عودة


حلقة نقاش رفيعة المستوى لإحياء ذكرى مرور 70 عاماً على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها

عودة

13 محرم, 1440

بيان لمفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشيل باشليه

الدورة التاسعة والثلاثون لمجلس حقوق الإنسان

أصحاب السعادة،
أيها الزملاء والأصداقاء الأعزاء،

أرحب بكم جميعاً فيما نحيي الذكرى السنوية السبعين لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وأرحب بشكل خاص، بالتأكيد، بمحاضرينا، الذين يحملون في جعبتهم نطاقاً واسعاً من المعرفة والخبرة. وأشكركم على مشاركتكم في هذا النقاش المهم، وأشدِّد على أهميته، لأننا نعلم أن "آفة" الإبادة الجماعية "البغيضة"، على حدِّ الوصف الذي أوردته الاتفاقية بحد ذاتها، لا تزال تشكل تهديداً وواقعاً في القرن الحادي والعشرين.

لقد تمَّ تذكيرنا بوحشية هذا الأمر منذ أكثر من أسبوعين فحسب. فقد أصدرت بعثة المجلس لتقصي الحقائق في ميانمار تقريرها المروع بشأن حملة القتل والاغتصاب والاعتداء التي قادها الجيش ضد الروهينغا في ولاية راخين. وتشير التقديرات المتحفظة إلى وقوع عشرة آلاف قتيل وإلى ما لا يعد ويحصى من الثكالى والمشوهين والمغتصبين والمصابين بصدمات نفسية وفرار نحو ثلاثة أرباع مليون شخص إلى بنغلاديش.

ويجعلنا هذا الأمر على يقين بأن الاتفاقية بشأن منع الإبادة الجماعية لا تزال تكتسب أهمية كما حصل في التاسع من كانون الأول/ديسمبر 1948، أي اليوم الذي أصبحت فيه أول معاهدة تعتمدها الجمعية العامة في مجال حقوق الإنسان، واستُتبعت في اليوم التالي باعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد طبع هذا الحدثان التوأمان بداية عصر جديد لحقوق الإنسان: رؤية لعالم لن تتكرر فيه أبداً الإبادة الجماعة للهولوكوست وما مثَّلته من تجريد للعديد من حقوق الإنسان.

وبعد مرور سبعين عاماً، ينبغي أن نقيِّم خطورة الأفعال الأخيرة التي ارتُكبت ضد الروهينغا واليزيديين، وعلينا أن نفعل كل ما في وسعنا لتقديم الجناة إلى المساءلة. وتعتبر المساءلة مهمة، ليس لأنها تمنح العدالة للضحايا والعقاب للجناة فحسب، بل لأن القضاء على الإفلات من العقاب أمر أساسي للقضاء على الإبادة الجماعية. ولا يمكن أبداً النظر إلى المنع والمعاقبة، وهما الهدفان التوأمان المنصوص عليها بصراحة في الاتفاقية بشأن الإبادة الجماعية – كمسألتين منعزلتين الواحدة عن الأخرى. فالمعاقبة أساسية للمنع. ويشكل الإفلات من العقاب عاملاً مساعداً لوقوع الإبادة الجماعية، فيما المساءلة هي عدوها اللدود.

إذاً، كيف تبدو المساءلة في الممارسة؟ يمدُّنا القانون الدولي لحقوق الإنسان ببعض الأجوبة: تحقيقات فاعلة وعاجلة وشاملة وحيادية، ملاحقات قضائية، وصول إلى العدالة، وتعويضات فعلية للضحايا. ويعتبر نهج الأمم المتحدة شاملاً، ابتداءً من تدريبات تقصي الحقائق وصولاً إلى المحاكمات القضائية.

