Header image for news printout

ملتقى دبلن للمدافعين عن حقوق الإنسان لعام 2017، الذي استضافته مؤسسة فرونت لاين ديفندرز، في دبلن، إيرلندا

خطاب أندور غيلمور، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لحقوق الإنسان

17 تشرين الأول/أكتوبر 2017

تتعرض حقوق الإنسان حول العالم حالياً لهجمات خطيرة. أستشعر بذلك حتى في المناخ المضطرب السائد في الأمم المتحدة في نيويورك وجنيف، حيث أواجه إلى جانب المفوض السامي لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين وبعض الزملاء الانتقادات من قبل العديد من الأوساط، وثمة محاولات لكمِّ أفواهنا وتخفيض الموازنات المخصصة لنا والحدِّ من إمكانياتنا. بالتالي، إذا كنا نستشعر بهذا الأمر هناك، لا ريب بأنكم أنتم من تقفون في الخط الأمامي تتحسَّسونه على نحو حاد أكثر. ثمة قومية معادية تتفاقم في ظل ازدياد مستويات العنصرية والكراهية ضد الأجانب. ونلاحظ شكلاً من أشكال الشعبوية التي تعتبر في أكثر الأحيان غوغائية ورخيصة وذات طابع يتصف بالكراهية ضد الأجانب، فيما يدعي القادة والإعلام أنهم يتحدثون "باسم إرادة الشعب". ويميل هذا الشكل من أشكال الشعبوية إلى معاداة الأجانب ومعاداة الأقليات ويبحث عن ضحايا لإلقاء اللائمة على من هم في العادة من الجماعات الأكثر ضعفاً في المجتمع.

وأقتبس هنا من كلام المفوض السامي الذي حدَّد هذه المسألة منذ وقت طويل بقوله "إن الهتاف الحاد بالكراهية الذي أسمعه حول العالم يعيدنا إلى زمن كانت تمتلك فيه المرأة والأقليات الجنسية والجماعات العرقية والدينية حريات أقل بكثير". وهذا هو تحديداً هدف العديد من الشعبويين الذين يرغبون في العودة إلى بعض نواحي الزمن الريفي عندما كانت الحقوق عبارة عن امتيازات مخصصة لمجرد قلَّة من الناس".

لقد قمت بالانضمام إلى الحركات المعنية بحقوق الإنسان في أواخر السبعينيات كمتطوع مراهق ساذج ومتقدٍ حماسة. ولم ندرك في ذلك الحين أن الأمر لم يكن سوى الشرارة لانطلاقة ثورة حقوق الإنسان التي استمرت لأكثر من ثلاثة عقود، وهي حقبة تمَّ خلالها إحراز تقدم كبير جداً. لكننا نشهد ردَّ فعل عنيف حالياً أو تأرجح البندول في الاتجاه المعاكس مع وجود العديد من الأشخاص النافذين الذين يقومون بالتحقيق وسير الاتجاهات ضد قيم حقوق الإنسان والحريات والتسامح. ولا يعتبر تضاؤل الحيز الخاص بالمجتمع المدني حادثة من صنع القدر، بل هو في العادة نتيجة وجود بعض القادة المتعصبين وفي الوقت نفسه ممن يعانون عدم الاستقرار (عدم الاستقرار، سواء سياسياً أو عسكرياً أو أحياناً نفسياً) الذين لا يستطيعون أن يتحملوا واقع أن المنظمات غير الحكومية يمكن أن تحقق بشأن قراراتهم المعصومة من الخطأ وتدافع عن حقوق الأشخاص المستهدفين. وفي السنوات القليلة الماضية، لاحظنا عمليات حظر على المنظمات غير الحكومية في عدة دول، بما في ذلك روسيا وتركيا وإسرائيل والهند ومصر وإثيوبيا وكينيا.

يتخذ رد الفعل العنيف أشكالاً عدة. ونشهد ذلك في بعض الدول مثل الفليبين، حيث أن آلاف الأشخاص، سواء ممن ارتكبوا جرماً بسيطاً أو لم يشتركوا في أي جرم، تعرضوا لإطلاق النار في الشوارع ومنازلهم بلا رحمة من قبل عناصر الحكومة، في ظل وجود رئيس يتباهى بأنه اشترك شخصياً في بعض أعمال القتل وهو يشجع جنوده على اغتصاب النساء في القرى. وأُصيب ملايين الأشخاص حول العالم بالصدمة لسماعهم بعض القادة يتحدثون بشأن "إعجابهم بالتعذيب" فعلياً، سواء صدقتم ذلك أم لم تفعلوا، مع ادعائهم بأن "التعذيب نافع". وإن الإشادة بالتعذيب على هذا النحو لأمر مثير جداً للقلق بما يتخطى إصدار عفو باعث على الاشمئزاز، بالرغم من أن هذا الأمر نفسه ينطوي على ما يكفي من الإساءة.

