضرة غروتيوس في نقابة المحامين في لندن

ألقاها زيد رعد الحسين، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان

26 حزيران/يونيو 2017 ​

في مطلع هذا الشهر، دعت رئيسة وزراء بريطانيا إلى إسقاط قوانين حقوق الإنسان في حال "وقفت في طريق" المكافحة ضد الإرهاب. تحديداً، قالت تيريزا ماي إنه كان هناك حاجة إلى "تقييد حرية وتنقل الإرهابيين المشتبه بهم حين يكون لدينا دليل كاف لنعلم أنهم يشكلون تهديداً، لكن ليس الدليل لمحاكمتهم بالكامل في المحكمة". بالنسبة إلى جمهور يشعر بالقلق أكثر فأكثر، وينتابه الاضطراب بفعل الهجمات الإرهابية الأخيرة المروعة، من الثابت أن ملاحظاتها عكست حالاً فعلياً من الغضب والإحباط، لكن بدا أيضاً أنها معدَّة للضرب على الوتر الحساس لشريحة من الناخبين، وإن هذا التوقع المرجو هو ما يشعرني صراحة بالقلق. وقد يدعي المسؤولون في الحكومة البريطانية على الأرجح أنه يجب تفهم هذه التعليقات في سياق حملة انتخابية صعبة، ومن المحتمل أن يحاولوا ويعيدوا التأكيد لنا بهدوء أن دعم الحكومة لحقوق الإنسان لا يزال ثابتاً ولا مجال للطعن فيه. ومهما كان القصد الكامن خلف ملاحظات ماي، إلا أنها كانت مؤسفة جداً، وهدية من قائدة غربية رئيسية لكل شخصية متسلطة حول العالم تنتهك حقوق الإنسان بلا خجل تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. والأمر لا يقتصر على القادة فحسب.

منذ أيام قليلة، مشيراً إلى رئيسة الوزراء ماي، قدم لواء سابق في البحرية من سريلانكا عريضة إلى رئيس مجلس حقوق الإنسان. وطلب اتخاذ خطوة ضد مكتبي "لإجباره" سريلانكا على التعهد بإصلاحات دستورية وممارسة الضغط عليها لإنشاء محكمة مختلطة لمحاكمة الجناة المسؤولين عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية – في حين ادعى في الواقع أن كل ما شاركت فيه البلاد هو مكافحة الإرهاب.

السؤال الأول الذي أطرحه هو: لماذا يشكل القانون الدولي لحقوق الإنسان هدفاً سهلاً هكذا؟ لماذا يُساء فهمه إلى هذا الحد، ويشتمه البعض، ويخافه آخرون، ويتعرض للرفض والهجوم؟ أما سؤالي الثاني، فهو: إذا قصدت رئيسة الوزراء ما قالته، أي حقوق عالمية ترغب المملكة المتحدة في كشفها لمعاقبة أشخاص لا تتوافر ضدهم أدلة كافية لتبرير ملاحقتهم قضائياً؟ وما هي، تحديداً، الحقوق التي تعتبرها تافهة أو عائقاً؟ الحق في الخصوصية؟ الحق في حرية الشخص وأمنه؟ الحرية في التعبير؟ حرية الدين والمعتقد؟ مبدأ عدم الإعادة القسرية؟ حظر التعذيب؟ المحاكمة وفق الأصول القانونية؟