ومنذ ستة أشهر، شكَّل جزء حاسم من ترسانة المساءلة – العدالة الانتقالية – محور دراسة رئيسية تمَّ تقديمها إلى مجلس حقوق الإنسان. وقد صيغت على نحو مشترك من قبل المستشار الخاص للأمين العام المعني بمنع الإبادة الجماعية أداما دينغ، الذي يسرنا أن نرحب به اليوم كأحد محاضرينا اليوم، والمقرر الخاص السابق المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار، بابلو دو غريف. وتعتبر رسالة التقرير واضحة ألا وهي: تساعد محاكمات العدالة الانتقالية على منع حصول الانتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وخصوصاً الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي. وهي تمنح الحقيقة والعدالة والتعويضات، وبالتالي هي أداة فعالة في كسر حلقات الإفلات من العقاب والتمييز والتهميش وخطر التكرار.

ويسلط هذا التقرير الضوء على أهمية عمل مجلس حقوق الإنسان ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وتأثيره الوقائي المحتمل. كما تشكل المحكمة الجنائية الدولية دعامة أساسية للعمل من أجل المعاقبة، وبالتالي المساعدة على منع هذه الجرائم التي تعدُّ من الأخطر دولياً. ونمتلك بين أيدينا الآن الوسائل لردم فجوة الإفلات من العقاب في ما يتعلق بالجرائم الدولية، وإلا القضاء عليها، بما في ذلك الإبادة الجماعية.

وتقع على عاتق الدول المسؤولية الأولية في محاكمة الجناة، لكن اللجوء إلى المحكمة مناسب تماماً في حالات تبدي فيها الدول عدم رغبتها في توفير العدالة أو عجزها عن ذلك. وإنني أرحب بقرار الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية الصادر في الأسبوع الماضي، والذي أشار إلى أن للمحكمة اختصاصاً بشأن الترحيل المزعوم للروهينغا من ميانمار، وربما جرائم أخرى. وبالرغم من أن القرار لا يعالج تحديداً جريمة الإبادة الجماعية، إلا أنه يقدم بارقة أمل للمساءلة بشأن الجرائم المرتكبة.

ويعتبر الدعم للمحكمة ضرورياً من أجل العدالة والردع. وإنني أحث الدول على دعم المحكمة، وفي هذا الإطار، وفي العام الذي نحيي فيه الذكرى العشرين لتأسيسها مع نظام روما الأساسي، أدعو كل باقي الدول إلى توقيع النظام والمصادقة عليه.

أصحاب المعالي،

إن الإبادة الجماعية صادمة دائماً. لكنها لا ترتكب أبداً من دون إشارات تحذيرية واضحة ومتعددة: نمط من الانتهاك ضد مجموعة ما، ونية بإلحاق الضرر وتسلسل قيادي وأخيراً محصِّلة وحشية ومروعة. وفي حالة الروهينغا، توافرت إشارات تحذيرية كثيرة: أشخاص تعرضوا للظلم من المهد إلى اللحد، وجيش ليس مسؤولاً أمام أحد وانتهاكات منتظمة لحقوق الإنسان بقيادة الدولة ولم تجر المعاقبة عليها منذ عقود، بما في ذلك الحرمان التعسفي من الجنسية.

ومن التحديات التي لا تزال تواجهنا إذاً، بعد مرور 70 عاماً على اعتماد الاتفاقية، هو تحسين كيفية التعرف على هذه الإشارات التحذيرية والتصرف بشأنها، بما في ذلك الخطاب المفعم بالكراهية، وذلك في عالم الواقع وعبر وسائل التواصل الاجتماعي على حدٍّ سواء. وكما أكد الأمين العام، فإن أفضل أداة وقائية هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية الناجمة عنه، بما أنها تحدِّد العديد من الأسباب الجذرية للنزاع وتقدم حلولاً واقعية. وفيما نحيي الذكرى السنوية السبعين لكل من الاتفاقية بشأن الإبادة الجماعية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإنه من الضروري أن ندافع عن هذه الرؤية العظيمة لعالم أكثر إنسانية وسلاماً.

أتطلع إلى الاستماع إلى مناقشاتكم.

عودة

عودة

لا