حياة كاملة محكوم عليها بالموت


ما إن بلغَتْ نورا حسين الـ16 من عمرها حتّى طلب قريبها، وعمره ضعف عمرها، يدَها. لم تكن الصبيّة السودانيّة ترغب في الزواج بل في متابعة تحصيلها العلميّ، ولكنّ والدها خشي أن تواجه مصير العديد من فتيات المنطقة اللواتي يحملن ويولدن خارج إطار الزواج، وهو أمر لا تقبله البيئة حيث يعشْنَ ما يعرّضهن إلى حياة من التهميش.

سجينات ينتظرن إطلاق سراحهن من السجن في هيرات، أفغانستان، بعد عفو رئاسي، كانون الثاني/يناير 2015. © وكالة فرانس برس/عارف كريمي

بعد حفل خطوبتها الذي فُرِض عليها فرضًا، هربت حسين والتجأت إلى بيت خالتها حيث أمضت ثلاث سنوات من عمرها قبل أن تقتنع من جديد بالعودة إلى منزلها. وأخبرها أهلها أنّهم لن يزوّجوها. ولكن سرعان ما أدركت أنّ أسرتها قد خدعتها فأجبرتها على الزواج.

وانتقلت حسين إلى منزل زوجها وحاولت صدّ محاولاته للتقرّب منها جنسيًّا. ولكنّه بطحها بمساعدة أقربائه وثبّتها واغتصبها. وفي اليوم التالي أعاد الكرّة، ولكنّ حسين دافعت عن نفسها وطعنت زوجها بسكّين فقتلته أثناء العراك. وعندما هربت حسين إلى كنف أسرتها طلبًا للمساعدة، سلّمها والدها إلى الشرطة، وتبرّأت منها أسرتها وحكمت عليها المحكمة بالإعدام في أيّار/ مايو 2018.

دعم عدد من المشاهير حملة إلكترونيّة #JusticeforNoura تطالب بإطلاق سراح حسين. وفي حزيران/ يونيو 2018، ألغت محكمة الاستئناف حكم الإعدام وحكمت على حسين بالسجن مدّة خمس سنوات لقتلها زوجها.

تشير دراسة نشرها مركز كورنيل لمناهضة عقوبة الإعدام في العالم، أتت تحت عنوان "الحكم عليها يتخطّى جرائمها" إلى أنّ عقوبات الإعدام الصادرة بحقّ النساء تأتي بمعظمها نتيجة جريمة قتل. وينطوي عدد كبير من هذه الجرائم على قتل فرد من أفراد العائلة أو شريك حميم في سياق يطغى عليه العنف المنزليّ.

وقد أعلنت دلفين لورتو، وهي إحدى الباحثتَيْن اللتَيْن أجريتا الدراسة، أنّ القانون الجنائيّ غير ملائم لمعالجة الأوضاع الناتجة عن العنف القائم على النوع الاجتماعيّ. فالقوانين السارية تفرض تلبية لائحة صارمة من الشروط قبل اعتبار القتل دفاعًا عن النفس؛ ومنها الأذيّة الوشيكة والخطيرة.

وقالت: "لا توافق المرأة التي تعاني سوء معاملة طويلة الأمد هذا النمط الذي تمّ تصميمه ليتناسب مع أنواع مختلفة من المواجهات تنطوي على عنف متفجّر ومفاجئ. فالمرأة التي تعيش علاقات مسيئة ومؤذية طويلة الأمد غالبًا ما تواجه ديناميّة عنف مختلفة، يتّسم العنف فيها بطابعه المستمرّ وأشكاله المختلفة، ولا يقتصر على العنف الجسديّ."

ليس العنف القائم على النوع الاجتماعيّ من العوامل المخفّفة

في تقرير رُفِع في العام 2017 إلى مجلس حقوق الإنسان، أشارت مقرّرة الأمم المتّحدة الخاصة المعنيّة بحالات الإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسّفًا أغنس كالامارد، إلى أنّ إنزال عقوبة الإعدام يرقى إلى القتل التعسّفي عندما تتجاهل المحكمة حقائق أساسيّة يواجهها المدّعى عليه، على غرار التاريخ الطويل من العنف المنزليّ، بما في ذلك بسبب أنماط اجتماعيّة واسعة النطاق لعدم المساواة بين الجنسَيْن. وشرحت أنّ المرأة التي تواجه محاكمات تتعلّق بجرائم يُعاقَب عليها بالإعدام، تعاني قمعًا متعدّد المستويات قائمًا على النوع الاجتماعيّ. وأضافت أنّه من النادر جدًّا أن يُعتَبَر العنف المنزليّ من العوامل التخفيفيّة خلال إجراءات إصدار أحكام الإعدام.

وأكّدت لارتو أنّ معظم من يُحكَم عليه بالإعدام على المستوى العالميّ هو من الفقراء، وأنّ ضعفه على المستوى الاقتصاديّ يؤثّر مباشرة على جودة التمثيل القانونيّ الذي يتلقَّاه.

