Header image for news printout

لماذا ندافع عن حق إنسان

المحاضرة التي ألقاها مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين
في مؤسسة جاكوب بلوشتاين

19 تشرين الأول/أكتوبر 2017

حضرة الزملاء الكرام،
أيها الأصدقاء الأعزاء،

ما الذي يحصل لنا؟ عندما تستوجب حقوق الإنسان الدفاع عنها في كل مكان، وعلى نحو متزايد. عندما لا يجد غضبنا رادعاً للتوقف وتتفاقم مخاوفنا بشأن الانتهاكات المرتكبة فحسب، بدلاً من أن تنحسر، حتى في الدول التي تعتبر مزدهرة ومستقرة. كيف لطفل أن يفهم ببساطة الحاجة الملحة إلى الدفاع عن حقوق الإنسان، بل فكرة الإنصاف، وأن أهمية هذه الحقوق على ما يبدو تهزم حتى الآن العديد من الحكومات؟ ثمة المزيد من القادة الذين لا يدَّعون حتى بعد اليوم أنهم يهتمون بالحقوق، تغريهم في ذلك المواقف الذكورية المرتبطة بعلاقات السلطة، وهو ما جرت العادة على تسميته "بالواقعية". وتشير إليه الإدارة الأميركية حالياً "بالواقعية القائمة على المبادىء" لتطرحه كشيء بعيد عن الجشع أو التقلب في الرأي. وسامحوني إذا طرحت السؤال، لكن لماذا ليس من الواضح لأبطال هذا النهج أنه حتى عند نبذ حقوق الإنسان في رؤيتهم للعالم، تبقى هذه الحقوق تتمتع في الواقع بالرغم من ذلك بدور رئيسي من دون منازع؟

تعتبر التجربة البشرية غير مثمرة ببساطة عند هذه النقطة. فعندما تُحدث إحدى الدول ثغرة في أحد المبادىء، على غرار التعثر في التقيد بالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان تجاه شعبها أو حتى في الطريقة التي تعامل فيها الآخرين في مكان آخر، ألا يستفز هذا الأمر الأشخاص الذين يشعرون بوجود الظلم؟ أليست هذه ما هي الحال عليه، أي أن الأشخاص الذين يشعرون أنهم تعرضوا للظلم أو إذا كانت الدولة متسلطة بحقهم سوف يختارون في العادة أن يعبروا عن امتعاضهم بطريقة ديمقراطية أو أقله بشكل من أشكال الاعتراض الذي لا يتصف بالعنف. وإذا تمَّ تجاهل ادعاءاتهم أو تنحيتها جانباً على مرِّ السنوات أو العقود من قبل السلطات الحكومية، أو حتى أسوأ من ذلك، القضاء عليها بعنف ووحشية من قبل هذه السلطات، أوليس من المنطقي أن تصبح المعارضة أشد حينئذ؟ بل أن تصبح حتى عدوانية. وإذا كانت تلك الحكومة المرتاعة مقتنعة أن القوة هي الحل الوحيد، فإنها تبدأ بشكل محموم في تجريد الشريحة الواسعة من الشعب من حقوقه وتقوم بسحق ما تعتبره تهديداً، وما الذي يحصل آنذاك؟ سيكون الرابحون من قاموا بتوظيف الأشخاص العدوانيين. مدعوماً من بعض الأوساط الأخرى، يمكن للإرهاب حينئذ أن ينفجر، في ظل أعمال من شأنها أن ترعبنا جميعاً فيما تغرق الحكومة المضطربة نفسها حتى في نوبات تشنج من العنف رداً على ذلك. وفي تلك المرحلة تدمر الدولة نفسها بحال من عدم الأمن. ويهرب السكان فيما تعاني أعداد كبيرة من الأشخاص على نحو خطير. للأسف وفي العديد من المرات، هذا ما هو عليه المشهد الذي نراه أكثر فأكثر في العالم اليوم.