ولماذا نحارب الإرهابيين بالدرجة الأولى، إذا لم يكن للدفاع عن الرفاه المادي للأشخاص وقيم حقوق الإنسان السامية التي تقول بشأنها رئيسة الوزراء الآن إنها ترغب، جزئياً، في التضحية بها – بهدف مكافحة الإرهابيين؟ وأين تراه يتوقف الأمر؟ إن التخلي عن بعض الحقوق الآن قد يترك مفاعيل مدمرة على حقوق أخرى لاحقاً. وإذا ما اتبعنا هذا التحليل إلى خاتمته المنطقية، فإن التفكيك الكامل المحتمل لحقوق الإنسان من شأنه أن يغيرنا – دولاً ومنظمات دولية على حدٍّ سواء. وأقتبس من نيتشه الذي قال "ليحذر الذي يحارب الوحوش من أن يتحول هو ذاته إلى وحش". فنحن تحت وطأة خطر التحول فعلياً إلى جهات لا يمكن تمييزها عن الإرهابيين الذين نحاربهم. إذاً لماذا قالت رئيسة الوزراء ماي ذلك؟ قد يكمن جزء من الجواب على الأقل في ظروف السوق. ولطالما تمَّ الاستهزاء بقانون حقوق الإنسان من قبل صحافة صفراء ذات نفوذ هنا في المملكة المتحدة، تتغذى متلذذة بما ترسمه كنتائج سخيفة تتوصل إليها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ. وإن وجهة النظر هذه تلقى صدىً لدى شريحة من الجمهور الذي لا يعي أهمية القانون الدولي لحقوق الإنسان – الذي غالباً ما يراه العديد من الأشخاص إلى حدٍّ بعيد منزوعاً جداً من الحياة اليومية ومعنياً جداً بالقارة وقانونياً للغاية ومنسوباً إلى الناشطين بشكل كبير وفي نهاية المطاف غريباً جداً. كيف يمكن لمحكمة أن تأخذ بالاعتبار حقوق التصويت الخاصة بالسجناء ومطالب أخرى تافهة مفترضة عند مقابلتها مع معاناة الضحايا؟ الأنذال يستحقون العقاب، نقطة على السطر! قد يكون الأمر قابلاً للفهم على المستوى العاطفي بعض الشيء. لكن يجب الاعتراف أيضاً بأن الحبر البريطاني، الذي يعكس تقليداً قانونياً غنياً على نطاق واسع، موجود في كافة نواحي الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

ولسبب وجيه، إن الاعتراف أن المجرم حتى لديه حقوق هو الأساس للفكر التنويري، ومبدأ راسخ في القانون العام. وهو يكمن في الجوهر العميق للحضارة الإنسانية ويميزنا عن قبيلة بدائية يلفها العقاب والأعمال الوحشية. أعتقد، مثلما يعتقد كثيرون آخرون، أن المجرمين لديهم أيضاً حقوق أساسية، لأنه مهما كان الشر الذي ارتكبوه، فإنهم يظلون بشراً. وفي كثير من الأحيان، تأثر تصرفهم المرضي بصدمة لحقت بهم بسبب أشخاص آخرين. دعوني أعطيكم مثلاً، لربما يكون بليغاً. في العراق، هناك أشخاص يجادلون من أجل قتل أكبر قدر ممكن من الأطفال المجندين من قبل تنظيم داعش وقد يدعمون حتى تعذيبهم، نظراً إلى الوحشية التي كانت عليها أعمالهم. لكن في سييراليون، إن العديد من الأطفال الموالين لفوداي سانكو، والذين كانوا يقطعون في ما مضى أطراف أطفال صغار آخرين، يخضعون حالياً لإعادة تأهيل على نطاق واسع، وبقدر لا يُستهان به بسبب جهود الأمم المتحدة. كانوا أطفالاً حتى حين كانوا إرهابيين – ويجب رؤيتهم على أنهم أطفال أولاً.

إنني أسعى في سياق هذه المحاضرة الموجزة إلى التحقق من بعض هذه الهجمات على القانون الدولي لحقوق الإنسان وعلى القانون الدولي عموماً. يشرفني طلبكم إلي أن أتحدث إلى ورثة هوغو غروتيوس. فما الذي قد يقوله غروتيوس اليوم، فيما لو عاد إلى الحياة للحظات معدودة؟ هل سيتفاجأ بعد حوالى 400 عام على نشر كتابه حول قانون الحرب والسلم بكل الإنجاز الحاصل؟ بمدى اتساع رقعة رد الفعل العنيف حالياً؟ بالكفاح؟ أو ربما لن يتفاجأ على الإطلاق بأيٍّ من كل هذا. وفي ظل التشجيع على "مجتمع" دولي يحكمه القانون لا القوة، قد يتفاجأ جداً من أنه استغرقنا 300 عام أخرى من عقد المعاهدات وإراقة الدماء على نطاق واسع، متوَّجة بحربين عالميتين قبل أن تتبنى البشرية نظاماً للقانون الدولي. أو انظروا إلى الأمر من زاوية أخرى، فالمنطق قد أثبت بحد ذاته أنه غير كافٍ.

