إحراق المنزل


البيت: حيث يتوافر لنا المأوى. حيث نتغذى. حيث ننمو. حيث نحلم.
ولكن بيتنا يحترق. ونحن مشعلو الحريق.

أججنا الجشع. وأطلقنا العنان للاستهلاك النهم. وأججنا اللهيب بالتنظيم الضعيف وطمس الحقائق المتعمد والاستخفاف الفج بالنظم الإيكولوجية والأنواع وأيضاً بأقرب الناس إلى النيران.

النيران تحرق بيتنا – بيتنا الوحيد، أرضنا. ونحن لم نكد نتزحزح عن مقاعدنا المتخمة الوثيرة المريحة لإخمادها.

والآن، يعمل زعماء العالم في باريس بلا كلل على التفاوض بشأن اتفاق عالمي يتضمن التزامات ملزمة بالبدء أخيراً في إخماد لهيب تغير المناخ.

وقد استُمع إلى بيانات جريئة ومفعمة بالأمل بل وطموحة من رؤساء الدول في باريس مُدَعَمَة بمستوى إرادة سياسية لم يُشهَد من قبل في المحادثات المتعلقة بالمناخ. بيد أن التحديات واضحة. نحن بعيدون جداً عن الالتزامات بأن يكون هناك حد أقصى لارتفاع درجة الحرارة لا يتجاوز درجتين مئويتين ( ناهيك عن 5ر1 درجة مئوية)، وبعيدون جداً عن الالتزامات المتفق عليها بتعبئة مبلغ 100 مليار دولار للتمويل المتعلق بالمناخ، ولغة حقوق الإنسان في منطوق نص الاتفاق تواجه بمقاومة، ومشاركة المجتمع المدني في الأنشطة المرتبطة بالمؤتمر جرى تقييدها -- وحتى كبحها.

وبالنظر إلى المخاطر، فإن الإجراءات العاجلة والفعالة والطموحة واجب أخلاقي. ولكنها أيضاً التزام أخلاقي. وتورد هنا أسباب هذا.

أولاً، نحن نعرف الآن أن تغير المناخ ظاهرة ناجمة عن فعل الإنسان. ونعرف أنه ليس من صنع الطبيعة، ولكنه بالأحرى نتيجة خيارات اتخذها البشر في المجالين العام والخاص على السواء. واستخدام الوقود الأحفوري، والتكنولوجيا التدميرية، وأنماط الاستهلاك غير المستدامة، والعسكرة العالمية المستمرة – كلها أنشطة بشرية تدمر مناخنا وبذلك تقوض إعمال حقوق الإنسان لنا كلنا.

ثانياً، نحن نعرف الآن أن تغير المناخ له تأثير مدمر على طائفة واسعة من حقوق الإنسان المكفولة دولياً - الحقوق في الغذاء والمياه والصرف الصحي والسكن اللائق والصحة – لملايين الناس. وفيما يتعلق بالذين يعيشون في دول جزرية صغيرة، فإن الحق حتى في تقرير المصير معرض للخطر، بالنظر إلى أن ارتفاع مستوى سطح البحر ينطوي على خطر إنهاء وجود أوطانهم. والحق في الحياة ذاته سلبته من أشخاص كثيرين جداً أضرار تغير المناخ التدميرية.

ثالثاً، يفرض القانون الدولي لحقوق الإنسان التزامات قانونية أكيدة على جميع الدول بأن تتخذ الخطوات اللازمة في القانون والسياسات والمؤسسات والميزانيات العامة لحماية حقوق الإنسان من هذه الأضرار. والدول مُلزَمَة بمنع هذه الأضرار عن طريق تنظيم الممارسات البيئية، وبمساءلة المنتهكين، وبحماية المجتمعات المحلية الضعيفة، وبضمان التعويض عند تكبد أضرار.

ومن الواضح أننا نعيش في عصر تُنتهَك فيه هذه الالتزامات على نطاق واسع. ويجب أن ينتهي هذا.

والمساواة والإنصاف أيضاً مبدآن من مبادئ حقوق الإنسان. ونحن نعرف أن أقل الناس تسبباً في حدوث هذا الخطر هم رغم ذلك أشد الناس معاناة من آثاره السلبية. وهم أيضاً ذوو أقل الموارد وليس لديهم من الموارد ما يكفي للتكيف من أجل البقاء.

والفقراء والشعوب الأصلية وصغار المزارعين وصائدو الأسماك وفئات الأقليات والناس الذين يعيشون في أقل البلدان نمواً في أمس الحاجة كلهم إلى التضامن والدعم، لاسيما من ذوي معظم الموارد، والذين أحدثوا أكبر مساهمة في تغير المناخ.

وجميع البشر لهم مصلحة في إخماد النيران وعليهم مسؤولية عن المساعدة في إخمادها. ولكن أليس من البديهي أخلاقياً الآن أن يقال إنه، عند تحديد المسؤوليات الخاصة لكل شخص، تكون درجة المساهمة في الضرر والقدرة على المساهمة في الحل عاملين محددين؟

وستعني الحلول الراسخة في العدالة المناخية المساءلة والتعويض عن الأضرار؛ وحماية وتمكين الضعفاء؛ والمشاركة الحرة والنشطة والهادفة للمجتمع المدني والمجتمعات المحلية المتأثرة؛ وعدم التمييز والإنصاف في السياسات المناخية.

وللوفاء بهذه الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان، ينبغي أن تعمل الدول الآن بقوانين أقوى، وتنظيم للقطاع الخاص أشد فعالية ، وحماية قضائية، وضرائب على الانبعاثات الكربونية، وتعديلات مهمة أخرى في هياكل الحوافز، وكذلك، بوجه عام، إجراءات متأنية تتخذها جميع الدول، على نحو فردي وجماعي، للتصدي لهذا الخطر.

وعلى المستوى العالمي، يعني هذا الاتفاق على الهدف المتسم بأكبر قدر ممكن من الطموح لإبقاء الانبعاثات المناخية دون المستوى الذي يصل بنا إلى ارتفاع قدره 5ر1 درجة في درجات الحرارة العالمية وفقاً لما طلبته أكثر من 100 دولة ولما طلبه الجمهور العالمي. وهو يعني تخصيص الموارد اللازمة لإتاحة تكيف التنمية وتحولها إلى مسار مستدام، بما في ذلك تقديم معونة إلى البلدان النامية في مجال المناخ.

ويتطلع العالم إلى أن يمضي الموجودون في باريس اليوم قدماً بجدول الأعمال هذا. وقد عُرضت أحكام أساسية ستُلزم الدول بتنفيذ الاتفاق الناشئ بطريقة متوافقة مع التزاماتها بموجب القانون الدولي، وبالإدماج الكامل للاعتبارات الخاصة بحقوق الإنسان في جميع تدابير التصدي لتغير المناخ والتكيف معه والتخفيف من حدته.

ويجب ألا تُفقَد هذه.

فليواجه زعماء العالم هذا التحدي في باريس بمستوى من التصميم يتوافق مع الخطر. لأن هذا بيتهم وبيتنا أيضاً. والنيران تنتشر.

3 كانون الأول/ديسمبر 2016