يستمر الشعور بهذا النوع من رد الفعل العنيف أيضاً في ما يتعلق بالجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب. فبالرغم من أن الجهود تشكل بالطبع هدفاً رئيسياً، إلا أننا رأينا في المقابل أنها استُخدمت كغطاء من أجل تبرير صمت أصوات النقاد وتضييق الخناق على المجتمع المدني والقيام بالاعتقال التعسفي للأشخاص بأعداد كبيرة وحتى إعدام الأشخاص الأبرياء. وتمَّ ملاحظة بعض هذه التدابير، التي تشكل انتهاكاً كاملاً لحقوق الإنسان، في أماكن مثل نيجيريا والبحرين ومصر.

ما نلاحظه مراراً وتكراراً، وإن كانت الحكومات ترفض الأخذ بهذه العبرة ببساطة، هو أنكم عندما تحاربون الإرهاب بطريقة تسيء إلى السكان المدنيين وتقود إلى قيام مجتمعات تشعر بأنها أكثر عرضة للتهميش، فإنكم ستصلون إلى مرحلة تواجهون فيها المزيد من الإرهابيين عما كانت عليه أعدادهم في البداية. وهذه مسألة نحاول فعلياً في الأمم المتحدة أن نتخذ تدبيراً بشأنها حالياً. لقد لاحظنا أيضاً جماعات بأكملها تتعرض للذم على نحو غير عادل، بما يشمل المهاجرين والأقليات، سواء كانوا من الروما أو المسلمين أو المكسيكيين. ولا يزال أمامنا طريق طويل للمضي في نضالنا من أجل إنفاذ حقوق المرأة بالكامل، بما في ذلك حقها في المساواة وفي أن تكون حرة من التمييز والعنف والتحرش الجنسي (بالرغم من أن حالة الهرج والمرج العارمة بشأن سلوك المنتج السينمائي هارفي وينشتاين تشير إلى أننا قد نكون أخيراً عند نقطة تحول مرحبة بعض الشيء في هذا الخصوص).

إن جلَّ ما تحتاج إليه حقوق الإنسان للبقاء والتصدي لرد الفعل العنيف تجاهها هو مجتمع مدني قوي على شكل منظمات غير حكومية ومدافعين عن حقوق الإنسان يتصفون بالجرأة. وما نعلمه هنا في الأمم في المتحدة، بل يجب أن نبذل المزيد من الجهد للإقرار به، هو أنكم تلعبون دوراً أساسياً في الدفاع باستمرار عن حقوق الإنسان والتسامح والعدالة. أنتم تفتحون الحيز للنقاش وتساعدون على تكوين الآراء. أنتم العناصر الرئيسيون في توجيه عمليات اتخاذ القرار المحلية من أجل القيام بالإصلاح. وكما تعلمون جميعكم أيضاً، لا يلقى الاعتراض على الوضع الراهن ترحيباً في أكثر الأحيان. فالدفاع عن حقوق الآخرين وعمَّا هو صائب قد يعني فضح ما لا يريد أصحاب المصالح الأقوياء كشفه. وحين يتعلق الأمر بإعادة توزيع السلطة والوصول إلى الموارد القيمة، قد يتسبَّب الأمر برد عنيف. وغالباً ما يكون المدافعون المعنيون بحقوق الشعوب الأصلية وبالبيئة هم المستهدفون، كما بلغني للتو في الأسبوع الماضي عندما كنت في كمبوديا وقبل ذلك في هندوراس. وتتعرض المدافعات عن حقوق الإنسان بدورهن لمخاطر محددة.

ونعتمد نحن في الأمم المتحدة على التعاون مع الجهات الفاعلة في المجتمع المدني حول العالم. أنتم تؤمنون الرؤى والمعلومات الضرورية على الأرض وتحذرون منظومة الأمم المتحدة بشأن تطور الحالات وتدفعون باتجاه اتخاذ التدابير المناسبة. أما بالنسبة إلى عمل مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فإن كل ما يتعلق بمطالبنا إلى الحكومات؛ وبالتعاون التقني وبرامج التدريب المخصصة لإنفاذ القانون والمسؤولين الحكوميين والموظفين القضائيين والأمنيين والمجتمع المدني وسواهم الكثير؛ خصوصاً تقارير الرصد والتحقيق التي نعدُّها بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، لا أساس له إذا لم نعتمد على جرأتكم وخبرتكم وحسكم بالمبادىء وأصواتكم.