فقالت: "على الرغم من أنّ معظم البلدان يؤمّن محامين لمن يواجه حكم الإعدام من الفقراء، إلاّ أنهم غالبًا ما يفتقرون إلى الخبرة أو التدريب أو الموارد الضروريّة لإعداد دفاع ملائم. وندرك تمامًا أنّ التمثيل الملائم خلال المحاكمات هو أكثر العوامل أهميّة وتأثيرًا على النتيجة."

أمّا الفئة الثانية الأكثر شيوعًا لجرائم المرأة التي تُحاكم بعقوبة الإعدام فهي جرائم المخدّرات غير العنيفة، لا سيّما في آسيا والشرق الأوسط. وغالبًا ما تصبح المرأة ناقلة مخدّرات (أو ما يُعرَف بـ"بغل مخدّرات") بسبب أوضاعها الاقتصاديّة المتردّية إلى أقصى الحدود.

أمّا شارون بيا هيكي، التي شاركت في إعداد الدراسة، فأشارت من جهتها شارحة: "يؤثّر هذا الواقع كثيرًا على قدرة المرأة على الوصول إلى العدالة لأنّه غالبًا ما يُحكَم عليها ضمن إطار عقوبة الإعدام الإلزاميّة. فبموجب القانون الدوليّ، لا يجدر إنزال حكم الإعدام بمرتكب جريمة تتعلّق بالمخدّرات ولا تنطوي على عنف، كما أنّ ناقلي المخدّرات يُحاكمون من دون أخذ العوامل التخفيفيّة بعين الاعتبار، ومن شأنها أن تؤدّي إلى تساهل في الحكم الصادر."

وأشارت الدراسة أيضًا إلى أنّه يُحكَم على المرأة بعقوبة الإعدام بسبب انتهاكات دينيّة، مثل الردة أو التجديف أو السحر؛ ولجرائم ضد "الأخلاق" مثل الزنا أو العلاقات الجنسيّة خارج إطار الزواج؛ وفي بعض الحالات النادرة، بسبب الاختطاف والسطو المسلح.

وفي بعض الدول، تُنزَل بالمرأة عقوبات أكثر صرامة من الرجل عند ارتكاب جرائم ضد "الأخلاق". وبالإضافة إلى ذلك، فإن متطلّبات الإثبات بالنسبة إلى المرأة تختلف في بعض الأحيان عنها بالنسبة إلى الرجل- وبطريقة غير مؤاتية للمرأة؛ وهذه الاختلافات هي شكل من أشكال التمييز القائم على النوع الاجتماعيّ.

وحدّد مركز كورنيل المخاطر العامة التي قد تحمل المرأة على مخالفة القانون ومواجهة عقوبة الإعدام، وذلك على مستوى النظم القانونيّة، والبلدان والثقافات المختلفة، على أنّها الزواج المبكر والزواج القسري والفقر ووضع العامل المهاجر والإعاقة الذهنيّة والصحة العقلية، والعرق ووضع الأقليّة العرقيّة.

واعتبرت كالامارد، أنّنا لا نرى إلاّ آخر موجة من التمييز ضدّ المرأة عند إنزال عقوبة الإعدام بها؛ فقبل أن تصل إلى المحاكمة، تكون قد عانت طوال حياتها أشكالًا مختلفة من التمييز المتعدّد الجوانب.

قضية مهملة

تواجه اليوم حوالى 500 امرأة أقلّه في العالم حكم الإعدام، ولكنّه يصعب الحصول على أرقام دقيقة بشأن تنفيذها. ما يشكّل 5 في المائة من مجموع المحكوم عليهم بالإعدام في العالم – مع ارتفاع هذه النسبة إلى 13 في المائة في الأردن و18 في المائة في تايلاند- وأقلّ من 5 في المائة من نسبة عمليّات الإعدام المنفّذة في العالم.

وتطرح هذه النسب المئويّة المتدنيّة السؤال التاليّ: لمَ يجب إيلاء المرأة انتباهًا خاصًا؟ تعتبر هيكي أنّ هذه الأرقام لا تعكس الواقع الذي تواجهه النساء.

فتقول: "لا يُنظَر في القصص والجرائم التي حُكم بسببها على النساء بالإعدام ولا في شروط الحكم عليها. ونكتشف أن العنف القائم على نوع الاجتماعيّ لا يؤخذ بعين الاعتبار أثناء إصدار الأحكام، ولا خلال المحاكمات. والأمر سيّان بالنسبة إلى المرأة التي تواجه عقوبات طويلة الأمد لارتكابها جرائم مماثلة".

وتشير أيضًا إلى أن عددًا متدنيًّا جدًا من النساء يُعدمن، لكنّ من لا يُنَفَّذ فيه حكم الإعدام يعشي في ظروف غير مؤاتية أبدًا للمرأة ولا للمرأة التي ستمضي بقية حياتها في انتظار تنفيذ الحكم.

