dcsimg


Header image for news printout

بيان ختام بعثة المقرر الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، البروفيسور فيليب ألستون بعد زيارته إلى المملكة العربية السعودية

19 كانون الثاني/يناير 2017

تشغل المملكة العربية السعودية عضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة منذ عام 2014، وأعيد انتخابها مؤخراً لتحتفظ بالعضوية حتى 2019.  ويعتبر نظام "الإجراءات الخاصة" أحد أنشطة المجلس الرئيسة، ويقوم بموجبه المقررون الخاصون - وهم خبراء مستقلون يعيّنهم المجلس - بزيارة الدول وتقديم توصيات لتمكينها من الوفاء بالتزاماتها الحقوقية الدولية بشكل أفضل.  وأثمّن كثيراً دعوة الحكومة السعودية لكي أزور المملكة بصفتي المقرر الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان.  اللافت للنظر أن هذه هي ثالث مرة فقط يقوم فيها أي مقرر خاص بزيارة المملكة خلال السنوات الثلاثين الماضية، فضلاً عن أن الزيارة الأخيرة كانت قبل أكثر من ثماني سنوات.

يكتسب توقيت زيارتي المملكة العربية السعودية أهمية خاصة في ضوء التحول الاقتصادي والاجتماعي والثقافي واسع النطاق الذي تشهده المملكة حالياً. فرؤية المملكة العربية السعودية 2030، وبرنامج التحول الوطني 2020، وبرنامج تحقيق التوازن المالي، كلها وثائق تعكس خطة طموحة للتحول الكبير، وهي خطة مدفوعة بمزيج من الضرورة الاقتصادية والتطور الاجتماعي والقيادة السياسية الجريئة.  وآثار ذلك على حقوق الإنسان عديدة ومتنوعة، كما يشكّل القضاء على الفقر والحماية الاجتماعية جزءاً مهماً من الاستراتيجية الجديدة.

توفر خطة التحول هذه سياقاً تعيد فيه الحكومة ونقادها الخارجيون على حد سواء تقييم السياسات الحقوقية.  ولطالما لفت هذا الفريق الأخير انتباهنا إلى قضايا من قبيل الاعتقال التعسفي بحق المعارضين السلميين وسجنهم، واستخدام عقوبة الإعدام، والتمييز ضد الأقليات الدينية، والتمييز ضد المرأة.  وعلى الرغم مما تشير إليه التقارير الحديثة من عدم إحراز غير تقدم ضئيل جداً في معظم تلك القضايا،1 هناك قضايا أخرى مهمة تتعلق بحقوق الإنسان وتستحق أيضاً الاهتمام، ولا سيما في سياق البيان الحالي. وفيما يخص بعض هذه القضايا، نقول إن المجتمع السعودي ماضٍ في التطور في اتجاه إيجابي.

يظل مكان الخطاب الحقوقي في المملكة العربية السعودية ملتبساً إلى حد ما.  فالمسؤولون الحكوميون يشيرون إلى تصديق المملكة على العديد من المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان، وعضويتها في مجلس حقوق الإنسان، وإعدادها خطة عمل وطنية لحقوق الإنسان، ووجود دائرة كبيرة لحقوق الإنسان بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ومختلف المبادرات الأخرى.  لكن بعض المسؤولين يميل أيضاً إلى النظر إلى حقوق الإنسان كمفهوم غريب ولا يسهل التوفيق بينه وبين طابع المملكة الإسلامي أو دور الأسرة الحاكمة المهيمن.  كما يسارع هؤلاء أيضاً إلى الاحتجاج بالسيادة الوطنية والموروثات الثقافية كحدود مفروضة على الانشغال بحقوق الإنسان.  لكن الواقع في حقيقة الأمر أكثر إثارة للاهتمام من موقف أي من هذين الفريقين.  فكما هو الحال في السواد الأعظم من البلدان في يومنا هذا، هناك عوامل خارجية وداخلية تقف وراء التغير المجتمعي، والمملكة العربية السعودية الآن جزء لا يتجزأ من النظام العالمي ومرتبط به عميق الارتباط. فثلث سكان المملكة من الأجانب، كما تكتسب شركاتها طابعاً معولماً يوماً بعد يوم، وهناك شق كبير من نخبتها المتعلمة قضوا فترات طويلة يدرسون في الخارج، ومواطنوها مستهلكون نهمون لأحدث تكنولوجيات المعلومات والاتصالات، وقد صارت المعايير الدولية في ميادين كثيرة جزءاً لا يتجزأ من إطار وضع السياسات العامة.  وهكذا لم تعد حقوق الإنسان مفهوماً منعزلاً في هذا الصدد.

يشيد المعلقون برؤية المملكة العربية السعودية 2030 لأسباب شتى، من ضمنها برامج التخصيص العميقة، واستهدافها تشجيع المواطنين السعوديين وتحفيزهم لكي يكونوا أكثر إنتاجية، وسعيها إلى الحد من الاعتماد على الدولة، وطموحها إلى "سعودة" سوق العمل وتقليل الحاجة إلى العمالة الأجنبية بدرجة كبيرة، وتأكيدها على الكفاءة، واهتمامها بالعدالة.  وعلى الرغم من أن خطط مكافحة الفقر والحماية الاجتماعية ما هي إلا جزء من هذه المعادلة الكلية، إلا أنه لا يمكن تحليلها بمعزل عما سواها.  هذه الرؤية تحويلية بحق، وسيتطلب النجاح في تنفيذها تغييرات في المجتمع بأسره، بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية.

