الحكم السديد وحقوق الإنسان

لمحة عامة

ما هو الحكم السديد؟

لا يوجد تعريف وحيد وشامل ل"الحكم السديد"، ولا تحديد لنطاقه، يحظى بقبول عالمي. ويستخدم المصطلح بمرونة شديدة؛ وهذه ميزة، ولكنها أيضا مصدر لقدر من الصعوبة على المستوى التنفيذي. وحسب السياق والهدف الأسمى المتوخى، قيل في أوقات مختلفة إن الحكم السديد يشمل ما يلي: الاحترام التام لحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والمشاركة الفعالة، والشراكات متعددة الجهات الفاعلة، والتعددية السياسية، والعمليات والمؤسسات الشفافة والخاضعة للمساءلة، ووجود قطاع عام كفء وفعال، والمشروعية، والحصول على المعارف والمعلومات والتعليم، والتمكين السياسي للناس، والمساواة، والاستدامة، والمواقف والقيم التي تعزز المسؤولية والتضامن والتسامح.

بيد أنه يوجد قدر كبير من التوافق على أن الحكم السديد يتعلق بالعمليات والنتائج السياسية والمؤسسية التي تُعتبر ضرورية لتحقيق أهداف التنمية. وقد قيل إن الحكم السديد هو العملية التي تقوم بها المؤسسات العامة بتصريف الشؤون العامة، وإدارة الموارد العامة، وضمان إعمال حقوق الإنسان بطريقة خالية أساساً من إساءة استعمال السلطة ومن الفساد، ومع إيلاء الاعتبار الواجب لسيادة القانون. والاختبار الحقيقي للحكم "السديد" هو مدى وفائه بالوعد باحترام حقوق الإنسان: الحقوق المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. والسؤال الرئيسي هو: هل تضمن مؤسسات الحكم فعلاً الحق في الصحة والسكن اللائق والغذاء الكافي والتعليم الجيد والعدالة المنصفة والأمن الشخصي؟

الخصائص الرئيسية للحكم السديد

أوضح عمل لجنة حقوق الإنسان السابقة مفهوم الحكم السديد. فقد حددت اللجنة، في قرارها 2000/64، الخصائص الرئيسية للحكم السديد:

  • الشفافية
  • المسؤولية
  • المساءلة
  • المشاركة
  • الاستجابة (لاحتياجات الناس)

وبربط الحكم السديد بالبيئة البشرية المستدامة، مع التشديد على مبادئ مثل المساءلة والمشاركة والتمتع بحقوق الإنسان ورفض النُهج المقررة للمساعدة الإنمائية، يشكل القرار إقراراً ضمنياً لنهج التنمية القائم على أساس الحقوق.

وربط القرار 2000/64 صراحة الحكم السديد بتوفير بيئة تمكينية تفضي إلى التمتع بحقوق الإنسان وإلى "تشجيع النمو والتنمية البشرية المستدامة". واعترف القرار، في معرض تشديده على أهمية التعاون الإنمائي لضمان الحكم السديد في البلدان التي تحتاج إلى دعم خارجي، بأهمية نُهج المشاركة في التعاون الإنمائي وبعدم ملاءمة النُهج المقررة.

كيف يترابط الحكم السديد وحقوق الإنسان؟

الحكم السديد وحقوق الإنسان أمران يعزز كل منهما الآخر. فمبادئ حقوق الإنسان توفر مجموعة قيم لتوجيه عمل الحكومات والجهات الفاعلة السياسية والاجتماعية الأخرى. وهي توفر أيضاً مجموعة معايير أداء يمكن على أساسها مساءلة هذه الجهات الفاعلة. وعلاوة على ذلك، فإن مبادئ حقوق الإنسان يُهتدى بها في صوغ مضمون جهود الحكم السديد: يمكن أن يُهتدى بها في وضع الأطر التشريعية والسياسات والبرامج ومخصصات الميزانية وتدابير أخرى.

ومن ناحية أخرى، فإن حقوق الإنسان، من دون الحكم السديد، لا يمكن احترامها وحمايتها بطريقة مستدامة. ويعتمد إعمال حقوق الإنسان على وجود بيئة مواتية وتمكينية. وتتضمن هذه البيئة الأطر والمؤسسات القانونية الملائمة وكذلك العمليات السياسية والتنظيمية والإدارية المسؤولة عن الاستجابة لحقوق الناس وتلبية احتياجاتهم.

ويمكن تنظيم الصلات بين الحكم السديد وحقوق الإنسان حول أربعة مجالات:

  • المؤسسات الديمقراطية

توفر إصلاحات الحكم السديد، عندما تقودها قيم حقوق الإنسان، السبل أمام الجماهير للمشاركة في رسم السياسات إما من خلال المؤسسات الرسمية وإما من خلال المشاورات غير الرسمية. وهي تنشئ أيضاً آليات لإدماج فئات اجتماعية متعددة في عمليات صنع القرارات، وبصفة خاصة على الصعيد المحلي. وأخيراً، فإنها قد تشجع المجتمع المدني والمجتمعات المحلية على صياغة مواقفهما بشأن المسائل ذات الأهمية لهما والتعبير عنها.

