Header image for news printout

بيان صحفي ملاحظات وتوصيات أولية المقرر الأممي الخاص المعني بالآثار السلبية للتدابير القسرية الأحادية على التمتع بحقوق الإنسان يقيّم آثار للتدابير القسرية الانفرادية المسلطة على السودان أثناء زيارته 23-30 نوفمبر 2015

الخرطوم (30نوفمبر 2015)- قام المقرر الأممي الخاص السيد إدريس الجزائري بزيارة رسمية للسودان من 23 إلى 30 نوفمبر 2015 وأدلى بعد زيارته بالتصريح التالي:

لقد كلفني مجلس حقوق الانسان بمهمة الرصد والتقرير والمشورة حول التأثير السلبي للتدابير القسرية الانفرادية على التمتُّع بحقوق الإنسان. ويغطي هذا المفهوم تلك الاجراءات التي تمت خارج الاطار المتعدد الأطراف لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بموجب فقرة 41 لميثاق الأمم المتحدة. كما كُلفتُ بجمع كل المعلومات ذات الصلة، حيثما وُجِدت، بما في ذلك جمعها من الحكومات والمنظمات غير الحكومية ومن أية جهات أخرى في هذا الشأن.

وأريد أن أُعبّر عن تقديري لحكومة السودان لدعوتها لي للقيام بهذه الزيارة الميدانية التى هي الأولى في ولايتي وذلك لتفتحها واستعدادها لتيسير كل الاجتماعات الضرورية لإنجاز مهمتي. كما يطيب لي أن أتوجه بالشكر لمكتب المنسق المقيم للأمم المتحدة ولممثلي وكالات الأمم المتحدة في الخرطوم. 

إن اختيار السودان لإجراء أول زيارة ميدانية منذ أن توليت مهامي مردّه ان السودان من الدول القليلة التي لا تزال تُسلّط عليها عقوبات قسرية أحادية شاملة.

كان لي الشرف خلال زيارتي أن أُستقبل من قبل السادة أعضاء الحكومة الآتي ذكرهم: نائب رئيس الجمهورية ووزير الخارجية ووزير العدل ووزير المالية والاقتصاد الوطني ووزير الصناعة ووزير النفط والغاز ووزير الصحة ووزير الثقافة ووزير العمل والإصلاح الإداري ووزير البنى التحتية والمواصلات  بالخرطوم ووزير الدولة للاتصالات. كما اجتمعت بكبار المسؤولين في الوزارات التالية: التجارة النقل والتربية والتعليم ووالمواد المائية والطرق والجسور والضمان الاجتماعي.

كما كان لي الشرف بأن أُستقبل من طرف رئيس المجلس القومي وعدة شخصيات قيادية من أحزاب مختلفة ومن حركات إجتماعية. 

هذا واجتمعت بممثلي المفوضية القومية لحقوق الإنسان وبعدد من رؤساء الهيئات الوطنية المكلفة بمشروع الجزيرة وبالأدوية والاشعة والطب النووي ومركز العلاج والأشعة والطب النووي ومركز علاج سرطان الثدي والصمغ العربي. وكان لي فرصة اللقاء مع قرابة ال30 منظمة من منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق المرأة والطفل والمعوقين والمسنين والشباب والناشطين في عدة مجالات اقتصادية واجتماعية ومع رئيس اتحاد أصحاب العمل السوداني وأعضاء مكتبه من رجال الأعمال ومع مسؤولين من مجلس الأعمال السوداني الأمريكي .

كما كان لي فرصة اللقاء مع السيد رئيس الاتحاد العام للعمل والخبراء والأساتذة الجامعيين.

 واجريت خلال زيارتي محادثات مع عدد من ممثلي وكالات الأمم المتحدة وممثلي المنظمات الإقليمية وكذا ممثلي البعثات الديبلوماسية عن دول الافريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا والدول العربية بالسودان.

وخلال اللقاءات والمشاورات على نطاق واسع مع كل الاطراف السودانية المذكورة أجمعوا على عدم جدوى الإبقاء على الاجراءات القسرية الاحادية المسلّطة على السودان منذ ما يقارب العقدين من الزمن وألحّوا على ضرورة رفعها أو على إعادة النظر فيها.