وحده موت 100 مليون شخص تقريباً في حربين عالميتين وفي محرقة اليهود يمكن أن يولِّد الإرادة الضرورية لإحداث تغيير عميق. لقد سقطت البشرية من منحدر شاهق ونجت، وإذ أرعبت نفسها بشدة، فإنها أخذت كل العبرة من ذلك. التوقعات بإبادة نووية غيَّرت أيضاً طريقة التفكير ما بعد مرحلة الحرب. بُعيد ذلك، وضعت الدول ميثاق الأمم المتحدة وعملت على تعزيز القانون الدولي – ودوَّنت القانون الدولي للاجئين، من ثم أنجزت القانون الدولي الإنساني وأنشأت القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي. وهذه هي تحديداً هيئات القانون الدولي التي يتهددها الخطر حالياً.

في حين يتوجب عليَّ في هذه المحاضرة أن أدقق في كل التهديدات التي تتربص بالقانون الدولي العام، ابتداءً من استيلاء روسيا وضمها للقرم وصولاً إلى التنصل المحموم للقوى الأوروبية من التزاماتها بموجب اتفاقية اللاجئين لعام 1951 أو على ما يبدو أنه تفجير متعمد من قبل الجهات الفاعلة الرسمية الأساسية للمنشآت المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني – على غرار العيادات الطبية والمستشفيات في سوريا واليمن وأفغانستان – وسأقتصر من أجل الإيجاز على ذكر هذه التهديدات الأساسية الموجهة ضد القانون الدولي لحقوق الإنسان وسأركز بشكل خاص على الحظر المطلق لاستخدام التعذيب. وبالقيام بذلك، آمل في إظهار مدى دلالة كل هذه المسائل على استخفاف واسع النطاق يُبرز تحدياً للقانون الدولي بشكل أكبر عموماً.

دعوني أولاً أعود إلى الكفاح ضد الإرهاب وكيف تستغله حكومات العالم من أجل دحر التقدم الذي حصل في مجال حقوق الإنسان. فالانتقاص من حرية التعبير وحرية التجمع – الذي يهدِّد بالقضاء على المعارضة كلياً في دول مثل مصر والبحرين وتركيا – يضيِّق الخناق على ما بقي من مساحة ديمقراطية، وكل ذلك تحت راية مكافحة الإرهاب. وتتفشى هذه العدوى بسرعة. وعندما أشدِّد على هذه النقطة وأؤكد على مبالغة الحكومات في أفعالها، تُوجَّه إلي أصابع الاتهام أحياناً بإظهار تعاطف مع الإرهابيين، وهو أمر مشين. أودُّ أن أكون واضحاً. إنني أدين الإرهاب بغير تحفظ. ولا يمكن أبداً تبريره على أساس أي ظلم، سواء كان حقيقياً أو متصوراً.

لا ينطوي ظهور داعش والقاعدة والنصرة والشباب وبوكو حرام على إيديولوجية مميزة ويجب تفكيكها في المصدر. وإذا كان لا بدَّ من محاربتها من منظور أمني ومن خلال شبكات استخباراتية وقوة عسكرية، فإن العمليات يجب أن تكون أيضاً دقيقة إلى حدٍّ كبير. بعبارات أخرى، تستوجب العشوائية وعدم الدقة اللتين تشكلان سمات مميزة لاختيار الهدف من جانب الإرهابيين ردَّ فعل معاكس تماماً من الدول. ويشكل تطبيق القانون بطريقة أشبه بالليزر، بما يتوافق مع المعايير والضمانات لحقوق الإنسان العالمية، مضاد السم الفاعل الوحيد إذا كان لا بدَّ من نجاح حتمي لهذا الكفاح. وإن الاحتجاز، وفي بعض الحالات التعذيب، للأفراد الذين لا صلة لهم بمجموعة إرهابية لكن هم بالرغم من ذلك متهمون بموجب قانون غامض الصياغة لمكافحة الإرهاب – ببساطة لأنهم أقدموا على انتقاد الحكومة – ليس أمراً خاطئاً فحسب، بل خطير ومدمر ذاتياً كلياً. وهذا لا يحوِّل الشخص، المتهم ظلماً، إلى شخص يكره الدولة فحسب، بل أيضاً يدفع نحو ذلك عائلته وأصدقاءه وربما مجتمعه. وقد يذهب البعض إلى أبعد من الكراهية فحسب. فالاحتجاز التعسفي يخدم الإرهابيين لا الدولة، ويغذي التجنيد. ولا تزال عمليات الاحتجاز التعسفي مألوفة في تلك الدول التي تتعامل مع الإرهاب. في الواقع، إذا صدقتم معظم خطاب الحكومات، فإن كل محام أو صحافي يكاد يكون إرهابياً من حيث التعريف، لا سيما إذا كان يركز على حقوق الإنسان. وإن الحاضرين ها هنا مشمولون أيضاً!