لقد أعطينا الأولوية لدعم المجتمع المدني وفق بعض السبل المشار إليها أدناه:

  • تقديم المشورة القانونية وبناء القدرات؛
  • تشارك العبر التي تعلمناها وأفضل الممارسات وإنتاج أدوات عملية؛
  • تسهيل تعاون المجتمع المدني مع الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة وهيئات المعاهدات والاستعراض الدوري الشامل؛
  • رعاية الحوار مع الجهات الحكومية ودعم الأطر القانونية والوصول الفاعل إلى العدالة.

في بعض الأوقات، كما اختبر أو شهد البعض منكم، إن التعاون مع الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يمكن أن يؤدي إلى بعض الأعمال الانتقامية والترهيب. ولطالما شكل ذلك أمراً مثيراً للقلق بالنسبة إلى المنظمة، ونحن نشعر بالأسى إزاء ازدياد عدد هذا النوع من الأعمال، التي تبدأ من الحظر على السفر والتهديدات والمضايقات وحملات التشهير والرقابة والقوانين التقييدية مروراً بالتوقيف والاعتقال على نحو تعسفي وصولاً إلى التعذيب وإساءة المعاملة، بما في ذلك العنف الجنسي والحرمان من الحصول على الاهتمام الطبي وحتى القتل. ويتعرض المدافعون عن حقوق الإنسان للمضايقة في كل الأوقات. ويكمن الهدف في معاقبة الأفراد الذين سبق أن عبروا عن اعتراضهم، بما يرسل بالتالي إشارة إلى العديد من الأشخاص الآخرين بعدم الاعتراض مستقبلاً.

وإذ أقرَّ الأمين العام بخطورة هذه المسألة، فقد أعلن في تشرين الأول/أكتوبر الماضي أنه طلب إلي أن أتولى الجهود الهادفة إلى تعزيز عمل الأمم المتحدة الواسع النطاق من أجل منع الأعمال الانتقامية والحماية منها والتحقيق والمساءلة بشأنها. وتعرب عدة حكومات عن دعمها في هذا الإطار وقدمت بعض الموارد من أجل هذا المسعى. وتعتبر إيرلندا، البلد الذي يستضيفنا اليوم، ناشطة بقوة في هذا الخصوص. ونحاول أن نحصل على ما في وسعنا من المعلومات بشأن ما يحصل، ولذلك نحن نحتاج إلى مساهمتكم وسوف نوزع عليكم عنوان بريدنا الإلكتروني لمساعدتنا على بلوغ هدفنا. وفي الشهر الماضي، استعرضت التقرير السنوي للأمين العام بشأن الأعمال الانتقامية في مجال حقوق الإنسان في جنيف. وأشعر عادة بالارتياب من الأشخاص الذين يقتبسون أقوالاً وردت على لسانهم. لكنني آمل في أن تسامحونني، وعلى ضوء الصلة المباشرة مع ما أتحدث عنه اليوم، إذا ما استرجعت بعض السطور مما قلته في خطابي الذي ألقيته أمام مجلس حقوق الإنسان منذ ثلاثة أسابيع فيما كنت أستعرض تقرير الأمين العام بشأن الأعمال الانتقامية، وقد جاء فيه ما يلي:

نعتقد أن أهمية هذا التقرير تتجاوز إلى حدٍّ كبير الحالات الفردية الواردة فيه. وأظن أنه علينا أن ننظر إلى هؤلاء الأفراد كأنهم طائر الكنار في منجم الفحم [الذي كان يصطحبه العاملون معهم إلى داخل المنجم حتى إذا ما انبعثت غازات سامة مات الطائر لينذرهم مسبقاً حينئذٍ بضرورة المغادرة على الفور]، فهم يغنون بشجاعة إلى أن يتم إسكاتهم برد الفعل العنيف السام الممارس ضد الأشخاص والحقوق والكرامة – بل علينا ننظر إليهم كأنهم تحذير مدلهم لنا جميعاً (...).

وليس من شيء أسوأ أو مثير للاشمئزاز صراحة من أننا مجبرون عاماً تلو الآخر على عرض الحالات المتعلقة بالمضايقات والأعمال الانتقامية أمامكم وأمام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والتي ارتكبت ضد أشخاص جريمتهم، كما تراها حكوماتهم المعنية، هي التعاون مع المؤسسات والآليات التابعة للأمم المتحدة والتي يأتي تكليفها بالطبع من جانبكم ومن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (...). أحيِّي الجرأة الاستثنائية التي يتحلى بها أحياناً الضحايا وأسرهم للمجيء إلينا ومشاركة قصصهم معنا، مثلما أحيِّي أيضاً التفاني من قبل منظمات المجتمع المدني التي تعمل باسم الأشخاص المتضررين.