والجدير بالذكر  أن مجلس الأمن أصبح يتفادى العقوبات الشاملة في ضوء آثارها السلبية غير المقصودة على شرائح هامة من المواطنين الأبرياء في البلدان المستهدفة . وفي ضوء الخبرة المكتسبة للعقوبات الشاملة أصبح المجلس يقتصر على تسليط عقوبات على قطاعات محددة أو على أشخاص ذوي الاهتمام. وقياسا على ذلك أعتبر أن الاجراءات القسرية الأحادية الموجهة ضد السودان، بكونها شاملة التغطية، لا تتواءم مع تطور الممارسات الأممية الخاصة في هذا المجال.

إن الاجراءات القسرية الأحادية طُبّقت على السودان منذ عقدين دون تكييف مع التطور المستمر للأوضاع الداخلية علما بأن الوضع الذي كان سائدا في 1997 يختلف تماما عن الوضع الراهن. ومع ذلك فإنّ هذه الاجراءات لم تتغير حتى بعد ابرام اتفاقية السلام الشامل لسنة 2005 ولا بعد التحسن التدريجي الذي طرأ في مجال الحوكمة ولا بعد الشروع في تنفيذ مبادرة الحوار الوطني. فقد كان تطور العقوبات يتذبذب فقط بحكم تطورات ظرفية.

فمثلا لقد خفّ تأثيرهذه العقوبات بعد سنة 2000 نتيجة لزيادة موارد الحكومة بعد اكتشاف البترول وثم اشتدت انعكاساتها بعد فقدان 75 بالمائة من المدخول الناتج عن النفط نتيجة للإنفصال ثم انخفاض اسعار البترول كما استفحلت اكثر بعد تغريم البنوك الأوروبية الثلاث Crédit Agricole/BNP Paris Bas/ Commerz Bank  من قبل دولة المصدر والذي أدى إلى عولمة حصارها. 

أدى هذا التطور الأخير إلى حصار خانق على الاقتصاد والوضع المالي للسودان منذ 2013 جراء قطع جُل العلاقات المصرفية من الخارج في الوقت الذي كان سير الامور الداخلي للسودان يتجه نحو التحسُّن وأصبحت الاشارة للاجراءات القسرية عكسية للأهداف المعلنة عنها.

هذا وقد أثبت الواقع أن هذه العقوبات لم تؤثر سلبا على المسؤولين ولا على نخبة ما وانما أثرت كليا على المواطنين الابرياء وعلى تعميق التفاوت في توزيع الدخل بين طبقات المجتمع السوداني وبين الأقاليم كما أدى إلى توسيع السوق السوداء وانفلات التحكم بالتحويلات المالية فخرجت هذه الأخيرة من الشبكات المصرفية الرسمية مما شجّع تطوير اقتصاد موازي يتعرض لكل امكانيات الاستغلال غير الشرعية.

لكن ولئن كان تقييم الآثار السلبية للإجراءات القسرية الأحادية على التمتع بحقوق الإنسان في السودان واضح وجلي في بعض القطاعات مثل الصحة إلا أن تشخيصها بالنسبة إلى قطاعات أخرى يمكن ان يكون أصعب لكونها مندمجة مع أسباب ثانية إذا فيحتاج  الأمر إلى تصنيف الأسباب ويقتضي مزيد من الدراسة والتعمق.

ولكن كانطباع أولي استخلصت ما يلي:

1- الحق في الحياة والحق في الصحة يتأثر من عدم قدرة الحصول على قطع الغيار لأجهزة والأدوية المنقذة الحياة فأصبح السودان من الدول القليلة التي يموتون فيها المصابون بمرض السكري نظرا لعدم قدرة الحصول على الادوية لأنها لا تُنتج الا في دولتين اللتين تُشاركان في الحصار.

2- الحق في التنمية يتأثر من عدم قدرة الحصول على قطع الغيار للأجهزة الأساسية مثل القاطرات في السكة الحديدية والطائرات ووسائل النقل الشعبية كما هو الحال في مدينة الخرطوم التي تقلص فيها عدد المينيباص من 40 الف في 1999 الى 12 الف سنة 2014 نتيجة عدم الحصول على قطع الغيار. وكذلك الحال فيما يتعلق بالجرارات والمضخات وتجميد التحويلات المالية الذي يُعرقل الاستثمارات الأجنبية .

3- الحق في الماء الصالح للشرب يتأثر نتيجة عدم قدرة تغطية الاحتياجات الأساسية في العاصمة نظرا لتعطيل المضخات للمياه الجوفية ومياه النيل وعدم القدرة على الحصول على مواد التصفية.