أكثر من ذلك، نظراً إلى أن السجون تتحول في أكثر الأحيان إلى مصانع لتحويل المجرمين الصغار إلى متطرفين متصفين بالعنف، فإن الحرمان القانوني من الحرية بأمر من المحاكم يجب أن يكون مخصصاً للجرائم الأكثر خطورة وسبل الانتصاف غير السالبة للحرية للجرائم الأقل وطأة. وهذا ما لا يحصل. بدلاً من ذلك، نحن نرى الولايات المتحدة ملاذاً متجدداً لأحكام طويلة بالسجن لأولئك المحكومين بجرائم مخدرات. وعوضاً عن التركيز على الأفراد المحتمل أنهم يتصفون بالعنف بفعل الإيديولوجية التكفيرية أو أي إيديولوجية متطرفة أخرى، فإن إدارة ترامب تواصل إصدار أوامرها التنفيذية المتعلقة بحظر السفر وصولاً لإقرارها من قبل المحكمة العليا، بالرغم من أنها اعتبرت غير دستورية في المحاكم الدنيا.

بطريقة مماثلة، في الأسابيع التي تلت الهجمات الإرهابية الوحشية في باريس في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، اتخذت السلطات الفرنسية خطوة كبيرة وأقفلت 20 مسجداً وجمعية إسلامية، في ظل القيام أيضاً بمداهمات للمنازل بناءً على 2700 مذكرة. وفي المملكة المتحدة، شكَّل قانون تنظيم سلطات التحقيق لعام 2016 أحد الأنظمة الساحقة الأكثر رقابة في العالم، والذي يتيح الاعتراض وتيسير الوصول والاحتفاظ بالمحادثات واختراقها من دون الحاجة إلى وجود اشتباه مبني على المنطق. وكان يُنظر إلى اللاجئين والمهاجرين أكثر فأكثر كأحصنة طروادة للإرهابيين. واحتدمت الهستيريا في الأروقة السياسية في أنحاء أوروبا ولا بدَّ أن الإرهابيين كانوا في هذه الحالة يبتسمون. وحين يتعلق الأمر بإدارة رد فعل الجمهور، بدلاً من تبني الحس العام، تبدأ الحمى.

وبغية التغلب على الإرهاب، يجب على الحكومات أن تكون دقيقة في ملاحقة الإرهابيين. وإن الادعاء بإقفال الحدود – مع أو من دون أسوار مزينة بألواح للطاقة الشمسية – لهو وهمٌ وأمر بغيض. لا يجب اعتقال الأطفال، لا يجب أن يكون هناك إعادة قسرية. لا يجب أن يكون هناك إعادة جماعية أو قرارات تُتخذ على الحدود من قبل ضباط الشرطة بدلاً من القضاة. أو في الواقع، عمليات إعادة إلى دول ليست آمنة بوضوح. لقد فشل اتفاق الاتحاد الأوروبي مع تركيا برأينا في العديد من هذه النقاط الرئيسية؛ لا سيما في ما يتعلق بحق كل شخص طالب للجوء في الحصول على تقييم خاص به على حدة. وإذا أضفنا إلى ذلك التدابير الطارئة التي هرع إليها عدد من البرلمانات الأوروبية، والتي تحطُّ أيضاً من قدر اتفاقية اللاجئين لعام 1951، فإن أوروبا – بوصفها حارساً لرصد القوانين المعنية باللاجئين وحقوق الإنسان في العالم – تجد نفسها متورطة في خبث كلي.

إن الديماغوجيين والشعبويين عبر أوروبا وفي مناطق أخرى من العالم، بالإضافة إلى الصحف في هذا البلد، راكموا على مدى سنوات كراهية الأجانب والتعصب الأعمى – اللذين يشكلان الوقود الذي أدَّى إلى ظهور هذه السياسات غير الحكيمة. ويبدو أن الأمر نجح في ظل دعم شعبي غير متوقع يحتشد لصالحهم. وبعد إجراء الاستفتاء هنا في المملكة المتحدة، والذي طغى عليه الخوف الاستفزازي من الأجانب والمؤسسات الأجنبية، أتى نتاج الانتخابات الأميركية وبدا أن عربة السيرك الشعبوية تسير على عجلات لا يمكن إيقافها. وإن الفرضية التي تطبع العقل البشري، هي في النهاية، الخوف. الخوف الغريزي. تلك الآلية الغريزية الباطنية التي تحمينا من الضرر، من الموت. شعورٌ كل متطرف، بما في ذلك أشخاص شعبويون مهرة، يسعى إلى الاستفادة منه أو استمالته. وباستخدامه ببراعة ومحو تفكير استنتاجي مكتسب من المعرفة، هم يسبكون الحركات التي يقودونها بسهولة أكبر وتحقق طموحاتهم السياسية أهدافها على النحو المطلوب – على الأقل لفترة من الزمن.