الفقر في المملكة

يركز هذا التحليل على الفقر معرفاً بمصطلحات نسبية ومتعددة الأبعاد.  ويتفق هذا مع النهج الذي اعتمدته الغالبية العظمى من الوكالات الدولية.  ففي بلد بسمات المملكة العربية السعودية، سيكون بلا معنى إلى حد كبير اعتماد خط مطلق أو تعليق أهمية كبيرة على خط الفقر المدقع العالمي للبنك الدولي البالغ 1.90 دولار للشخص في اليوم.

فكثير من السعوديين مقتنعون أن بلدهم خالٍ من الفقر.  وقد أُخبرت كثيراً بعدم وجود مشردين ولا جياع، وأن روح السخاء الفطرية داخل المجتمع تكفل عدم وجود للفقر.  وحتى وقت قريب جداُ، كان واضعو السياسات والمعلقون حريصون على تجنب كلمة ’الفقر‘.  وكان حديثهم بدلاً من ذلك عن الضعفاء أو المحتاجين.  ومن المفترض أن الأمور قد بدأت في التغير بعد الزيارة الرائدة التي قام بها صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله ولي العهد آنذاك للمناطق الفقيرة في الرياض عام 2002.  فقد أدى ذلك إلى إعداد استراتيجية وطنية للحد من الفقر عام 2005، لكن لم يتم الإعلان عنها على الملأ مطلقاً. وفي عام 2006 بدأ تنفيذ برنامج الدعم التكميلي لمساعدة الفقراء.  ومنذ ذلك الحين، انتشرت البرامج الحكومية وازدهرت المنظمات الخيرية العاملة في قطاع الفقر.

ولكن النتيجة كانت مزيجاً حقيقياً من البرامج التي تتسم بانعدام الكفاءة، وانعدام الاستدامة، وضعف التنسيق، وقبل كل شيء، الفشل في توفير الحماية الاجتماعية الشاملة إلى من هم في أمس الحاجة إليها.2  ويستند النظام إلى تحويلات نقدية شهرية وأخرى تدفع مرة واحدة فقط بموجب برنامج الدعم التكميلي. وطبقاً لوزارة العمل والتنمية الاجتماعية، يحصل ما يزيد على 877 ألف أسرة معيشية سعودية (حوالي 2,400,000 فرد) على هذه المدفوعات. حيث يستحق الأيتام والمعاقون والمسنون والنساء والأسر غير المعيلة، مبلغاً شهرياً بحد أقصى 5 آلاف ريال سعودي (للأسرة المكونة من 15 فرداً) ومبلغاً يدفع لمرة واحدة قدره 30 ألف ريال سعودي كحد أقصى.  وبالإضافة إلى ذلك، يتم توفير إعانات أخرى: قروض الإسكان؛ تأثيث المنازل وتجديدها؛ الحقائب المدرسية والزي المدرسي للطلاب؛ فواتير الكهرباء؛ المعاقين؛ المرضى في المراحل النهائية؛ دعم التعليم العالي؛ والمساعدة الطارئة أثناء الكوارث الطبيعية.  وعلاوة على ذلك، هناك برنامج الأسر المنتجة، ومجموعة من القروض من مصرف التنمية الاجتماعية، والمنح المقدمة من الصندوق الخيري الوطني.  فمن غير المستغرب مع هذا الكم الهائل من الإعانات المحتملة، أن يفترض معظم المواطنين السعوديين عدم وجود مواطنين معوزين. وتأتي أنشطة العدد الكبير من المؤسسات الخيرية على رأس ذلك كله.

وقد وصفت لي وزارة الاقتصاد والتخطيط التحديات الناجمة عن ذلك في العبارات التالية:

  •  الافتقار إلى فهم حقيقي لطبيعة الفقر في المملكة؛
  • ضعف الاستهداف والتداخل والثغرات في تغطية المستفيدين؛
  • عدم الاعتداد بشكل كافٍ بالخصوصية الجغرافية والتفاوت الثقافي؛
  • برامج الحماية الاجتماعية ليست مصممة لتخريج المستفيدين من دائرة الفقر؛
  • عدم وجود رؤية مشتركة بين المؤسسات؛
  • ضعف التنسيق والتجزؤ داخل مؤسسات تقديم المساعدات؛
  • التعقيد المؤسسي والولايات المتضاربة؛
  • قلة إشراك القطاع الخاص أو انعدامه؛
  • غياب آليات الرصد والتقييم المستقلة على مستوى برامج الحماية الاجتماعية؛
  • غياب تقييم الأثر المالي والاجتماعي للبرامج؛3

 

هذه إدانة شديدة للذات، لذا تهدف رؤية المملكة العربية السعودية 2030 وما يرافقها من إصلاحات إلى علاج هذه المشاكل.  فسيتم تخفيض الدعم الحكومي، ولا سيما الدعم المقدم للوقود والكهرباء والمياه، تخفيضاً حاداً على أن يتم إلغاؤه في نهاية المطاف.  فقد بلغ الإنفاق الحكومي على دعم الطاقة قبل حساب الضريبة أكثر من 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي،4 ويعتبر معدل استهلاك المياه في المملكة من أعلى المعدلات في العالم، وهذا الدعم يعود بالنفع على الأغنياء أكثر منه بكثير على الفقراء، فضلاً عن تشويهه للحوافز الاقتصادية.

في كانون الأول/ديسمبر 2016 أعلنت الحكومة السعودية عن برنامج بدلات للأسر المعيشية سيقدم تحويلات نقدية للأسر ذات الدخل المتوسط وفوق المتوسط لتعويضها عن الآثار السلبية المباشرة (ارتفاع الأسعار الاستهلاكية للطاقة والمياه) وغير المباشرة (ارتفاع أسعار التجزئة، بما في ذلك أسعار المواد الغذائية) المترتبة على تكاليف المعيشة نتيجة إصلاحات الدعم.5  وسيكون المنتفعون من هذه البدلات هم الأسر لا الأفراد. ويجب أن يكون المنتفع مواطناً سعودياً مقيماً بالمملكة، مع بعض الاستثناءات.6 والمفترض أن يتم تسجيل جميع المنتفعين من نظام التحويلات النقدية الحالي بشكل تلقائي في البرنامج الجديد، وستشجع الحكومة الآخرين على التسجيل بداية من شباط/فبراير 2017.  ويُتوقع بحلول عام 2020 أن يوفر إصلاح الدعم 209 مليار ريال سعودي سنوياً، فيما لن يتكلف برنامج بدلات الأسر إلا 60-70 مليار ريال سعودي، مما يعني وفراً يصل إلى الثلثين.