لطالما كانت مؤسسة جاكوب بلوشتاين صديقاً لا يكلُّ في مؤازرتها لحقوق الإنسان ولمكتبي ودعوني أنتهز هذه الفرصة كي أحيِّي بشكل خاص فيليس غايير التي أعتبرها صديقة استثنائية لي شخصياً ولمكتبي على مدى سنوات عدة، وبطلة مخضرمة بحدِّ ذاتها للبرنامج العالمي المعني بحقوق الإنسان، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحظر التعذيب. وبفعل هذه السنوات العديدة من الدعم والأفكار المساعدة من جانب مؤسسة جاكوب بلوشتاين، أرغب في أن أراجع معكم اليوم المغالطة والاعتقاد المتنامي بأن حقوق الإنسان تتعارض مع العالم القائم اليوم، وهو عالم يطلب منا أن نسلك اتجاهاً أكثر تصلباً وأكثر ميكافيلية. وهذه رؤية عالمية تناقض حماسة القتال السياسي وبهجة الأعمال العسكرية مع السأم من المبادىء والقانون وحقوق الإنسان، وهو رأي يميل بعض الأشخاص ممن أداروا ظهرهم للعبر المأخوذة من التاريخ إلى تبنِّيه.

يتغير نموذج أشكال السلطة العالمية بدوره. الأكثر وضوحاً هو بروز الصين: اقتصادياً وفي ما يتعلق بتوطيد السلطة داخل البلد وطموحاتها الاستراتيجية. هناك أيضاً الإصرار من جانب روسيا: التهديد غير المستعجل لكن الثابت باستخدام قوتها ونفوذها. وهذه الثقة التي تعرب عنها كل من الدولتين تخالف خوفهما الظاهر من مجتمع مدني مستقل وبعض المدافعين عن حقوق الإنسان والبرنامج العالمي المعني بحقوق الإنسان الذي يجد قدماً راسخة لحقوق الإنسان فيهما وبالتالي يكبر على أرضهما. ولا أحد يعلم كيف ستكون العلاقة بين الدولتين في المستقبل. من ثم هناك البلبلة التي تتخبط فيها الولايات المتحدة حالياً، إذ هي عالقة بين الانعزالية والنزعة العسكرية مع غياب اتجاه واضح في السياسة الخارجية بعيداً عن بعض الملفات القليلة المهمة والاستثنائية. ويواجه الاتحاد الأوروبي العديد من المآزق أيضاً: البريكست وبولندا والمجر والآن قائد نمساوي عمره 31 عاماً من شأن أفكاره الشعبوية بشأن الهجرة أن تفرض المزيد من التحديات.

في ظل هذا المشهد، لا بدَّ من أن أشير أيضاً إلى بروز شركات تقنية المعلومات الرئيسية التي تستثمر على نطاق واسع في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، والتي بات البعض منها أكثر قوة من العديد من الدول، لكنها لا تزال تخضع للقوى الهائلة التي تولدها القوى الرئيسية بما أنها تتدافع في وجه بعضها البعض من أجل بسط النفوذ عالمياً، وبما أنها تشن حرباً معلوماتية نصف معلنة وبمستوى أقل ضد بعضها البعض، في الوقت الذي تتسبب فيه أيضاً بعرقلة المنتديات المتعددة الأطراف الرئيسية العالمية، وهي منتديات منظمة من أجل تسوية الأزمات الناشئة بشكل نهائي لكنها لا تقوم حالياً في القسم الأكبر منها إلا بالتعليق على هذه الأزمات فحسب.