4- الحق في العمل نتيجة تأثير قطاعات انتاجية كاملة نظرا لعدم توفر المستلزمات المستوردة.

5- الحق في التعليم تأثر نتيجة تجميد تبادل الخبرات وعدم امكانية الحصول على البرمجيات والتقنيات الحديثة وعدم امكانية المشاركة في التدريبات والتربصات بالخارج وحتى عن طريق الانترنت. وعدم قدرة الاساتذة على الحصول على الاشتراكات في مجلات علمية.

6- حقوق المسنين تتأثر من جراء منع تحويلات وفورات ذويهم المقيمين بالخارج

7- حقوق ذوي الإعاقة تأثرت نتيجة ارتفاع أسعار الأجهزة الضرورية لهم لكثرة الوسطاء الذي يفرضه الحصار للحصول على المستلزمات المطلوبة.

8- حقوق المرأة تتأثر في عدة ميادين مثل ارتفاع نسبة الوفيات أثناء الولادة نتيجة عدم قدرة استيراد المستلزمات الطبية اللازمة. 

9- حقوق الطفل تتاثر لعدم توفر الآلات الحاضنة بالنسبة للأطفال الذين يولدون قبل الأوان.

10- الحق في الغذاء الذي يتأثر نتيجة لتدهور الانتاج والانتاجية في ميداني الفلاحة والثروة الحيوانية من جراء الحصار على مستلزمات الانتاج المُستوردة.

وبالتالي فإن دراسة الخلل في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتربوية في السودان والذي يؤثر سلبا على كافة المواطنين من حيث التمتع بحقوق الإنسان يمكن أن يكون له أسباب متعلقة بالاجراءات القسرية الأحادية بالإضافة إلى أسباب داخلية. ودراسة تلك الأسباب الداخلية هي المهام المُسندة لزميلي الخبير الأممي المستقل المعني بأوضاع السودان الداخلية.

لهذه الأسباب يحتاج التقييم الشامل للوضع بالسودان الى مسارين متوازيين يتعمقان في الاسباب الداخلية والاسباب الخارجية لتقييم وضعية حقوق الانسان من أجل استخلاص صورة كاملة لهذا الوضع في البلد.

إن التقييم الشامل لآثار العقوبات الاحادية لا يخلو من عدة صعوبات وتحديات منهجية للتّمكن من تحديد الآثار السلبية للعقوبات على التمتع بحقوق الإنسان في مجال معين .

لذلك فان تقرير الأولي لن يكون الا انطلاقة لدراسة هذا الموضوع الهام.

سأكتفي في هذا الشرح المبكر بأن أُقدم التوصيات الأولية التالية:

1- ان تكون الاجراءات الأحادية القسرية المُسلطة على السودان محدودة في المدة وان تتمّ جدولتها بتواريخ محددة وان تكون مرتبطة بتحقيق أهداف واضحة داخل البلد مع إنشاء جهاز مناسب للمراجعة . ويكون دوره تقديم اقتراحات وإعادة تكييف الاجراءات مع تطور الأوضاع.

2- العمل من اجل التغلب على المبالغة في تنفيذ الاجراءات الأحادية القسرية من قبل مؤسسات تجارية أو مالية خاصة متواجدة خارج دولة المصدر. ويُمكن تنظيم ملتقى فني بمبادرة من السودان وبالتعاون مع الهيئات الدولية المعنية  (...  SWIFT,IMF , BIS ) وحضور مراقبين من دولة المصدر ومشاركة ممثلي المؤسسات المالية والتجارية الخاصة المهتمة. ويمكن أن تُساهم هذه المبادرة في توضيح الرؤى وتحسين التنفيذ.

3- تفعيل الاستثناءات التي اتخذتها دولة المصدر في مجال تجارة الصمغ العربي والانتاج الفلاحي وبعض الأدوية الحيوية والبرمجيات الخاصة بالاتصال. ورفع القيود لشحنها وللتحويلات المصرفية المتعلقة بها.

4- امكانية توسيع الاستثناءات نسجا على منوال الاجراءات التي اتخذتها دولة المصدر في المجالات الاربع المذكورة ولا سيما للمواد التي تُراعي الحقوق الأساسية للمواطنين بما في ذلك الحق في الصحة الكامل وغير المنقوص وميادين محورية أخرى  مثل الزراعة التعليم وتكنولوجيات الاتصال.