وقد أطلقت هيكي ولورتو دراستهما على هامش انعقاد مجلس الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان في جنيف. وشعرتا أنه تم الترحيب به إيجابًا وأن إحساسًا عامًا بأن قضية النساء المحكوم عليهنّ بالإعدام قد تم إهمالها مدّة طويلة، تجلّى بوضوح. وهما تأملان أن تساعد النتائج التي توصّلتا إليها في إعداد أطر قانونيّة جديدة ومبادرات مناصرة على المستويَيْن الوطنيّ والدوليّ من شأنها أن تعترف بالمظالم السابقة وتمنع وقوعها في المستقبل، وكذلك الاعتراف بالمرأة كفئة محدّدة من أصحاب الحقوق ضمن أنظمة المحاكم الوطنيّة وبموجب القانون الدولي.

واعتبرت هيكي من جهتها أنّ الإعفاء من تنفيذ عقوبة الإعدام يبقى وفقًا على دور المرأة كمقدمة رعاية وكأمّ. وأضافت أنّ هذه المقاربة لا تتناول المرأة كإنسان، وتبيّن أن المرأة التي تخطّت معيار النوع الاجتماعيّ الذي يحدّدها كامرأة وانتهكت المعايير الجنسانيّة- لا سيّما تلك التي ترتكب جرائم ضدّ الأطفال مثلاً- لا تستحقّ التقدير الكامل والتحقيق في حياتها كلها بحثًا عن ظروف مخففة.

أمجرمات هنّ أم ضحايا؟

تكشف دراسة مركز كورنيل أن الرجل يحاكم على عنف جرائمه وجسامتها، في حين أنّ المرأة تُحاكم على السياق المحيط بالجريمة التي ارتكبتها، وعلى ما إذا كانت "امرأة صالحة" وقت ارتكاب الجرائم.

وأعلنت لورتو قائلة: "من الصعوبات التي يواجهها مجتمع حقوق الإنسان والأسباب التي أدت إلى إهمال المرأة المحكوم عليها بالإعدام لفترة طويلة هو أنه من الصعب علينا اعتبارها كضحيّة ومجرمة في آن واحد".

وأضافت قائلة: "يتجلّى توازٍ بين المرأة الضحيّة والمرأة الصالحة، والمرأة المجرمة والمرأة غير الصالحة. وغالبًا ما تدخل المرأة نظام القضاء الجنائيّ بعد معاناتها الإساءات والصدمات بطريقة غير متناسبة، ولا بدّ من أخذ هذه العوامل بعين الاعتبار وحظر الإعدام في الحالات التي عانت فيها المرأة العنف القائم على النوع الاجتماعيّ. "

لقد ألغت حوالى 170 دولة عقوبة الإعدام أو أوقفت العمل بها. كما أنّ العديد من البلدان التي لم تلغِ العقوبة وأوقفت العمل بها لم تنفِّذ عمليّات القتل، لا سيما ضد النساء المحكوم عليهنّ بالإعدام، وذلك منذ عقود. فعلى سبيل المثال، لم تقم تايلاند بإعدام امرأة منذ العام 1942. وفي منغوليا، تم استبعاد النساء عن عقوبة الإعدام حتى إلغائها بالكامل في العام 2017. واعتُبر إعفاء النساء خطوة أساسيّة نحو عمليّة الإلغاء.

وأشارت لارتو قائلة: "لا تشبه عقوبة الإعدام أي عقوبة أخرى تعبّر من خلالها الدولة عن طبيعة سلطتها الأساسيّة على مواطنيها. بل تغيّر العلاقة بين الدولة ومواطنيها لأنها تمنح نفسها القدرة على القتل. ونتيجة لذلك، تصبح عقوبة الإعدام رمزًا سياسيًّا يتجاوز حدود أي جريمة فرديّة يُعاقَب عليها بالإعدام".

وأضافت قائلة: "لهذا السبب، تبرز من جديد عقوبة الإعدام ويتزايد حجمها في فترات التوترات والصراعات السياسيّة، في حين تميل إلى الاختفاء عندما تجدد الدولة نفسها، لا سيّما عندما تعيد صياغة الدستور، أو عند بروز تغيير جذريّ في النظام مصحوب بتغييرات مؤسسيّة كبرى. لقد حان الوقت كي تبقي الدولة عقوبة الإعدام في ترسانتها بسبب السياق الدولي للإرهاب."

وختمت لورتو قائلة: "من منظور حقوق الإنسان، لم نواجه يومًا قضيّة تم فيها تنفيذ عقوبة الإعدام من دون انتهاك حق أساسي واحد أقلّه من حقوق الإنسان. فحقوق الإنسان وعقوبة الإعدام تبقيان متعارضتَيْن في جوهرهما."

10 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2018

أنظر أيضاً