سيكون هذا البرنامج جزءاً من نظام أعم، وهو "حساب المواطن"، يقوم على قدرات موسعة بشدة لجمع البيانات الموسعة، وبناء قواعد بيانات شاملة تهدف إلى سد الثغرات الكبيرة القائمة في المعرفة وإلى تجميع المعلومات الموجودة حالياً في أماكن متناثرة على نطاق واسع.  وهناك العديد من المهام والخدمات الحكومية التي ستخضع للتخصيص، مما يمهد الساحة للعب القطاع الخاص والمنظمات غير الربحية دوراً أقوى. 

بشكل عام يعتبر إلغاء أوجه الدعم المسرفة، واستهداف الفقراء والأشد احتياجاً، هدفين جديرين بالثناء.  ومع ذلك، ودون الخوض في تعقيدات ومجاهيل الإصلاحات المقترحة، فهناك العديد من الاعتبارات التي ينبغي أن تأخذها الحكومة في الحسبان.

(1) ينبغي النظر في الإقرار بالحماية الاجتماعية كحق من حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية،  وسيستند هذا إلى التعاليم القرآنية بشأن التزامات الحاكم وحقوق الفقراء والمحتاجين في إطار نظام الزكاة.  وسيبعث هذا أيضاً بإشارة تنم عن التزام الحكومة الراسخ بأن يكون برنامج تحرير السوق المكثف الذي تتضمنه رؤية 2030 متسقاً مع التزامها الدائم باحترام الحق في الحماية الاجتماعية.  سيكون هذا النهج تحديثاً مناسباً للنص الوارد في المادة 27 من النظام الأساسي للحكم، الصادر سنة 1992، الذي تكفل الدولة بموجبه حق المواطن وأسرته في حالة الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة. 

(2) ينبغي النظر في تمديد الجدول الزمني لتطبيق الإصلاحات؛  فهذه الإصلاحات أهم من أن يُسمح لها بالفشل، لكن جدولها الزمني الحالي يبدو طموحاً بصورة غير واقعية.  وتُظهر الخبرة المكتسبة من بلدان أخرى أن إصلاحات الدعم واستحداث برامج التحويلات النقدية لهما تأثير كبير على المجتمع، ويمكنهما التسبب في ردة فعل قوية.  ومن واقع تجربة 2016 مع خفض دعم المياه، والضغوط التضخمية في 2016،7 نقول إن الطموح ينبغي أن يكون مشوباً بالحذر.  ففي سياق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نوّه صندوق النقد الدولي إلى أن إصلاح الدعم الحكومي بنجاح يتطلب "إعداداً مكثفاً، ومن ذلك التشخيص الواضح والتخطيط الدقيق لوتيرة هذا الإصلاح ونطاقه"، وهذه عوامل حاسمة الأهمية للإصلاح الناجح.8

(3) الخطط المعلنة حتى الآن مهمة في إلغاء الدعم الحكومي، وتخفيف الآثار السياسية والاقتصادية المترتبة على هذا الإلغاء وعلى الإصلاحات الأخرى، وتمهيد الساحة للتخصيص وتسويق الخدمات،  لكنها لا تشكّل في مجموعها خطة متماسكة أو شاملة لتحقيق الحماية الاجتماعية لجميع المحتاجين.  وهي لا تستطيع ذلك؛ لأنه لم تم بعد إجراء أي مسح منهجي للفقر أو أي تحليل مفصل لخصائصه.  وعلى الرغم من ضرورة إصلاح العديد من الاستحقاقات الحالية، لا ينبغي ببساطة الاستعاضة عنها على المدى البعيد بنظام وحيد وهو حساب المواطن. فمستويات المزايا المقترحة متدنية وغير كافية لانتشال متلقيها من هوة الفقر؛

(4) لا تستهدف التحويلات النقدية الحالية المواطنين الأشد فقراً وفق أي تصنيف منهجي، بل تركز على فئات محددة كالأيتام والأسر التي تعولها نساء، وهو ما يعكس إلى حد كبير نظاماً تقليدياً للرعاية الاجتماعية لا نهجاً للتمكين، ويسفر عن قدر كبير من الإنفاق الاجتماعي على غير الفقراء.

(5) نهج رؤية 2030 في الحماية الاجتماعية مستلهم بوضوح من النهج الذي طالما ناصره البنك الدولي.  وعلى الرغم من مزايا هذا النهج الكثيرة، إلا أن مبادرة الحد الأدنى للحماية الاجتماعية التي تساندها الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية أكثر شمولاً وأقل تركيزاً على شواغل الإقصاء وأعمق جذوراً على صعيد حقوق الإنسان.  وستستفيد الحكومة كثيراً من دعوة منظمة العمل الدولية لإبداء بعض ملاحظاتها بشأن خططها الراهنة.

(6) ينبغي أن يكون بمقدور المواطنين المستبعدين في نهاية المطاف أن يطعنوا على قرارات استبعادهم أمام آلية تظلمات قضائية أو شبه قضائية جيدة التصميم، بدلاً من تركهم للوزارة لتكون الخصم والحكم في آن واحد أو الاعتماد على تعبئة شبكات التواصل الاجتماعي.