5-  تحرير تحويل وفورات السودانيين في الخارج إلى أسرهم داخل السودان وتحرير تحويل المساعدات من طرف السودانيين لأفراد أسرهم الذين يزاولون دراستهم في الخارج ويكون هذا متمشيا مع قرار دولة المصدر الذي يقضي بشطب السودان من قائمة الدول المراقبة من قبل فريق العامل للنشاط المالي  Financial Action Task Force

6- وإذا تعذر ذلك في الأمد القصير يمكن ايجاد حل بديل يتمثل في إحداث آلية مؤقتة تابعة للأمم المتحدة لضمان التوصيل وتسديد الإمدادات الحيوية في ميدان الصحة والطب ومكافحة الاوبئة وتوفر قطع الغيار والأجهزة الحيوية دون مماطلة أو تأخير بالتوافق مع النظام الأممي ودولة المصدر والسودان.

7- الرفع التدريجي للقيود الخاصة بالتحويلات المتعلقة بالصفقات التجارية.

8- النظر في امكانية تحريك الآليات الدولية من اجل إعادة هيكلة الدين الخارجي للسودان الذي أصبح لا يُطاق ويستطيع ذلك أن يكون بمثابة تعويض رمزي للخسائر التي ألحقتها الاجراءات القسرية الاحادية على السودان عبر عقدين من الزمن والذي تتعدى قيمته مجمل دين السودان الخارجي. وفي هذا السياق فإن تنسيق الجهود بين دولتي السودان وجنوب السودان سيساهم لا محالة في تحقيق الهدف المنشود كما أكد ذلك قرار مجلس السلم والأمن الافريقي رقم 539 الصادر في 25 أوت 2015 حول الحوار وسلام السودان . حيث يؤكد القرار في فقرته 28 على" الدعم الذي أبداه اجتماع الاتحاد الافريقي وإعتماد مجلس السلم والأمن للخطة المشتركة المقدمة من السودان وجنوب السودان والآلية الافريقية رفيعة المستوى حول الاعفاء الشامل للديون ورفع العقوبات المفروضة على السودان والدعم التنموي لجنوب السودان".

9- دراسة إمكانية التركيز في البداية على رفع الاجراءات القسرية المتمثلة في القرارات التي تعود الى السلطة التنفيذية قبل الانتقال إلى تلك التي اتخذتها السلطة التشريعية لدولة المصدر.

10-  أن يكون هناك عمل مشترك فني بين مكتب المفوض السامي لحقوق الانسان ووكالات الأمم المتحدة المهتمة الموجودة في السودان لتطوير مقاييس التي من شأنها أن تُحدد دور الاجراءات الأحادية القسرية دون سواها كسبب لاحداث نتائح سلبية على التمتع بحقوق الإنسان حتى ولو ارتبطت باسباب اخرى. فيمكن عقد اجتماع خبراء أمميين من أجل تحضير دراسة حالة التي ستساعد في تطوير منهجية تقييم الأوضاع في بلدان مستهدفة اخرى.

11- امكانية إجراء دراسة مستقلة حول أسباب تدهور الانتاج والانتاجية في مشروع الجزيرة الحيوى من أجل تحديد الأسباب الداخلية والأسباب الناتجة عن الاجراءات الاحادية لهذا التطور الخطير نظرا لاهمية هذا المشروع لتحقيق حق الغذاء للسودان وما دونه.

الخلاصة

حتى تُرفع بصفة نهائية القيود الناتجة عن الاجراءات الاحادية القسرية على السودان ويُطلق العنان للطاقات البشرية الخلاقة التي لا يزال يزخر بها هذا البلد لا بد أن يصبح صوته قويا وموحدا على المستوى الإقليمي والدولي ليُستجاب لمطالبته المشروعة لرفع هذه العقوبات. لذا ومن اجل تحقيق ذلك لا بد من ان يستمر الحوار الوطني في السودان والذي جاء بمبادرة من الحكومة ولا بد أن يكتمل بتشريك كل الأحزاب والحركات السودانية الفاعالة دون استثناء بإقامة حوار جدي وبنّاء يُجرى داخل السودان بالذات وذلك في ضوء توجيهات قرار مجلس الأمن والسلم في إفريقيا رقم 539.