  • تقديم الخدمات

في مجال تقديم خدمات الدولة إلى الجماهير، تحقق إصلاحات الحكم السديد النهوض بحقوق الإنسان عندما تحسن قدرة الدولة على الوفاء بمسؤوليتها عن توفير السلع العامة الضرورية لحماية عدد من حقوق الإنسان، مثل الحق في التعليم وفي الصحة وفي الغذاء. وقد تتضمن مبادرات الإصلاح آليات مساءلة وشفافية، وأدوات سياساتية تراعي الاعتبارات الثقافية لضمان أن تكون الخدمات متوفرة للجميع ومقبولة منهم، وسبلاً لمشاركة الجماهير في صنع القرارات.

  • سيادة القانون

عندما يتعلق الأمر بسيادة القانون، فإن مبادرات الحكم السديد التي تراعي حقوق الإنسان تحقق إصلاح التشريعات وتساعد المؤسسات، التي تتراوح بين النظم الجزائية والمحاكم والبرلمانات، على تحسين تنفيذ هذه التشريعات. وقد تتضمن مبادرات الحكم السديد الدعوة إلى الإصلاح القانوني، وإذكاء وعي الجماهير بشأن الإطار القانوني الوطني والدولي، وبناء القدرات أو إصلاح المؤسسات.

  • مكافحة الفساد

في مجال مكافحة الفساد، تعتمد جهود الحكم السديد على مبادئ مثل المساءلة والشفافية والمشاركة لتشكيل تدابير مكافحة الفساد. وقد تتضمن المبادرات إنشاء مؤسسات مثل لجان مكافحة الفساد، وإيجاد آليات لتبادل المعلومات، ورصد استخدام الحكومات للأموال العامة وتنفيذها للسياسات.

الحكم السديد وحقوق الإنسان والتنمية

الترابط بين الحكم السديد وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة أوجده، بشكل مباشر أو غير مباشر، المجتمع الدولي في عدد من الإعلانات وغيرها من وثائق المؤتمرات العالمية. وعلى سبيل المثال، فإن إعلان الحق في التنمية يعلن أنه "يحق" لكل إنسان ولجميع الشعوب "المشاركة والإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية والتمتع بهذه التنمية" (المادة 1). وفي إعلان الألفية، أكد قادة العالم التزامهم بتعزيز الديمقراطية وتدعيم سيادة القانون، فضلاً عن احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها دولياَ، بما في ذلك الحق في التنمية. وطبقاً لوثيقة الأمم المتحدة عن الاستراتيجية والمتعلقة بالأهداف الإنمائية للألفية، المعنونة "الأمم المتحدة والأهداف الإنمائية للألفية: استراتيجية أساسية"، "يتعين أن تقع الأهداف الإنمائية للألفية ضمن القواعد والمعايير الأوسع نطاقاً لإعلان الألفية،" بما فيها القواعد والمعايير المتعلقة ب"حقوق الإنسان والديمقراطية والحكم السديد".

مفهوم الحكم السديد في الصكوك الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان

يمكن، من منظور حقوق الإنسان، ربط مفهوم الحكم السديد بالمبادئ والحقوق المنصوص عليها في الصكوك الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان. فالمادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تعترف بأهمية الحكم التشاركي وتنص المادة 28 من الإعلان على أن لكل فرد الحق في التمتع بنظام اجتماعي ودولي يمكن أن يجري في ظله الإعمال الكامل للحقوق والحريات المنصوص عليها في الإعلان. ويحتوي العهدان الدوليان الخاصان بحقوق الإنسان على نصوص أكثر تحديداً عن واجبات الحكومات ودورها في ضمان احترام جميع حقوق الإنسان وإعمالها. وتقتضي المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من الدول الأطراف أن تحترم وتكفل الحقوق المعترف بها في العهد وأن تتخذ الخطوات اللازمة لإعمال هذه الحقوق. وينبغي، على وجه الخصوص، أن توفر الدول سبيل انتصاف فعالا ً للأفراد عندما تُنتهك حقوقهم، وأن توفر آلية قضائية عادلة وفعالة لتحديد حقوق الأفراد أو لتحديد الانتهاك الذي يحدث لها. والدول ملزمة، بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، باتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق الإعمال الكامل، على نحو تدريجي، للحقوق المعترف بها في العهد بجميع الوسائل الملائمة.

وقد أولت هيئات رصد معاهدات حقوق الإنسان قدراً من الاهتمام لمختلف عناصر الحكم السديد. ففي التعليق العام رقم 12 بشأن الحق في الغذاء، أعلنت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن " الحكم السديد لازم لإعمال كل حقوق الإنسان، بما فيها القضاء على الفقر وضمان معيشة مُرضية للجميع". وتناولت لجنة حقوق الطفل، في مناسبات عديدة، مسألة قدرة الحكومات على تنسيق السياسات لصالح الطفل ومسألة تحقيق لا مركزية الخدمات ورسم السياسات. وقد تناولت أيضاً الفساد باعتباره عقبة رئيسية تعترض سبيل تحقيق أهداف الاتفاقية.  وتتناول اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، بوجه عام، المسائل المتعلقة بتوفير سبل انتصاف ملائمة وبالأصول القانونية والمحاكمة العادلة في سياق إقامة العدل في كل دولة. وهي تشدد بانتظام على أهمية القضاة المستقلين والمختصين لتوفير الحماية الكافية للحقوق المنصوص عليها في الاتفاقية.