ومنذ بضع سنوات، قبل أن أتولى منصبي الحالي، شهدت على هذ الشلل أولاً أثناء الشهور القليلة التي عملت فيها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وإذ ترأست إثنين من اللجان المعنية بجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا، فقد كان من الصعب على فريقي أن ينجز الكثير عندما قامت الولايات المتحدة والاتحاد الروسي بالتشويس على عملنا من خلال إجراءات تجميد متبادلة، والتي نجمت عن الانقسام الحاد بينهما بفعل النزاع في سوريا. وقد تمَّ الشعور بهذا الأمر من خلال جدول أعمال مجلس الأمن في ذاك الوقت. وازداد الأمر سوءاً منذ ذلك الحين، بما جعل الهيئة التي كانت في ما مضى هيئة عالمية قوية تتحول اليوم إلى هيئة ذات صورة واهية بعيدة كل البعد عما خطِّط له. كما تزامن تعييني لاحقاً في منصب المفوض السامي مع الأعمال المروعة التي ارتكبها تنظيم داعش، بما أن جرائمه نُشرت عبر الإنترنت. وعلى مدى ما يقارب 40 عاماً، ساق الإرهاب الذي يقوده التكفيريون إلى جانب نظرائهم الشيعة في الشرق الأوسط مناطق من الكوكب وأثبت نفسه على أنه مقاوم كلياً للنهج القائمة على الأمن حصراً. وتمَّ الحد من هذا الإرهاب في بعض الأحيان بالطبع، لكنه سرعان ما عاود الظهور بسرعة: مغذياً الشعور الذي تخلقه القوه القمعية دائماً على غير هدى. مع ذلك، واصلت الحكومات التقيد بالاستراتيجيات الفاشلة ذاتها. ومن أكثر الأخطاء الجسيمة المرتكبة في مكافحة الإرهاب من بين كل الأخطاء الموجودة تنحية المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان جانباً ويبقى الأسوأ من ذلك التدمير المتعمد للمجتمع المدني مع استخدام الإرهاب ذريعة. وفي نهاية المطاف، تخدم هذه التدابير قضية الإرهابيين؛ وتستمر الحكومات حتى الآن في هذه الحماقة.

تعتبر التبعات السلبية لإنكار الحيز الخاص باعتبارات حقوق الإنسان واضحة بشدة بالنسبة إلي وإليكم. لكن يبدو أن العديد من القادة ينظرون إلى حقوق الإنسان كتيار باطني من القانون الدولي يشجعه بشكل رئيسي بعض المثاليين الغربيين أو اليساريين أو الليبراليين أو المنافقين مع قابلية ضئيلة للتطبيق على القضايا الكبرى. وليس هذا الرأي حكراً على القادة المتسلطين فحسب؛ بل إن بعض الديمقراطيات المؤسسة على نحو صحيح تضلُّ نحو هذا الشكل من أشكال التفكير. وقد خصَّصت محاضرة بشأن هذا الموضوع في لندن منذ شهور قليلة بعد أن قالت رئيسة الوزراء تيريزا ماي علناً إن القوانين المعنية بحقوق الإنسان قد تسقط في حال "وقفت في طريق" مكافحة الإرهابيين. وكان ذلك سبيلاً مختصراً للقول إن القوانين المعنية بحقوق الإنسان كانت تتعارض مع العالم الحقيقي.

هل يعكس ذلك فشل الحركة المعنية بحقوق الإنسان في إثبات الرابط والقيمة العملية الكبيرة للتدابير المتخذة للدفاع عن حقوق الإنسان؟ أي أن المنظومة بحدِّ ذاتها: هيئات المعاهدات ومجلس حقوق الإنسان والإجراءات الخاصة التابعة له؛ ومكتبي إلى حدٍّ ما – لربما فشلنا كلنا في استمالة اهتمام الجمهور العريض. ستبدو آلية حقوق الإنسان بالنسبة إلى الشخص العلماني في أكثر الأحيان بأنها قاسية جداً ومؤيدة جداً للقانون ومن الصعب فك رموزها تقريباً؛ تماماً كما المصطلحات في وثيقة مصرفية، التي تعتبر مهمة، لكنها غير مكتوبة لقراءتها ولا يسهل فهمها من قبل شخص عادي. وبالنسبة إلى القائد الوطني، من الأرجح أن حقوق الإنسان تأتي في خضم النضالات اليومية بمثابة قيود مزعجة. ويمكن قول الشيء نفسه بخصوص العديد من الدبلوماسيين الذين نعمل معهم؛ وحتى داخل الأمم المتحدة بحدِّ ذاتها ثمة عدم تقدير بما يكفي لحقوق الإنسان في بعض الأوساط. ويدعي الإعلام الذي يثير الانتباه حالياً إلى مسألة تعامل الأمم المتحدة مع ملف الروهينغا في ميانمار أن مسؤولي الأمم المتحدة لم يفهموا كلهم في السنوات الماضية تبعات التقليل من أهمية انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرضت لها جماعة الروهينغا.