كما يتعين أيضاً أخذ قضايا الضرائب وعدم المساواة بعين الاعتبار في سياق هذا الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الواسع النطاق.  فعلى الرغم من انخفاض مستويات عدم المساواة منذ عام 2007 - وهو ما حدث إلى حد كبير نتيجة سياسات إعادة التوزيع التي طُبقت في أعقاب "الربيع العربي" - إلا أنها ما زالت مرتفعة ارتفاعاً مبالغاً فيه،  إذ بلغ معامل جيني على مستوى المملكة ككل 0.46، وأما في الرياض فبلغ المعدل 0.54.  أما في الولايات المتحدة، التي تعاني من مستويات شديدة الارتفاع من عدم المساواة، فكان معدل 2016 يساوي 0.39.  وينبغي أن يكون تركيز سياسات إعادة التوزيع الرامية إلى الحد من عدم المساواة وبالتالي تحسين الكفاءة والعدالة منصبّاً بوجه خاص على الفرص التعليمية،  لكن السياسة المالية تعتبر أيضاً بُعداً حاسم الأهمية.

ولا تنص رؤية 2030 على أي إصلاح كلي للنظام الضريبي السعودي، لكن من المخطط فرض ضريبة على القيمة المضافة، وحدثني كثيرون ممن حاورتهم عن "بالونات اختبار" أُطلقت فيما يتعلق باحتمال فرض ضريبة على الدخل الشخصي، على الوافدين على الأقل.  وبما أن ضريبة القيمة المضافة تنازلية لا ريب، فالواجب على الحكومة لا أن تكفل الإعفاءات الملائمة للسلع الأشد أهمية للفقراء، بل تكمّل أيضاً تلك المبادرة بتركيز أوسع على تضمين العدالة في صلب النظام الضريبي.

وفي هذا الصدد، تعتبر الزكاة أيضاً عنصراً مهماً.  فأحد مصادر الإيراد المحتملة التي ينبغي إخضاعها لمزيد من الدراسة جمع الحكومة لزكاة شخصية بنسبة 2.5 في المائة. ويسمح المرسوم الملكي رقم 1951، المعني بهذه القضية، بجباية زكاة شخصية أو زكاة على الشركات، لكن الهيئة العامة للزكاة والدخل لا تجمع الزكاة حالياً إلا من الشركات، وستنشئ عما قريب حساباً لدفع زكاة شخصية تطوعية إلى الهيئة العامة، لكن لو جُعلت هذه الزكاة إلزامية، فستزيد مصادر الإيرادات التي توجَّه إلى المساعدات الاجتماعية. وهناك إعراض واسع عن دفع زكاة الشركات، وتُعتبر خطط الهيئة بغية ضمان المزيد من الفعالية في جمع الزكاة خطوة مهمة على طريق طمأنة الجمهور على الارتباط المباشر بين دفع الزكاة والحماية الاجتماعية.

السبل التي يُقضى من خلالها على الفقر مع تشجيع احترام حقوق الإنسان

توجد أربعة مجالات رئيسة يتعين فيها على الحكومة تنفيذ إصلاح مستدام إن أرادت بلوغ أهداف رؤية 2030، مع القضاء على الفقر وضمان الحماية الاجتماعية وتشجيع احترام حقوق الإنسان في الوقت نفسه.

 1. عملية اتخاذ القرار المستندة إلى الشواهد

من السمات المدهشة التي اتسمت بها عملية اتخاذ القرار في المملكة فيما مضى عدم وجود إحصائيات موثوقة، بل وغالباً عدم وجود أي إحصائيات بالمرة.  وقد أقر غالبية المراقبين الذين تحدثت معهم من خارج الحكومة، بل وكثيرون ممن هم بداخلها، بأن النظام الحالي معيب بشدة نتيجة افتقاره إلى الشواهد الموثوقة والمنهجية المطلوبة كأساس لاتخاذ القرارات الرشيدة والمستنيرة.  ففي بعض الحالات، يبدو أن القرارات تُتخذ بعدم جمع البيانات التي قد تكون مثار إشكال أو جدل أو فيها ضرر بالوحدة الوطنية.  وفي حالات أخرى، تكون المعلومات متاحة بكل وضوح، لكن تحاط بغلاف من السرية التامة.  بل وفي حالات ثالثة، تكون المعلومات متاحة لكن لا يتم تبادلها مع الهيئات الأخرى أو الجمهور، أو لا يتم تقديمها إلا بصورة تقلل نفعها بشدة (الشرائح العشرية بدلاً من المئينات، عدم تصنيفها حسب نوع الجنس أو غير ذلك من المعايير الحيوية، إلى آخر ذلك).

أوضح مثال على ذلك من واقع تجربتي محاولتي تأكيد بعض المعايير التي تستخدمها الحكومة لتحديد من هم الفقراء أو من هم "المعوزين"، والعدد التقديري للأشخاص الواقعين ضمن الفئات ذات العلاقة.  فعندما خاطبت وزارة العمل والحماية الاجتماعية، أحالني المسؤولون إلى الهيئة العامة للإحصاء.  وفي اجتماعي الأول مع مسؤولي الهيئة، قالوا لي إنهم لا يستطيعون موافاتي بأي معلومات في هذا الشأن مهما كانت؛ لأن هذه المعلومات ملك للوزارة.  وعندما خاطبت الوزير شخصياً في ذلك، اتصل هاتفياً برئيس الهيئة، فوافق على مقابلتي.  وفي الاجتماع كررت طلبي، فقيل لي إنهم سينظرون فيه.  ولم تتم موافاتي بأي معلومات فيما يخص الأعداد ذات العلاقة، ولا بأي تفاصيل عن المعايير المستخدمة، على الرغم من محوريتها المطلقة بالنسبة لمهمتي.

