عمليات حصار وقصف جوي وتجويع لإجبار مدينة حلب على الاستسلام – لجنة التحقيق

عودة

"الوضع لا يوصف"، بهذه الكلمات يستذكر قائلاً أحد الأطباء العاملين في حي السكري الواقع شرقي مدينة حلب في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر. يضيف "استقبلنا 168 شخصاً جريحاً اليوم فحسب، فيما أجرينا 153 عملية جراحية. وثمة سبع غرف عمليات جراحية مفتوحة في الوقت نفسه لمعالجة الضحايا الوافدين".

وحين استعادت القوات الموالية للحكومة مدينة حلب بعد شهر لاحقاً، تعرَّضت كل المستشفيات للقصف من قبل القوات الجوية السورية و/أو الروسية، متوقفة بالتالي عن العمل. وتمَّ جمع إفادات من ضحايا وشهود عيان بناءً على أكثر من 290 مقابلة أجرتها لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا لإعداد أحدث تقرير مكلفة به خصيصاً، والذي يحقق في أوضاع حقوق الإنسان في مدينة حلب وجوارها في الفترة الممتدة بين 21 تموز/يوليو و22 كانون الأول/ديسمبر 2016.

يقول رئيس اللجنة باولو سيرجيو بينيرو "من دون تحديد أي أهداف عسكرية دقيقة، نفذت القوات السورية والروسية غارات جوية يومية على شرق مدينة حلب، ما أسفر عن وقوع مئات الخسائر في الأرواح". أضاف "تشير عمليات القصف المتكررة التي طالت المستشفيات والمدارس والأسواق من دون أي إنذارات مسبقة بقوة إلى أن حصار المدينة واستهداف البنى التحتية المدنية شكلا جزءاً من استراتيجية متقنة للإجبار على الاستسلام".

متحدثاً عن الظروف القاسية التي عاناها السكان المحاصرون، يستذكر أحد أرباب الأسر واقعة شرائه الوقود البديل المنتج بإحراق البلاستيك، قائلاً "لقد كان الوقود ساماً جداً ورائحته كريهة. وفي كل مرة كنت أستخدمه للطهو، كنت أطلب من زوجتي وابنتي أن تحبسا نفسيهما في غرفة في نهاية الرواق". وتضاعفت معاناة المدنيين المحاصرين، بما أن بعض الجماعات المسلحة أعاقت توزيع المساعدات الإنسانية في مناطق تقع تحت سيطرتها. ومع تدهور الأوضاع في شرق مدينة حلب ومحاولة السكان اليائسة للهرب، مُنع بعض المدنيين من ذلك بعنف أيضاً على يد جماعات مسلحة استخدمتهم دروعاً بشرية، لا سيما في حي الفردوس.

وفي محاولة لصدِّ الحصار القائم، قامت الجماعات المسلحة بقصف المدنيين بلا هوادة في غرب مدينة حلب مستخدمة أسلحة بدائية الصنع، بما في ذلك أسطوانات غاز البروبان المعروفة باسم مدافع "الجحيم". وتسبَّبت هذه الهجمات بمقتل وجرح عشرات الأشخاص، بما في ذلك النساء والأطفال. وفي ظل إطلاقها بغياب هدف عسكري واضح، يشير التقرير إلى أن الهجمات هدفت إلى ترويع السكان المدنيين في غرب مدينة حلب الذين يعيشون في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة. كما قصفت الجماعات المسلحة في ريف حلب الغربي وشرق مدينة حلب حي الشيخ مقصود الواقع تحت سيطرة الأكراد في شمال مدينة حلب، بهدف واضح تمثل في الانتقام من سكان الحي الذين ينتمون في غالبيتهم إلى الأكراد. وتسببت هذه الهجمات المتعمدة بقتل وجرح أعداد كبيرة من المدنيين في حي الشيخ مقصود، وهي ترقى لتكون بمستوى جريمة حرب قائمة على توجيه هجمات عمداً ضد سكان مدنيين، وفق ما أورده التقرير.

التقرير.