لكن مراراً وتكراراً، إن إنكار الاعتبارات المعنية بحقوق الإنسان من قبل القادة الوطنيين والدبلوماسيين والجهات الفاعلة الدولية على حدٍّ سواء يثبت على المدى الطويل أنه كارثي بشكل مطلق في ما يتعلق بمنع الإرهاب والنزاع والعنف. وهو لا يزال يحدث حتى الآن. ومن أجل تسوية مصاعبنا، إن إطار العمل المتعدد الأطراف متهم بحدِّ ذاته حالياً بأنه تهديد للدول أو يُصوَّر على أنه خاضع للتلاعب من قبل الدول. وفي خطابه الموجه إلى الجمعية العامة في 19 أيلول/سبتمبر، هاجم الرئيس ترامب قوى متسلطة من دون أن يسميها لمطالبتها "بتقليص القيم والأنظمة" الموضوعة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وحثَّ البعثات المجتمعة قائلاً "ضعوا دولكم أولاً" وقام بإشارات مستمرة إلى السيادة. لكنه تحدث أيضاً عن مسألة أخرى: تبدُّل حجة ماري لوبن في أن المنظمات والمؤسسات الدولية أصبحت، بحدِّ ذاتها، خطراً على تنوع الثقافات واتخاذ القرار السيادي من جهة الدول. وإذ لفت الرئيس ترامب إلى ما وصفه "بالبعيدة عن البيروقراطية"، قال إن هذه المؤسسات خضعت إلى حدٍّ متوسط من الاستغلال من قبل بعض الحكومات على حساب أخرى. بتعبير آخر، من منظور الرئيس الأميركي، إن المنظمات الدولية، وأنا أسلم جدلاً بأطر عملها القانونية الدولية، بما في ذلك حقوق الإنسان العالمية، باتت الآن جزءاً من مشكلة وليس الحل. واختتم قائلاً إنه لا يمكن أن يكون هناك بديل عن "الوطنية" و"بناء التحالف" وفي الأخير "المواجهة" في حال دعت الحاجة. هذا ما كانت عليه "واقعية" الرئيس، مع التأكيد عليها بالمبادىء أو القيم التي لم يستمر في كلامه لتحديد ماهيتها. وقاد استناده المستمر إلى الوطنية العديد من الحاضرين إلى الاستنتاج بأن المصطلح كان تعبيراً مجازياً بشأن الوطنية: الوطنية الشوفينية.

حين استمعت إلى الخطاب، كان ردُّ فعلي الفوري على غرار العديد من الأشخاص الآخرين هو التالي: حسناً، ليس الأمر بجديد علينا. فهذا الخليط قد استُهلك في القرن الماضي. من جهة، الوطنية الشوفينية. ومن جهة أخرى، مبارزة توازن القوى والتزام متداع بالقانون. أضيفوا إلى ذلك الاعتقاد بأن التهديدات بالعنف والإنذارات النهائية ستكون فعالة. وتخلق الدوامة القائمة في ظل وجود الإرهاب مخاوف قابلة للازدياد بسرعة ويمكن استغلالها من ثم تفرقة الجمهور في سياسات لا سبيل للخروج منها. وأدَّت هذه الأمور كلها مجتمعة في مطلع الحقبة الأولى من القرن العشرين إلى إبادة ملايين الأشخاص. وشكلت مأساة الحربين العالميتين ومحرقة اليهود تحديداً ما قاد البشرية إلى أن تنشىء بالدرجة الأولى بنيتنا الأمنية العالمية والبنى الخاصة بشؤوننا المالية وبحقوق الإنسان عالمياً. وهي تخضع الآن للتحقيق من قبل قائد الدولة التي استحوذت على حصة الأسد في بناء هذه المؤسسات والحفاظ عليها.