بالطبع لا جديد بالمرة في هذه الملاحظة.  فدائماً ما يشكو خبراء الاقتصاد والعلوم السياسية الذين يكتبون عن المملكة من قلة المعلومات، بل ووصل الأمر إلى إبداء صندوق النقد الدولي انتقاداته في هذا الشأن.9  وبالتالي فليس بمستغرب أن أعرب لي المسؤولون عن تنفيذ رؤية 2030 عن إصرار واضح على تجميع قواعد بيانات إحصائية وغير إحصائية شاملة لتيسير اتخاذ القرار المبني على أدلة. ويبدو مستبعداً أن يكون المسار من الكتمان وعدم الشفافية إلى الانفتاح سلساً كما يرجو الكثيرون، لكن في ضوء الطموحات التي عبر لي عنها من تحدثت معهم، سيكون من المهم أيضاً أن تكفل الحكومة تأصيل السبل المناسبة لحماية الخصوصية في صميم تلك الأنظمة.  ولا يظهر لي بوضوح أن هناك أي اعتبار جادّ أعير حتى الآن لهذه المسألة، التي أكد لي كثيرون حتى أن لها أهمية أكبر في المجتمعات الإسلامية.

وكما هو موصى به في تحليل أخير للسياسة العامة من مؤسسة الملك خالد، لا بد من دراسة خيارات بديلة من أجل حساب خط الفقر النسبي للمملكة، ووضع ’خط كفاية‘ يحدد الحد الأدنى لمستويات المعيشة المعقولة. وينبغي أن يشمل كلا العملين مشاورة عامة واسعة النطاق وعدم قصرهما على المداولات التكنوقراطية.

ومتى تم اعتماد مثل هذه المعايير، ينبغي للحكومة أن تلتزم بنشر إحصاءات مناسبة ورصد التغيير بانتظام.

2. مشاركة الجمهور

لا بديل عن وضع تصميم أمثل ومعد بعناية للإصلاحات الرئيسة الناجمة عن تنفيذ رؤية 2030، إلى جانب القبول العام لها.  ومن الواضح أن الحكومة تدرك هذا، وإن كان ضمن حدود، كما ظهر ذلك في حملة العلاقات العامة غير المسبوقة التي اضطلعت بها، ومحدودية تجاربها في التشاور مع بعض أصحاب المصلحة في العملية.  ولكن صندوق النقد الدولي، وهو المنظمة المعنية بالجدوى الاقتصادية أكثر من احترام حقوق الإنسان، أشار إلى أن التحدي الحاسم في هذا السياق يكمن في ”إشراك أصحاب المصلحة الرئيسيين مثل الأحزاب السياسية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والتواصل بشكل واضح وفعال للإعلان عن تكاليف نظم الدعم، والمستفيدين منها، وفوائد الإصلاح.“10

وليس من السهل تحقيق ذلك في بلد لا توجد فيه أحزاب سياسية، ولا انتخابات وطنية، فضلا عما به من قيود كبيرة على حرية التعبير، ولا سيما فيما يتعلق بانتقاد سياسات الحكومة. وسعى محاوريّ إما إلى تبرير القيود المفروضة بناء على شواغل تتعلق بالأمن الوطني والحاجة إلى تفادي الفوضى التي تجتاح بعض البلدان المجاورة، أو يشيرون إلى المبادرات المهمة التي اتخذت في السنوات الأخيرة لتعزيز التشاور الأوسع نطاقاً وتيسيره.  حيث أشاروا إلى دور مجلس الشورى، والانتخابات البلدية، ومختلف الهيئات الاستشارية الأخرى.  لكن التطور الأبرز كان مدى النقاش العام الذي دار من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.  فثلث الشعب السعودي من المستخدمين النشطين لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث يستخدم 27% منهم واتساب، و25% فيسبوك ، و20% تويتر.11  ونظراً لخصائص هذا الأخير فهو يبدو الأهم من حيث التعليقات والحملات السياسية.  وعلى الرغم من أنه لا يزيل الحاجة إلى المزيد من الفرص الرسمية للتعبير عن الآراء ومناقشة السياسات بحرية، إلا إنه ثبت أنه أداة فعالة في كثير من الجوانب، ويمثل تذكرة مستمرة للحكومة بأهمية المشاركة العامة، ولا سيما فيما يتعلق بالسياسات الاجتماعية والاقتصادية.

 

 3. تنسيق الحماية الاجتماعية وتقييمها

يتمثل أحد التحديات الرئيسة في المملكة العربية السعودية في تنسيق سياسة الحماية الاجتماعية، ليس فيما بين الإدارات الحكومية وحسب، ولكن كذلك إزاء شبكة واسعة جداً من الجمعيات الخيرية التي تضخ  مبالغ كبيرة من الأموال وتضطلع بمسؤوليات تنفيذية مهمة.  ومن حيث السياسة الحكومية، نادت مؤسسة الملك خالد بإنشاء لجنة وزارية لوضع السياسات المُحسّنة وتنفيذها. وهناك حاجة واضحة إلى مثل هذه الآلية التنسيقية.

وبالنظر إلى المنظمات الخيرية، قد قدمت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية للمؤسسات الخيرية 500 مليون ريال سعودي عام 2016، كما قدمت هيئات حكومية أخرى تمويلاً إضافياً كبيراً. وتقوم هذه المؤسسات الخيرية بوضوح بدور ثقافي مهم في المملكة، ولكنها ليست مستقلة عن الحكومة، وينظر إلى شروط تسجيلها على نطاق واسع على أنها مكبلة لإمكانياتها لإظهار روح المبادرة.  ويستهدف التمويل الحكومي بشكل متزايد أولويات محددة، ولكن هناك نقص في الرقابة والرصد المجديين لفعالية الإنفاق الخيري. وأبدى عدد من الأفراد انتقادهم للعديد من المؤسسات الخيرية لكونها تلعب دور "الأشخاص الهواة الخيّرين" من حيث تقديم الخدمات الخيرية دون التركيز على وسائل هيكلية لمساعدة المستفيدين على الخروج من دائرة الفقر. وقد بدأت ثقافة المؤسسات الخيرية تدريجياً في التحول عن تقديم الخدمات إلى الشروع في جهود التنمية.