لكن بما أن التقرير الذي قدمته كان محصوراً بالأعمال الانتقامية ضد الأشخاص الذين يتعاونون مع الأمم المتحدة، فإن الحالات التي يغطيها لا تشكل سوى جزء صغير من المزيد من ردود الفعل العنيفة الشاملة ضد المجتمع المدني، لا سيما المدافعين عن حقوق الإنسان. لذلك، نمدُّ يدنا إليكم وإلى غيركم من المدافعين ونبذل أيضاً المزيد من الجهد من أجل توعية الحكومات على هذه المسألة. ونعمل على إنشاء طريقة متماسكة داخل منظومة الأمم المتحدة لمعالجة هذه المسألة. وننشط على نطاق واسع في هذا المجال من خلال اعتماد الدبلوماسية الهادئة، لكننا نتحرك في العلن عندما تكون لدينا الضمانات. وقد سبق أن باشرت العديد من الحالات المحددة مع الحكومات المعنية. لكن نستشعر هنا أيضاً رد الفعل العنيف. فبعض الدول الأعضاء غير مسرورة بالولاية المكلفة إلي وتسعى إلى إبطالها أو في الحد الأدنى تقويضها. وهذه الحكومات الموجهة إليها النداءات في تقريرنا تميل إلى أن تكون الأكثر صراحة في انتقاد هذه الولاية، الأمر الذي لا يجب أن يفاجىء أحداً تماماً.

لكن دعونا لا نخطىء. إذ سواء نجحت هذه الدول الأعضاء أم لم تنجح في الدفع باتجاه ردٍّ معادٍ في مجلس حقوق الإنسان أو الجمعية العامة، فإنها لن تتمكن من وقفنا عن القيام بما نؤمن أن لدينا الواجب الأخلاقي بالقيام به، سواء بالنسبة إلى الولاية المحددة أو الولاية غير المحددة المكلفين بها، ألا وهو: الدفاع عن المدافعين وفي الحدِّ الأدنى الإشارة إلى الخبث الحاصل عندما تقوم بعض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بمعاقبة الأشخاص الذين يتعاونون مع الآليات التي أنشأتها هذه الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بنفسها. وفي ما يتعلق بالتحقيق بمسائل حقوق الإنسان في العالم بالإجمال، لا أعلم متى سيميل البندول في الاتجاه الصحيح مجدداً. وبصفتي مؤرخاً بالتدريب، لم أؤيد يوماً الرأي القائل إن تاريخ البشرية يتحرك بالضرورة في اتجاه تدريجي. وآمل بشدة في أن ما نراه هو مجرد انقطاع موقت عن التقدم باتجاه تحقيق أعمق لحقوق الإنسان وليس انقلاباً ثابتاً ضدها.

لكن لن يحصل هذا الأمر، أي لن يتم وقف ردُّ الفعل العنيف وعكس اتجاه البندول، إلا إذا عملت حركة حقوق الإنسان يداً واحدة حتى بطريقة أكثر تركيزاً وأكثر تنسيقاً من أجل حشد المزيد من الدعم الشعبي والسياسي للحقوق. هذا هو التحدي. وأنتم الذين تقفون في الخط الأمامي قد بذلتم قصارى جهدكم من أجل تحقيق التقدم الذي كنا محظوظين بما يكفي لنراه على مدى العقود القليلة الماضية. وأنتم الذين تقفون في الخط الأمامي الأكثر عرضة للخطر خلال رد الفعل العنيف هذا. ويقع على عاتقنا في الأمم المتحدة، خصوصاً في المفوضية السامية لحقوق الإنسان، أن نقدم الدعم الذي تحتاجون إليه، كما أن نحيِّي ونلفت الانتباه إلى الجرأة الملهمة والالتزام بالمبادىء اللذين يبرهن عنهما العديد منكم يوماً بعد يوم.

واسمحوا لي أن أكرر فكرة سبق أن قلتها أمام مجلس حقوق الإنسان وهي " لا أستطيع أن أتصور واجباً أسمى أو أوضح، سواء بالنسبة إلى أعضاء المجلس أو بالنسبة إلى موظفي الأمانة بمن فيهم أنا، من أن نبذل المزيد من الجهد للدفاع عن المدافعين عن حقوق الإنسان.” لهذا السبب، يشرفني فعلاً أن أقف أمامكم اليوم، آملاً في أن تكون لي مساهمتي الخاصة من أجل تعزيز التحالف الحيوي بشكل أكبر بين الأمم المتحدة والمجتمع المدني.

شكراً لأنكم منحتموني هذه الفرصة.