حينئذ، طرحت على نفسي السؤال التالي: هل كان السبب الذي دفع على ما يبدو برئيس الولايات المتحدة إلى أن يطلق العنان لمغادرة تدريجية من النظام القانوني الدولي يعود إلى أننا، نحن، من نعمل لحساب الأمم المتحدة وآلياتها المعنية بحقوق الإنسان قد أخفقنا بشكل كارثي في تحقيق قضيتنا؟ قد يبدو أن ما نعتبره واضحاً بالنسبة إلينا في المجتمع المعني بحقوق الإنسان هو أقل من ذلك بالنسبة إلى غيرنا. ولعلَّ أفضل ما يعبِّر عن رأيي الخاص في هذا الخصوص هو ما ورد في المقطع الأول من مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما جاء في المشروع الأولي الذي وضعه كاسين، المسودة الثانية. وهي النسخة التي لطالما فضلتها بسبب صرامتها قبل أن تعاد صياغتها في لغة دبلوماسية مصقولة بشكل أكبر ووضعها في المقطع الثاني من النص المفترض. وفي النسخة الأولية والحادة، يبدأ النص بما يلي: "هذا التجاهل والإهانة لحقوق الإنسان كانا من بين الأسباب الرئيسية لمعاناة البشرية".

لم يكن التجاهل ليشكل أبداً مشكلة بالنسبة إلى الأجيال التي اختبرت الكوارث العالمية للقرن العشرين، لأن هذه الأجيال أدركت أولاً ما الذي يمكن أن يخلِّفه البديل عن ذلك. لكن يمكن أن يتحول الأمر إلى مشكلة ما أن تبدأ هذه الأجيال بمغادرتنا. ويكمن التحدي في ما يلي: هل تستطيع الذاكرة التاريخية بمفردها أن تحافظ على النظام القانوني الدولي حتى لو كانت مكرسة في القانون، بشكل مبدئي قانون المعاهدات؟ للأسف، يبدو أن تفاقم الانتهاكات لحقوق الإنسان والإشادة المتنامية بالواقعية يشكلان الجواب على سؤالنا ويفسران الازدراء السائد تجاه حقوق الإنسان عموماً، والذي ينبع من التجاهل المقابل له.

كيف لنا أن نغيِّر هذا الواقع؟ كيف يمكننا أن نجعل الأشخاص الذين يؤمنون بالواقعية يستوعبون أن النطاق الذي سيحققونه من منفعة تكتيكية جراء تركهم الإطار القانوني وحقوق الإنسان ستكون أهميته ضئيلة عندما يتدمر كل شيء في نهاية المطاف؟ كيف نقنعهم؟ يجب أن يكمن الترياق أولاً بالطبع في تأسيس حملة مخصصة لتوسيع المعرفة بشأن حقوق الإنسان بسرعة، من ثم بث الحجة بين المشككين. سيعني ذلك الربط بين عدد كبير من الدول؛ تلك التي لا تزال تؤمن بأهمية إطار عمل الحقوق لمساعدتنا على تعزيز النظام بشكل أفضل. ولن يتطوع العديد من الدول بسهولة، إذ أن مخاصمة بعض القوى العظمى ليست تجربة ممتعة إلا إذا شعرت هذه الدول بالطبع أنها مجبرة على ذلك بفعل نقاط ضعفها وشعبها. .

ما ينقص إذاً وما قد يغيِّر المسار هو وجود موجة أوسع نطاقاً فعلياً على المستوى العالمي من الدعم الشعبي لحقوق الإنسان العالمية، حيث تقوم الشعوب بدفع حكوماتها وحثها وإرشادها إلى الهدف وإيقاظ السياسيين من سباتهم. ويجب أن نكثِّف الآن دعمنا بشكل أكبر وأن نوسِّع نطاق وصولنا بطريقة غير مسبوقة. ويجب ألا نرضى بعد اليوم بأن تحقق جلسات مجلس حقوق الإنسان بضع مشاهدات عبر الإنترنت أو أن تؤدي البيانات الصحافية الصادرة عن المقررين الخاصين أو لجان التحقيق إلى كتابة بضعة آلاف من المقالات الصحافية أو أن يكون لمكتبي مليونا متابع تقريباً عبر تويتر. ليس في عالم يبلغ تعداده السكاني 7.6 مليارات نسمة. نحتاج اليوم إلى الاتصال بعشرات ملايين الأشخاص وبسرعة فائقة.