وتعمل الآلية العاطفية في عقل المدافع عن حقوق الإنسان بدلاً من ذلك بطريقة مختلفة. وبهدف فعل الخير في حياتنا، ليس تجاه بعض الأشخاص فحسب، إنما تجاه الجميع؛ وبهدف الدفاع عن حقوق الإنسان للجميع – إن هذا الأمر يتطلب استثماراً في الفكر بشكل دائم، بحيث أن أي تحيزات طبيعية تكمن في أعماق كل واحد منا يجب الحذر منها ونبذها في كل يوم من أيام حياتنا. وقد يكون الاتجاه الافتراضي للعقول البشرية جديراً بالازدراء؛ لكن المعركة الداخلية للتغلب على ذلك إنسانية بعمق. التفكير في الجميع والعمل من أجل الجميع: هما الأمثولتان الأساسيتان اللتان تعلَّمهما الأشخاص الذين نجوا من الحربين العالميتين – سواء كنا نتحدث عما يتعلق بسلوك الأفراد أو الدول. هاتان الأمثولتان راسختان في ميثاق الأمم المتحدة. ولم تضع الكاتبة النهائية فيرجينيا جيلدرسليف مصطلحي "حقوق الإنسان" في مقدمة ميثاق الأمم المتحدة كتنميق أدبي. فقد كُتبا في النص – تقريباً في البداية، في السطر الثالث – لأنه كان يُنظر إلى حقوق الإنسان كالخيار الوحيد الممكن لأول خفقة يولِّدها نبض جديد. ولأنه بتاريخ 26 حزيران/يونيو 1945، اليوم الذي تمَّ فيه توقيع الميثاق، انتهت أعمال القتل التي لا تزال البشرية تجهل حجمها حتى تاريخه، في ظل مدن مسحوقة ويتصاعد منها الدخان باستمرار حول العالم، قل إنها تجسيد للحقد والغباء لدى البشر. وبمجرد القبول بحقوق الإنسان كالحجر الأساس، فإن ما تبقى من الصرح – أي النجاح في التنمية الاقتصادية والسلام الدائم – سيصبح ممكناً. وهذه نقطة حتى اليوم – ربما خصوصاً اليوم – من الضروري أن تستوعبها العديد من الجهات السياسية الفاعلة التي لا ترى حقوق الإنسان إلا قيداً مرهقاً. في الواقع، إن العديد من الأشخاص الذين تمتعوا بحقوقهم منذ الولادة لا يدركون ببساطة ما تعنيه هذه المبادىء فعلياً. مثل الأكسجين، هي تتواجد خلف إدراكنا الحسي اليومي، وعندما نُحرم منها فجأة أترانا نفقه معناها الكبير. ومن أجل مساندة حقوق الإنسان لكل إنسان، إن كل حامل للحقوق، هو طريقة أخرى لقول ذلك بمجرد العمل معاً، وأترانا – كبشر ودول – نتسلح بالأمل حتى نتخلص من آفات العنف والحرب.