كما أن تغطية المؤسسات الخيرية ليست شاملة أو منهجية، أو موزعة بالتساوي على الصعيد الوطني.  ويبدو أن العديد من المؤسسات المتعاملة منها مع النساء أكثر اهتماماً بتعليمهن الحياكة والتطريز والطبخ وغيرها من الوظائف التقليدية بدلاً من منحهن المهارات المطلوبة جدياً في القوة العاملة.

وينبغي النظر في إنشاء لجنة للمؤسسات الخيرية تشجع على المزيد من الاستقلال الذاتي، وتعزيز التنسيق الأفضل، وحفز التفكير في السياسات الجديدة المطلوبة في البيئة الجديدة لرؤية 2030.

 4. السياسات الشاملة للجميع تجاه المرأة والأسرة

تصف رؤية 2030 المرأة السعودية بأن "عنصر مهم من عناصر قوتنا"، وتقرّ بدور الحكومة في مساعدتها على تنمية مواهبها والاستثمار في طاقاتها.12  فأعداد النساء في الجامعات تفوق أعداد الرجال، بل ويتفوقن عليهم من حيث الأداء في مجالات شتى.  وكون المرأة ما زالت تشكل نسبة ضئيلة من سوق العمل، ومحرومة فعلياً من الاشتغال بكثير من المهن، يقيد بشدة إمكانات المملكة الاقتصادية والتنمية الاجتماعية بها. ويصنّف المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين لعام 2015، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، المملكة العربية السعودية في المرتبة 134 من بين 145 بلداً.13  ولو أريد لرؤية 2030 أن تنجح تماماً، فلا بد أيضاً من اعتبارها كفرصة للتحوّل بغية تعزيز المساواة بين الجنسين، ولا سيما فيما يخص النساء والفتيات في الخميسات الأقل دخلاً. ويعلّمنا التاريخ السعودي الحديث أن رفع القيود الثقافية التقليدية المفروضة على المرأة يعزز بشدة آفاق التقدم الاقتصادية والمجتمعي. فالقرار الذي صدر عام 2012 وسمح بعمل النساء في قطاع التجزئة، كمتاجر السوبرماركت، أحدث تحولاً في المساحات العامة ومكّن الملايين من النساء من الانضمام إلى القوة العاملة.

 قبل التنويه إلى القيود المستمرة ذات التأثير السلبي على قدرات المرأة على العمل والسفر والمشاركة الكاملة كعضو منتج من أعضاء المجتمع خارج حدود الأسرة، من الأهمية بمكان أن نعترف بأن هناك عدداً من التطورات الإيجابية في هذا المجال وأن هناك تغييراً يحدث في المواقف المجتمعية.

 بيد أنه ما زالت هناك تحديات كبرى ماثلة،  وقد يكون من المفيد إيراد بعض الأمثلة.

أولاً: على الرغم من أن القانون لم يعد يشترط حصول المرأة على إذن وليها الذكر كشرط مسبق للعمل،14 ما زال هناك أرباب عمل كثيرون يصرون على هذا الإذن، ولم تتدخل الحكومة حيال ذلك؛ مما يضع المرأة تحت رحمة تفضيلات رب العمل الشخصية وحُسن نية وليها. وتواجه النساء من الفئات الأدنى دخلاً والأقل تعليماً تحديات أكبر في إقناع أوليائهن بالسماح لهن العمل، ولا سيما في أماكن العمل المختلطة بين الجنسين.

ثانياً: تواجه النساء من الفئات الأفقر، حالة تشغيلهن، عقبات إضافية، إذ ربما يحتجن إلى مَن يسهر على رعاية أطفالهن أثناء وجودهن في العمل، وتكلفة استقدام عاملة منزلية وافدة عالية بدرجة لا تطاق. يشترط القانون على الشركات التي توظّف أكثر من 50 عاملاً توفير خدمة الرعاية النهارية، لكن هذا القانون يواجه انتهاكات واسعة النطاق. ونظرا لحظر سياقة السيارات على المرأة وقلة وسائل النقل العام عموماً، عادة ما تجد المرأة العاملة الفقيرة نفسها مضطرة إلى الاعتماد على أهلها وأصدقائها في التنقّل أو الحصول على هذه الخدمة بثمن.

تشغيل الإناث في القطاع العام آخذ في التحسن تدريجياً، لكن ما زال هناك فصل بين الذكور والإناث، وفوق ذلك يقتصر هذا التشغيل على نطاق محدود من الوظائف، حتى وإن وُجدت استثناءات بارزة.  فالمرأة لا تعمل في سلك القضاء ولا الادعاء العام، ولا تشكل النساء إلا 87 من أصل 963 دبلوماسياً. بيد أن المرأة ممثلة تمثيلاً جيداً في الجامعات، وفي قطاعي الصحة والتعليم.

 وعندما يترك المرأة زوجُها، فإنها كثيراً ما تواجه مشاكل كبيرة. فعلى الرغم من قدرتها على اللجوء إلى القضاء طلباً للطلاق، يمكن أن يستغرق التقاضي سنوات لكي تحصل على حكم نهائي. ومن دون وثيقة طلاق، يصعب حصولها على المساعدة الاجتماعية، ويظل لزاماً عليها الحصول على إذن من هذا الزوج فيما يخص العمل وغيره من الأمور. ومع أن الشريعة الإسلامية تلزم الزوج بالإنفاق على أسرته، تجد المرأة التي يتركها زوجها نفسها مضطرة إلى اللجوء إلى القضاء للحصول على حقوقها.  وهذه عتبة يستحيل تخطيها على الكثيرات من النساء الأشد فقراً.

