رحلة طفل عبر الحدود


"تمثل تجاربي تجارب خاضها عشرات الآلاف من الأطفال غير المصحوبين بذويهم حول العالم"، هذا ما قاله غلامريزا حسنبور، متحدثاً في الدورة الخامسة والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان.

وبدأت رحلته في عمر ست سنوات، حين هرب بصحبة أسرته من النزاع القائم في أفغانستان وانتقلوا إلى إيران التي عاشت فيها الأسرة تحت وطأة التهديد المستمر بالترحيل، غير قادرة على تحمل كلفة تعليم غلام وأشقائه في المدرسة. وفي سن 16 عاماً، إذ ارتأى أن لا مستقبل ينتظره في إيران، قرر غلام في إحدى الليالي المغادرة مع أربعة أصدقاء، سيراً على الأقدام باتجاه تركيا ونُصب أعينهم الولوج إلى أوروبا. وقال "مشينا لمدة عشر ليال واختبأنا داخل كهوف وحفر في الجبال أثناء النهار كي نتجنب الاعتقال".

عند الوصول إلى الحدود مع تركيا، قاموا بدفع المال إلى مهرب قال إنه يستطيع مساعدتهم لدخول اليونان. في غضون ذلك، ألقي القبض على الصبية أولاً من قبل الجنود الأتراك، من ثم من قبل حراس الحدود، الذين أرسلوهم مجدداً إلى إيران حيث كان عليهم اللجوء مرة أخرى إلى مهربين لمساعدتهم على العودة إلى الحدود.

"لقد حُشر خمسون منا في الصندوق الخلفي لشاحنة لإعادتنا إلى تركيا. وطلب المهربون المزيد من المال لإطلاق سراحنا، مهددين إيانا بالتعذيب والقتل إذا لم ندفع. وحوصرنا، تحت رحمة المهربين مع حراس الحدود الإيرانيين من جهة، وحراس الحدود الأتراك من جهة أخرى". ودفع الصبية المال إلى المهربين الذين أعادوهم عبر تركيا باتجاه الساحل الغربي بالقرب من اسطنبول. هناك، جرى وضعهم على متن طَوْف قابل للنفخ ليشقوا طريقهم تجديفاً عبر بحر إيجه نحو اليونان.

وقال غلام، مستذكراً الرعب الذي أصابه أثناء صعوده إلى الطَوْف "لم أكن قد رأيت البحر في حياتي من قبل. لم يكن أحد منا يجيد السباحة. أعطونا عوامات مطاطية وطلبوا منا البقاء بعيدين عن خفر السواحل الأتراك". أضاف "إنني أرتجف الآن لمجرد أن أتذكر ذاك الجزء من رحلتنا. لكن في تلك اللحظة لم أستطع أن أفكر كيف شعرت. كل ما كنت قادراً على التفكير فيه هو هدفي بالوصول إلى اليونان وأنه كان علي الاستمرار في التجديف للبقاء على قيد الحياة".

وإذ تحدوا أمواج عاتية وتيارات قوية أحاطت بهم في بعض الأحيان على شكل دوامات مهما قاموا بالتجديف بقوة، نجح الصبية في إبقاء طوفهم عائماً على مدى خمس ساعات من محاولة العبور إلى اليونان. وعند وصولهم إلى جزيرة لسبوس، أوقفهم حراس حدود قاموا باستجوابهم وضربهم فيما طلبوا منهم تسليم محفظات نقودهم وهواتفهم الخلوية، والتي لم تكن بحوزتهم. وجرى حينئذ تسليم الصبية إلى الشرطة التي أحضرتهم إلى مخيم الاعتقال في لسبوس حيث تم إبقاؤهم لمدة أسبوعين، وهم ينامون بمعدل 50 شخصاً في الغرفة ويُسمح لهم بالخروج إلى فناء مرة واحدة يومياً لمدة 30 دقيقة.

وفي أحد الأيام، طُلب من غلام التوقيع على وثيقة تتيح إطلاق سراحه من المخيم. وفي غياب مترجمة تفسر ما كان يوقع عليه، وقّع غلام على ما اكتشف لاحقاً أنه أمر موجه إليه بمغادرة البلد خلال 30 يوماً.

