عودة


الملاحظات الافتتاحية في المؤتمر الصحافي للجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية

عودة

1 جمادى الثانية, 1438

جنيف، 1 آذار/مارس 2017

مساء الخير،

أعقد هذا المؤتمر الصحافي مع زميلتي كارلا ديل بونتي لإطلاق تقريرنا الثالث عشر الذي نقدِّمه إلى مجلس حقوق الإنسان. وبناءً على الدورة الخاصة التي عقدها مجلس حقوق الإنسان في تشرين الأول/أكتوبر الفائت والقرار الذي صدر عنها، يركز هذا التقرير حصرياً على الأحداث في حلب. وعندما نقول حلب، نقصد بذلك الأوضاع في مدينة حلب والمناطق المجاروة لها في الفترة الممتدة من منتصف تموز/يوليو حتى أواخر كانون الأول/ديسمبر 2016.

ووفق ما ينص عليه عملنا والولاية المكلَّفون بها، فقد حقَّقت اللجنة بطريقة مستقلة وحيادية في مزاعم لانتهاكات ارتكبتها كل الأطراف. لقد قابلنا أكثر من 290 ضحيةً وشاهداً من المدنيين في كل مناطق القتال. ويؤسفنا، مرةً جديدة، أن المدنيين كانوا من دفعوا الثمن الباهظ للعنف الحاد الذي استخدمته الجهات المتحاربة. فالمدنيون في حلب لم يجدوا أنفسهم في مرمى النيران فحسب، بل كانوا في أكثر الأحيان هم الهدف أنفسهم. وعلى مدى شهور، قصفت القوات الجوية السورية والروسية بلا هوادة شرق مدينة حلب كجزء من استراتيجية لإجبارها على الاستسلام. وتمَّ تدمير كل المستشفيات ودور الأيتام والأسواق والمدارس والمنازل دماراً شاملاً. وفي ظلِّ فرض القوات الموالية للحكومة الحصار على شرق حلب في تموز/يوليو، فإن مئات المدنيين، بما في ذلك الكثير من الأطفال، خسروا أرواحهم في القصف اليومي الذي استخدمت فيه قنابل خارقة للتحصينات وقنابل عنقودية وأسلحة حارقة وعبوات من الكلور جرى تحويلها إلى أسلحة فتاكة، وذلك من أجل قصف المناطق المأهولة بالمدنيين.

وأدَّى القصف المتواصل لأحياء مدينة حلب الغربية وحي الشيخ مقصود من قبل الجماعات المسلحة إلى مقتل وجرح عدد لا يُحصى من المدنيين. ويبيٍّن استخدام الأسلحة البدائية وعدم وجود أهداف عسكرية واضحة أن تلك الهجمات كانت عشوائية وقد نُفذَّت كي ترهب السكان المدنيين. ولا أحد بمأمن من الهجمات في سوريا. ففي إحدى الهجمات الفادحة، إن لم نقل في معظمها، والتي حقَّقت فيها اللجنة، استهدفت القوات الجوية السورية بلا رحمة قافلة مساعدات إنسانية تابعة للأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري فيما كانت تستعد لتسليم مساعدات إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. ولم يبق أحد سالماً من الهجوم تقريباً: فقد قُتل 14 شخصاً من عمال الإغاثة وتعرَّض معظم الباقين منهم لإصابات، ودُمرَّت 17 حافلة تنقل مساعدات عاجلة، وتسبَّب وقف عمليات تسليم المساعدات الإنسانية بمعاناة المدنيين في كل أنحاء سوريا.

وفيما تحوَّل استرداد شرق حلب إلى أمر لا مفر منه، قامت بعض الجماعات المسلحة بمنع المدنيين من المغادرة، مستخدمةً إياهم فعلياً دروعاً بشرية. وأسفرت الاتفاقية النهائية لإخلاء شرق حلب عن إجلاء كل سكان الأحياء الفعلية، وليس المقاتلين الذين فاوضوا ووافقوا على شروط هذه الاتفاقية فحسب. وليست الاتفاقيات المماثلة التي ترقى إلى مستوى التهجير القسري بظاهرة جديدة. فقد أصبحت بالأحرى المخطط الأكثر شيوعاً حول كيفية إنهاء عمليات الحصار في سوريا. وهي تقدم مثالاً عن كيفية استخدام السكان المدنيين من قبل الجهات المتحاربة من أجل تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية.

وتجدر بي الإشارة إلى أن اللجنة لا تزال قلقة جداً إزاء الدعم المادي واللوجستي الذي تتلقاه أطراف الصراع، لا سيما الجماعات المسلحة، من كل من الأفراد أو الدول الأعضاء، على نحو يساعد في توجيه هذا الصراع الطاحن الذي يزداد تعقيداً أكثر فأكثر. ويجب على الدول أن تضمن بشكل خاص أن كل طرف من أطراف الصراع يتلقى دعمها المالي أو المادي أو المباشر يلتزم بقوانين الحرب، وإلا فإن هذه الدول تخاطر بتواطئها في هذه الجرائم أيضاً.

وليس ما حصل في حلب بمسألة جديدة. إذ لطالما وثَّقت اللجنة كيف أن انتهاكات مماثلة، بما في ذلك استخدام عمليات الحصار والهجمات الجوية، وظِّفت بشكل مريب لفرض استسلام معارضين مسلحين وأي مدنيين عاكسهم الحظ بما يكفي ليُلقى القبض عليهم في المناطق التي يسيطرون عليها. لكن نطاق ما حصل في حلب غير مسبوق في الصراع السوري. فقد تمَّ تحويل معظم أحياء حلب، التي كانت في ما مضى أحد أكبر مدن سوريا ومركزها التجاري والثقافي وموقعاً من مواقع التراث العالمي المصنفة عبر اليونيسكو، إلى أنقاض. وتمَّ تهجير أكثر من مئة ألف شخص وهم يصارعون للبقاء. ويُظهر ما في حدث في حلب مدى تجاهل الجهات المتحاربة للقانون الدولي وخوفهم الضئيل من المساءلة. ونأمل ألا يوثِّق تقريرنا الأحداث في حلب فحسب، بل أن يساعد أيضاً على ضمان سوْق الأشخاص المسؤولين عن هذه الحالة المدمرة إلى العدالة.

نرحب الآن بالأسئلة التي تطرحونها.

عودة

عودة

لا