ما زالت المرأة تتمتع بفرص محدودة جداً لاستخدام العملية السياسية الرسمية لإحداث تغيير. وتشكل النساء 20 في المائة ممن عينهم الملك لعضوية مجلس الشورى، وهناك 22 امرأة انتُخبن لعضوية المجالس البلدية في عموم المملكة في عام 2015 ما إن سُمح لهن بالترشّح.  أما خارج هذه المؤسسات، فلا يوجد إلا مجال ضئيل جداً أمام للمرأة للمشاركة في وضع السياسات العامة، فلا توجد منظمات غير حكومية عاملة في مجال حقوق الإنسان، ناهيك عن حقوق المرأة،15 بل ولا يوجد سوى عدد قليل جداً من المؤسسات الخيرية المنخرطة في العمل الدعوي. والحيز الرئيس المتاح أمام مشاركة المرأة هو شبكات التواصل الاجتماعي، ولا سيما تويتر. وقد حققت حملات من قبيل #سعوديات_نطالب_بإسقاط_الولاية16 و#أوقفوا_استعباد_السعوديات17 انتشاراً واسعاً واستقطبت مئات الآلاف من المتابعين في المملكة وخارجها وتركت أثراً على النقاش العام. وتساعد التطبيقات التي طورها أفراد مثل "اعرفي حقوقك" على توعية النساء بحقوقهن الإنسانية.18

يشير معظم المسؤولين إلى أن الحكومة لا تعارض إلغاء الحظر المفروض على سياقة النساء للسيارات أو إلغاء كثير من قيود الولاية على المرأة، لكن سرعان ما يردفون بقولهم إن المجتمع ما زال يعارض ذلك. لكن الحكومة لا يسعها أن تكتفي بنفض يدها من هذه النقاشات. فهي ملزمة باحترام حقوق المرأة، ويجب عليها التصدي لأي ممارسات تقليدية ومجتمعية تسعى إلى حرمان أي فئة من الحقوق الأساسية، وينبغي عليها أن تكفل استناد النقاش إلى استطلاعات رأي دقيقة. وقد رأيت استقصاءات عديدة تدل على معارضة محدودة نوعاً ما للتغيير التدريجي.

التعليم هو السبيل إلى تمكين المرأة من المشاركة في المجتمع على قدم المساواة مع غيرها من المواطنين.  وينبغي أن تكون الحكومة صارمة في إنفاذ القانون القاضي بالتحاق جميع الفتيات بالمدارس الابتدائية. فما زالت نسبة الفتيات اللائي لا يتممن المرحلة الابتدائية أعلى من نسبة الفتيان، لكن البيانات الموثوقة شحيحة وليست مصنفة حسب نوع الجنس.19

 ينبغي على الحكومة إنفاذ القاعدة التي صدرت في 2012 وأعفت المرأة من إذن الوليّ لكي تعمل، مع ملاحقة أرباب العمل الذين ما زالوا يشترطون حصولها عليه قضائياً. لا بد من إطلاق حملة إعلامية حكومية توضح أن إذن الولي الذكر للعمل لم يعد شرطاً قانونياً. ويمكن تأكيد هذا بسهولة في بيان يصدره وزير العمل والتنمية الاجتماعية.

ينبغي على الحكومة احترام الحقوق الإنسانية لجميع السعوديين وحمايتها لكي يعبروا عن آرائهم بحرية على شبكات التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بحقوق المرأة. فالدعوة على الإنترنت إلى المساواة في الحقوق ليست جريمة،20 وينبغي تشجيع النقاش الدائر حول هذه القضية بدلاً من تكميمه. وعندما يتعرض مناصرو حقوق المرأة للتهديد، ينبغي أن تسارع الحكومة إلى حمايتهم وبيان أن مثل هذه التهديدات غير مقبولة.

العاملات المنزليات الوافدات
يشكل العمال الوافدون حوالي ثلث سكان المملكة إجمالاً، ويؤدون كثيراً من الوظائف المتاحة في القطاع الخاص. وقد ركزتُ تحديداً على العاملات المنزليات، اللائي يوجد منهن أكثر من 3 ملايين في المملكة العربية السعودية.21 تعاني هؤلاء النساء من عدم تقاضيهن رواتبهن، وعملهن ساعات زائدة عن الحد، وتعرضهن للإساءة اللفظية والنفسية والبدنية والجنسية. وسيحتوي تقريري النهائي إلى مجلس حقوق الإنسان على تفاصيل أكبر بكثير، أما هنا فسأتوخى الإيجاز.

أحد الأسباب الهيكلية للمشاكل التي تواجهها العاملات المنزليات الوافدات نظام الكفيل، الذي يربط تصاريح إقامتهن بالكفيل (رب العمل) ويعطي هذا الكفيل سلطة هائلة عليهن. وهناك سبب ثان وهو أن العاملات المنزليات يُستقدمن عن طريق مكاتب استقدام تتقاضى رسوماً باهظة على الخدمات ويسعى كثيرون من أرباب العمل، بالمخالفة للقانون، إلى تحميل هذه الرسوم على العاملة بحبس راتبها.

 وتضطلع الحكومة بمسؤولية توفير الإطار القانوني الذي يضمن الاحترام الكامل لحقوق الإنسان الخاصة بالمهاجرين وكذا توفير آليات المساءلة عن أي انتهاكات يمكن أن تحدث. وفي عام 2013، اعتمدت الحكومة لائحة محسّنة، لكن هناك نقص في الإنفاذ. ومع أن وزارة العمل والتنمية الاجتماعية تزعم قيامها بتفتيشات وتحقيقها في الانتهاكات المزعومة، لا تكاد توجد شواهد ملموسة على النتائج. ومع أن الوزارة توزّع الآن على العاملات المنزليات شريحة جوال مجانية لدى وصولهن إلى المملكة العربية السعودية، يعْمد كثيرون من أرباب العمل إلى مصادرة الهاتف.