حصل ذلك منذ 11 عاماً. ومن مخيم الاعتقال في لسبوس، ذهب غلام إلى أثينا وعثر على وظيفة بعمله خياطاً لمدة 12 ساعة في اليوم ووجد غرفة لاستئجارها مع أحد الأصدقاء. واستذكر غلام قائلاً "كانت كبيرة بما يكفي لشخصين كي يستلقيا للنوم. لم يكن باستطاعتنا الوقوف أو حتى الجلوس في تلك الغرفة".

في نهاية المطاف، بعد سبع سنوات لاحقاً، وبمساعدة المجلس اليوناني للاجئين، اكتسب صفة لاجىء، ومنذ شهرين، مُنح الجنسية اليونانية. اليوم، يتكلم غلام الذي يبلغ من العمر 27 عاماً اللغة اليونانية بطلاقة ويعمل كمترجم فوري لدى المجلس اليوناني للاجئين، مقدماً المساعدة إلى طالبي لجوء آخرين لمواجهة تحديات عملية اللجوء والانتقال إلى العيش في بلد جديد.

وإذ كان يخاطب مجلس حقوق الإنسان أثناء حلقة نقاش عقدت أخ​يراً في الدورة الخامسة والثلاثين للمجلس، وصف غلام التحديات الخاصة للأطفال المهاجرين واللاجئين غير المصحوبين بذويهم. وقال غلام للمجلس "خلال مسار رحلاتنا، تتعرض حياة الأطفال المهاجرين غير المصحوبين بذويهم لخطر كبير. فالمهربون وحراس الحدود والشرطة، بل حتى رفاق السفر يستغلوننا في أغلب الأحيان". وحث الدول الأعضاء للمجلس على دعم قرار لضمان سبل حماية أفضل للأطفال المهاجرين غير المصحوبين بذويهم، بما في ذلك طلب حضور موظفين معنيين بحماية للأطفال في المناطق الحدودية للمساعدة على تحديد مسار عمل خاص بالأطفال المهاجرين. وشدد غلام في خطابه أمام المجلس قائلاً "يجب على الموظفين المعنيين بحماية الأطفال – لا الشرطة أو حراس الحدود – اتخاذ قرارات بشأن ما هو الأفضل لصالح الأطفال غير المصحوبين بذويهم". أضاف "هذا يعني وضع حد فوراً لاعتقال الأطفال لمجرد ما يسمى ̓جريمةʻ الهجرة".

ودعا المفوض السامي لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان إلى دعم الجهود التي تقودها الأمم المتحدة لإرساء اتفاق عالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية من شأنه أن يضمن سبل حماية خاصة للأطفال المهاجرين. وقال زيد "نحتاج إلى الاستماع إلى مراهقين وأطفال مهاجرين أمثال غلامريزا حسنبور الذي انضم إلينا هنا اليوم. قبل كل شيء، هم أطفال – وفي حين أن جميع المهاجرين قد يخضعون لانتهاكات، فإن خوف ومعاناة الأطفال والمراهقين الذين يهاجرون بالغان على نحو خاص".

ويقود مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ضمن الفريق العالمي المعني بالهجرة عملية تطوير المبادىء والتوجيهات التي تهدف إلى ضمان حماية الأطفال المهاجرين وغيرهم من المهاجرين ممن هم في حالات ضعيفة كالتزام أساسي للدول في سياسات الحوكمة التي خصصتها للهجرة.

وتوجه زيد إلى المجلس قائلاً "لا يحقق اعتقال الأطفال أبداً المصلحة العليا للطفل ويشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان. يجب على المصالح العليا للطفل أن توجه كل السياسات المعنية، بما في ذلك الإجراءات المتعلقة بتقييمات العمر أو الدخول أو البقاء أو الطرد؛ تيسير الوصول إلى الخدمات الأساسية؛ لم شمل الأسرة؛ وتعيين الأوصياء". أضاف "نحتاج إلى بناء إطار عمل عالمي يضمن أن الأجيال المستقبلية بمنأى عن الرحلات الجهنمية التي يواجهها إلى حد بعيد العديد من الصبية والفتيات اليوم".

بادر:

20 حزيران/يونيو 2017

​​​​​​​​

أنظر أيضاً