ويفصِّل التقرير أيضاً العديد من الحوادث التي استخدمت فيها أسلحة غير شرعية بما في ذلك قنابل كلور ألقتها القوات الجوية السورية عبر مروحيات الهليكوبتر، والتي تركت مئات الأشخاص من البالغين والأطفال مصابين بسيلان الدموع ويجاهدون للتنفس. ويأتي استخدام الكلور من قبل القوات السورية استكمالاً لنمط رصدته اللجنة في عامي 2014 و2015.

وتستذكر امرأة من حي الزبدية الأحداث، قائلة "كان السكان الذين يعيشون تحت الأرض يموتون اختناقاً". أضافت "في الطابق الأرضي، بدأت أنام وأنا أضع منشفة بجانبي، لمجرد احتمال أنني استيقظت وأنا أشتم رائحة الكلور".

وفي إحدى الهجمات الأكثر رعباً التي حقَّقت فيها اللجنة، يشير التقرير إلى أن القوات الجوية السورية استهدفت عمداً قافلة مساعدات إنسانية تابعة للأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري في أيلول/سبتمبر، في بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الغربي. وأسفر الهجوم عن قتل أكثر من إثني عشر شخصاً من عمال الإغاثة وتدمير 17 حافلة تنقل إمدادات معونة ضرورية، وأدَّى إلى تعليق موقت لكل المساعدات الإنسانية في أنحاء البلاد.

وقالت عضو اللجنة كارلا ديل بونتي "كانت القافلة تحظى بإذن من الحكومة السورية التي كانت على علم بمكانها والتوقيت. من الواضح أن الهجوم كان مخططاً له ونُفِّذ من قبل القوات الجوية السورية بهدف إعاقة تسليم المساعدات الإنسانية واستهداف عمال الإغاثة. وهذه بالتأكيد جرائم حرب يجب السعي إلى المساءلة بشأنها".

وحين سيطرت القوات الموالية لحكومة على الأحياء الشمالية في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، قام أحد المدنيين بوصف الفوضى هناك. فقال "إنه يوم الدينونة. الحالة الإنسانية رهيبة. عمليات القصف لا تتوقف على مدار اليوم. المدنيون يهروبون من بيوتهم من دون أن يأخذوا أي أمتعة معهم. الأمر مخيف جداً. لقد فُقد بعض الأطفال ولم تتمكن أمهاتهم من العثور عليهم. الناس يبحثون عن المياه في الشوارع". وقال أحد السكان الآخرين ممن تمكنوا من الهرب "أردت المغادرة بأي ثمن. لم أستطع تحمل الغارات الجوية أو القصف. علمت أنني سأموت بأي حال، حتى لو بقيت. نحو النهاية، كنا نسير جثثاً في الشوارع".

وبعد استعادة الأحياء الشرقية من مدينة حلب، أوقفت القوات الموالية للحكومة عشوائياً العديد من المدنيين، وفرَّقت النساء عن الرجال لتجنيد الرجال بالقوة في صفوفها. وحين وافقت الجماعات المسلحة على إخلاء المدينة في أواخر كانون الأول/ديسمبر، نُقل آلاف المدنيين إلى محافظة إدلب كجزء من اتفاق تمَّ إبرامه بين الجهات المتحاربة، حيث لا يزالون يعيشون تحت وطأة الغارات الجوية ومن دون الحصول على الاحتياجات الأساسية. ويستنتج التقرير في خاتمته أن عملية الإجلاء التي حصلت ترقى إلى مستوى جريمة حرب التهجير القسري.

وقال رئيس اللجنة باولو سيرجيو بينيرو "تميَّز الحصار المفروض على شرق مدينة حلب ببعض ما وثَّقته اللجنة على أنه من الانتهاكات الأكثر خطورة للقانون الدولي، والتي ارتكبتها كل الجهات المتحاربة". أضاف "التدمير ليس بشيء جديد في الحرب السورية، لكن حجم ما حصل في حلب غير مسبوق. ينادي الضحايا بالمساءلة الآن، ويجب على المجتمع الدولي أن يلتفت إلى ندائهم".

1 آذار/مارس 2017

عودة

لا