كثيراً ما ينتهي الحال بالعمال الذين يفرون من أرباب عملهم إلى أماكن إيواء تديرها سفارات بلادهم، وقد افتتحت الحكومة الآن أماكن إيواء تابعة لها وتريد استخدامها بدلاً من الأخرى.  لكن العمال سيكونون أسوأ حالاً بكثير من جراء ذلك ما لم تقدَّم لهم خدمات الاستشارات والمشورة وغيرها من الخدمات اللازمة، وهذا أمر غير مرجح الحدوث.

نادراً جداً ما يتعرض أرباب العمل للملاحقات الجنائية، وأما العاملات المنزليات فكثيراً ما يواجهن تهماً جنائية.

تشير التقديرات الآن إلى وجود حوالي 500 ألف عاملة منزلية إندونيسية غير نظامية في المملكة نتيجة إلغاء اتفاق استقدام العمالة. وينبغي النظر في العفو عن هؤلاء العاملات وغيرهن من أصحاب الأوضاع المماثلة في إطار أي اتفاق ثنائي جديد.

توصيات إضافية

ينبغي أن تصدق الحكومة السعودية على العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان.  وينبغي أن تدعو المقررين الخاصين الآخرين، كالمقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين والمقرر الخاص المعني بالحق في حرية الرأي والتعبير، وينبغي أن تدعو المنظمات غير الحكومية الدولية للمجيء إلى المملكة العربية السعودية ورؤية الوضع على الطبيعة والتعرف بشكل أدق على الجهود التي تبذلها الحكومة.


ملاحظات
1. انظر على سبيل المثال: منظمة هيومان رايتس ووتش، التقرير العالمي 2017، الصفحة 510، متاح من خلال: https://www.hrw.org/world-report/2017

2. أفضل دليل للنظام هو طلحة فدعق، فقر الإناث في المملكة العربية السعودية (لاب لامبرت، ساربروكن، 2012)

3. هذه التحديات شائعة في أنظمة المساعدة الاجتماعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.  انظر: الإسكوا، ’السياسة الاجتماعية المتكاملة: نحو مزيج جديد من أنظمة الرعاية الاجتماعية، التقرير الخامس‘ (2014).

4. صندوق النقد الدولي، "إصلاح الدعم الحكومي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: التقدُّم المحرز مؤخراً والتحديات المستقبلية" (2014)، الصفحة 18.

5. حكومة المملكة العربية السعودية، "برنامج تحقيق التوازن المالي: ميزانية متوازنة 2020"، الصفحة 58، متاح على: http://vision2030.gov.sa/sites/default/files/attachments/BB2020_EN.pdf

6. حكومة المملكة العربية السعودية، "برنامج تحقيق التوازن المالي: ميزانية متوازنة 2020"، الصفحة 61، متاح على: http://vision2030.gov.sa/sites/default/files/attachments/BB2020_EN.pdf

7. "في أعقاب زيادة في أسعار البنزين في كانون الثاني /يناير، إلى جانب الزيادات في أسعار الكهرباء والمياه، ارتفع معدل التضخم من سنة لأخرى إلى 4.1 في المائة في الأشهر السبعة الأولى من عام 2016، مقارنة بـ 2.3 في المائة في نهاية عام 2015". وحدة المعلومات التابعة لمجلة إيكونوميست، "التقرير القطري: المملكة العربية السعودية"، صدر في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، الصفحة 8.

8. صندوق النقد الدولي، "إصلاح الدعم الحكومي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: التقدُّم المحرز مؤخراً والتحديات المستقبلية" (2014)، الصفحة 11.

9. صندوق النقد الدولي، "تقرير خبراء الصندوق في إطار مشاورات المادة الرابعة لعام 2016"، 29 حزيران/يونيو 2016، الفقرة 50.

10.   صندوق النقد الدولي، "إصلاح الدعم الحكومي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: التقدُّم المحرز مؤخراً والتحديات المستقبلية" (2014)، الصفحة 11.

11. http://www.smartinsights.com/social-media-marketing/social-media-strategy/new-global-social-media-research/

12. حكومة المملكة العربية السعودية، رؤية 2030، الصفحة 37.

13. http://reports.weforum.org/global-gender-gap-report-2015/economies/#economy=SAU

14. http://www.arabianbusiness.com/saudi-women-no-longer-need-male-consent-work-report-457596.html

15. لا تتمتع هيئة حقوق الإنسان ولا الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان باستقلال حقيقي عن الحكومة، ولم تتخذ أيهما موقفاً علنياً قوياً في تعزيز حقوق المرأة.

16. http://www.ibtimes.co.uk/saudi-women-launch-twitter-campaign-demanding-end-male-guardianship-1574537

17. http://www.dw.com/en/stopenslavingsaudiwomen-protesting-against-male-guardianship/av-35939277

18. http://english.alarabiya.net/en/media/digital/2016/11/29/Saudi-lawyer-s-know-your-rights-app-to-women-gets-50-000-subscribers-.html

19. وزارة الاقتصاد والتخطيط وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، "تنفيذ الأهداف الإنمائية للألفية في المملكة العربية السعودية 2013"، الصفحة 41.

20.  http://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/samar-badawi-saudi-arabia-jails-one-of-its-most-prominent-activists-for-women-s-rights-a6809471.html; http://www.telegraph.co.uk/news/2016/12/27/saudi-man-called-end-guardianship-women-jailed/

21.   تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية لعام 2015، الصفحة 51