للأسف، لا تزال ردود الفعل الفطرية التي يروِّج لها مرة أخرى شعبويون وديماغوجيون مستمرة. هم يسوِّقون للهيمنة لا المساواة ويزرعون الشك بدلاً من الهدوء ويقذفون العداوة ضد شرائح محددة من الأشخاص ممن هم ضعفاء – ويسهل اتخاذهم كبش محرقة ولا يستحقون كراهيتهم. ويبدو أن هذه الطبقة السياسية تسعى بشكل أكبر إلى الاستفادة من الخوف الحقيقي لفئة محددة من الناخبين بدلاً من تشجيع الاهتمام بالرفاه للجميع. لحسن الحظ، يتم التغيير على قدم وساق. وإن الموجة الشعبوية أو القومية – الشوفينية في الغرب والتي بلغت ذروتها في الولايات المتحدة انحسرت حالياً، إذ اصطدمت بصناديق الاقتراع في النمسا وهولندا وفرنسا. بالرغم من ذلك، إن الحركة المناهضة للشعبوية، كما سمَّاها البعض، قائمة ومستمرة حالياً. وفي مناطق أخرى من العالم، لم تتأثر بالتالي التهديدات التي تطال القانون الدولي والمؤسسات التي تدعمهم بهذه التطورات الأخيرة والإيجابية بشكل أكبر. وتعمل الولايات المتحدة على تقييم الدرجة التي ستقلِّص عندها دعمها المالي إلى الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات المتعددة الأطراف. وهي لا تزال بصدد اتخاذ القرار إذا ما كان عليها الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان وكان هناك حديث حتى في مرحلة ما بشأن انسحابها من صكوك حقوق الإنسان الأساسية التي تشكل طرفاً فيها.

وفي العام الفائت، أفادت تقارير أن تسع دول عربية – التحالف الذي تقوده السعودية لمحاربة المتمردين الحوثيين/الموالين لصالح في اليمن – قامت بتهديد غير مسبوق قوامه الانسحاب من الأمم المتحدة في حال تمَّ إدراجها بمرتبة مرتكبي جرائم في ملحق تقرير الأمين العام بشأن الأطفال والنزاع المسلح. واستُبعدت لجنة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان ومحكمة الدول الأمريكية ومحكمة تطوير جنوب أفريقيا والمحكمة الجنائية الدولية عن هذه التهديدات أيضاً. ولحسن الحظ، في كل الحالات تقريباً، لقد فشل التهديد بالانسحاب أو حتى في حال انسحبت دولة أو اثنتان، لم يستتبع ذلك أي رد فعل. لكن انتظام هذه التهديدات يعني أنه من المحتمل أكثر فأكثر أن النزيف سيحصل يوماً ما – وإنه لابتعاد يغلق الكتاب على بعض فصول نظام القانون الدولي.

في هذا السياق، ما يشعرني بقلق بالغ هي التصفية المستمرة التي يقوم بها رئيس الولايات المتحدة من خلال حملته وقريباً في ما بعد مع عودة إلى التعذيب. لقد قيل لنا الآن إن الدليل الميداني للجيش الأميركي لن تُعاد صياغته وإن وزير الدفاع الأميركي يوجِّه البيت الأبيض في هذا الموضوع. وحتى الآن، ثمة خطر ضئيل في العودة إلى الممارسة المسماة "تقنيات الاستجواب المشددة"، وهي عبارة ملطفة لا تستغفل أحداً. ويمكن أن يتغير المزاج في الولايات المتحدة بالطبع على نحو مؤسف، إذا تعرضت البلاد في مرحلة ما لهجوم إرهابي مروع. وإدراكاً منا كيف أن الشعب الأميركي أصبح على مدى السنوات العشر الماضية أكثر تقبلاً للتعذيب، فإن التوازن يمكن أن يميل إلى صالح ممارسة هذا التعذيب – ويدمر الوضعية الهشة التي تمر فيها اتفاقية مناهضة التعذيب.

ومن الجدير التذكير بأن اتفاقية مناهضة التعذيب، التي صادقت عليها 162 دولة، هي الاتفاقية الأكثر صلابة لأي صك قائم في القانون الدولي. إذ يعتبر حظرها للتعذيب مطلقاً، ولا يمكن أبداً إزالتها – حتى خلال حالة طارئة "تهدِّد حياة الأمة". لكن بالرغم من ذلك، إن الاعتراف بها كقواعد آمرة، والوضوح الخالص للمادة الثانية من الاتفاقية، ووجود العديد من الضحايا الناجين من التعذيب، الذين لا يزالون مجهولي الهوية وغير مدعومين ومحرومين من العدالة أو التعويض، يشكل شهادة حية عن الاستمرار المروع للتعذيب في العالم. وفي حين يبدو أن مجرد عدد قليل من الدول يمارس التعذيب بانتظام، كجزء من سياسة الدولة، فإن 20 دولة (وهي مدرجة على موقعنا الإلكتروني) لا تعترف باختصاص لجنة مناهضة التعذيب بموجب المادة 20. لذلك، ترفض مسبقاً أي تحقيق في الانتهاكات المزعومة المنتشرة على نطاق واسع.

وثمة المزيد من الدول التي تحتضن أعمالاً من التعذيب المعزولة – أو شبة المعزولة – وسوء المعاملة. وعلى نحو مقلق، لا تقوم الدول ضمن هذه المجموعة ببساطة باتخاذ التزاماتها على محمل الجد بما يكفي. فمستويات الإفلات من العقاب مرتفعة جداً، إذ أن معظم الأفراد الذين تثبت إدانتهم يواجهون عقوبات إدارية حصراً؛ وإن ما يسمى دليلاً يُستحصل عليه تحت وطأة التعذيب لا يزال، في العديد من الدول، مقبولاً في المحاكم. هناك أيضاً عدد من الدول – وإن هذه المجموعة قد يزداد عديدها – في حين أن ليس لديها سجل بممارسة التعذيب، إلا أنها تسكت عنه، بتجاهلها، على سبيل المثال، مبدأ عدم الإعادة القسرية كما هو وارد في المادة 3 من الاتفاقية. وثمة غالبية كبرى من الدول الأطراف التي تتجاهل كلياً أو جزئياً التزاماتها بموجب المادة 14 من اتفاقية التعويض على الضحايا وإعادة تأهيلهم، بغض النظر عن مكان وقوع التعذيب أو من ارتكبه.

منذ 11 عاماً، تحقق تقدم ملحوظ مع دخول البروتوكول الاختياري حيز التنفيذ، والذي يسمح بالقيام بزيارات وقائية من قبل لجنة فرعية لمنع التعذيب إلى أي مكان محروم من الحرية وفي أي وقت. وتمَّ إنشاء حوالى خمسين آلية وقائية وطنية ونفذت اللجنة الفرعية 54 زيارة. مع ذلك، تفتقر العديد من الآليات الوقائية الوطنية إلى الموارد وهي ليست مدعومة للخروج بنتائج فعلية. وتتأكد هشاشة الاتفاقية بواقع أن لا دولة تلتزم بكل شروطها. وليس هناك دولة تقرُّ علناً بأنها تتورط في التعذيب، لكن الأدلة الكثيرة تبيِّن أن التعذيب يُمارس بانتظام من قبل بعض الدول على الأقل – أقصد تلك الفئة الأولى التي أشرت إليها سابقاً. وقد يبدو أن كل الحكومات كانت تشارك في عرض مسرحي يوحي بأنها تلتزم بالاتفاقية. ويمكن لذلك أن يكون حاسماً أكثر مما نتخيل أساساً، لأنه يفرض حساً بالعار. خذوا بالاعتبار البديل عن ذلك.

لقد تحدث رئيس الفليبين صراحة بشأن أعمال القتل خارج القضاء، وإن رئيس الولايات المتحدة الأميركية قال إن التعذيب يمكن أن يكون ضرورياً في بعض الظروف. لم يعد هناك من عرض مسرحي. هم يخرقون محرمات تمَّ الحفاظ عليها لوقت طويل. وإذا بدأ قادة آخرون باتباع المسار الخطابي نفسه، بما يقوِّض الاتفاقية بالتعابير التي يستخدمون، فإن من المرجح أن تزداد ممارسة التعذيب، ويمكن لذلك أن يكون فتاكاً. وسيتم فتح كوة في الاتفاقية وإزالة دعامة مركزية من القانون الدولي. بالتالي، إن المخاطر التي تتهدد نظام القانون الدولي برمته حقيقية إلى حدٍّ كبير.

اليوم، 26 حزيران/يونيو، هو اليوم الدولي لدعم ضحايا التعذيب، وقد شاركت مسبقاً في حلقة نقاش في كلية كينجز نظمتها نقابة المحامين الدوليين لزيادة التوعية بشأن الحظر المطلق للتعذيب والحاجة إلى مهنة قانونية للقيام بدور فعال أكبر في منع استخدامه. إن التقدم الإنساني لا ينزلق ابداً؛ سوف يترنح دائماً ويتراجع بشكل مؤقت أحياناً. وسيتعرض الجهد المشترك المبذول من أجل قضية مشتركة ضمن إطار مشترك من التفاهم والتنظيم للهجوم من قبل أولئك الأشخاص الأكثر التزاماً بمتابعة مصالح شخصية ووطنية ضيقة. وإن هؤلاء الأشخاص المتشددين في ممارسة خطة العمل الحازمة والضيقة مرشحون للتخلي عن العديد من القوانين الدولية المعمول بها اليوم وعن المؤسسات ما بعد مرحلة الحرب كمفارقات تاريخية. ولأن شخصاً غير محام يعتبر نظام القانون الدولي معقداً جداً، ولأن نظام حقوق الإنسان غير مقروء بالنسبة إلى العديد من الأشخاص العلمانيين، فإنه من الصعب حشد عامة الشعب الذي قد لا يرى أي تهديد فوري ضده.

وهذا ما يجعلني أتطرق إلى التهديد المحوري الذي يطال حقوق الإنسان اليوم: اللامبالاة. اللامبالاة من جانب قسم كبير من مجتمع الأعمال في العالم، الذي لا يزال يرغب في الاستمرار في الربح حتى لو كان الثمن معاناة أكبر تُرتكب بحق اشخاص آخرين. اللامبالاة لشريحة كبرى من المجتمع الاستخباراتي والأمني، الذي يعتبر أن متابعة المعلومات تحجب كل الحقوق التي يحملها آخرون، والذي يصف التحديات للممارسات الرهيبة والتمييزية بأنها خيانة. وإن بعض السياسيين، الذين تعني لهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية القليل، لا يبالون بتبعات التقشف الاقتصادي. هم لا يرون حقوق الإنسان إلا كفحص مزعج للنفعية – عملة العالم السياسي. وبالنسبة إلى الآخرين، إن اللامبالاة لا تكفي. وهذا الرفض لأجندة الحقوق يُعبَّر عنه بمصطلحات مفعمة بازدراء مطلق للآخرين، بل بعرض دنيء.

يقترب عالمنا على نحو خطير من فك ارتباطه مع الحس بالتعاطف، ليتحول ببطء ليس إلى عالم ما بعد الحقيقة فحسب، بل أيضاً إلى عالم ما بعد التعاطف. وإنه لمن الصعب علينا الآن في​ الأمم المتحدة أن نأتي بمبالغ ضرورية للعمل الإنساني عالمياً. ودعواتنا لتمويل الأكثر فقراً نادراً ما يتم تلبيتها بمستويات تفوق 50 بالمئة؛ والرقم الأخير أقل من ذلك بكثير. ما الذي يحصل لنا؟ لا أعلق آمالي على الحكومات أولاً، بل على أولئك الأشخاص الذين يرفضون كل أشكال الإرهاب وينبذون مكافحة الإرهاب بشكل متطرف وتمييزي ويرذلون شعبوية خارج الحدود الإيديولوجية. أعلق آمالي على أولئك الذين يختارون انتخاب قادة سياسيين مثقفين بشكل أكبر. كما أعلق آمالي على الأشخاص الأكثر جرأة بيننا: المدافعين عن حقوق الإنسان، الذين يقعون في أكثر الأحيان ضحايا أعمال العنف أنفسهم، ولا يتسلحون بشيء بما هو أبعد من عقولهم وأصواتهم، ولديهم الرغبة بالتضحية بكل شيء، بما في ذلك رؤية أطفالهم وأسرهم يخسرون عملهم، حتى حياتهم بأكملها، لصون الحقوق – ليس حقوقهم فحسب، بل حقوق الآخرين.

كم من المدهش جمال هذا الأمر؟ إنني أجد حافزاً للتحرك بفضلهم. يجب علينا كلنا أن نكون كذلك. إنهم من يضمنون حفاظنا على رباطة جأشنا، وإنهم هم، وليس نحن، من يتحملون العبء الأكبر للدفاع عن هذا الجزء الحاسم من نظامنا الخاص بالقانون الدولي. وإنهم هم من سينقذوننا، ويجب علينا في المقابل أن نستثمر كل جهد في حمايتهم. ولا أعتقد أن غروتيوس سيكون متفاجئاً بأي من كل ذلك. وليس التغلب على الرغبة الجامحة للعقل البشري أمراً سهلاً، وستظل البشرية على مدى قرون غير جديرة بالثقة ولا مصداقية لها. إن سلوكنا وسلوك الدول يتطلب لوقت طويل سقالة قانونية للحفاظ على ما نعترف أنه حضارة إنسانية قائمة. وسيكون غروتيوس ممتناً أننا لا نزال نحارب وندافع من أجل مجتمعه الدولي ولربما يقهقه ساخراً عندما يفكر بمجرد كم كان بصيراً في ما يتعلق بهذه القرون الأربعة التي مضت.

شكراً لإصغائكم.