في الأسابيع القليلة المقبلة سوف نبدأ عاماً طويلاً من الاحتفال بالذكرى السبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان: هذه المجموعة الجبارة من الالتزامات التي تحطُّ من قدر الطغيان والتمييز والإهانة للبشر الذين تركوا ندباً يعلو تاريخ البشرية. ويجب أن نستخدم إحياء هذه الذكرى من أجل التحذير، وعلى نحو حاسم، من أجل الإعلام والتفسير للناس بوضوح في كل العالم أن قانون حقوق الإنسان ليس ترفاً فارغاً أو غريباً أو بعيداً عن الوقائع التي تحدث اليوم، بل هو أحد أهم الابتكارات الحساسة والحاسمة التي ابتدعها البشر من أجل دعم السلام العالمي. وبما أننا نعيش اليوم في عالم يفتقد توازنه بسبب الأكاذيب والخداع، فنحن نحتاج إلى ثبات وسلامة قوانينه العالمية. نحتاج إلى مرساة المبدأ الكامنة في العبر المأخوذة من التجربة البشرية. في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بالحقوق الجوهرية للأشخاص فحسب، بل يمكن أن يرتبط أيضاً بحياتهم.

لقد ثبُت أن الأشخاص الذين اعتقدوا سابقاً أن التقنية والعولمة من شأنهما إنقاذ البشرية على خطأ في الماضي، وهو كذلك للأسف. وفي عام 1913، اشتُهر رئيس جامعة ستانفورد دايفيد ستار جوردان بقوله "الحرب العظمى... هذا التهديد الأبدي لن يأتي أبداً. المصرفيون لن يقدموا المال الضروري للقيام بهذه الحرب، ولن يدعمها القطاع الصناعي وبالتالي لن يتمكن أي رجل دولة من القيام بها ببساطة. لن تكون هناك حرب عظمى". وفشل الرئيس في أن يستبعد هذا الأمر في ظل التضليل السمي السائد. وتحدث جاكوب بلوشتاين عن هذه النقطة بعد عدة سنوات لاحقاً. ففي نيسان/أبريل 1950، تحدث إلى اللجنة اليهودية الأميركية بشأن "روحية التعصب العدواني". وحذر أنه ما أن أُطلق عنانها فإنها "تطغى على صوت المنطق". لكن حتى اليوم، فيما يبدو أننا نعود إلى تلك السياسات الكارثية وذاك الاستدراج من "التعصب العدواني"، فإن النضال الذي وقع على عاتق جيلنا ليس ميؤوساً منه. نعم، إن الوطنية الشوفينية خطيرة وسياسات كبش المحرقة التي تزرع الخوف وتجعله على شكل لائمة من ثم تحصده كحشود غاضبة تعنِّف الضعيف على غير هدى لهي قوة قادرة ومدمرة. لكن هذا ما كانت عليه بعض التحديات التاريخية الأخرى التي واجهها بنجاح المدافعون عما هو حق وعادل. وقد أنهى أسلافنا، عمالقة الحركات المعنية بالحقوق، العبودية والاستعمار والتمييز والتمييز العنصري وغيره.

يعود الآن الأمر إلينا، بل إلي وإليكم في هذه القاعة؛ وإلى أي جمهور يمكن أن نصل إليه، في كل دولة حيث لا يزال هناك حيِّز للتعبير عن الآراء والمشاركة في القرارات ورفع صوت واحد. نحتاج إلى الدفاع عن نظام حقوق الإنسان وإلى أن نبادر من أجل تعزيز السلام. نحتاج إلى محاربة التمييز ودعم العدالة حتى في هذا الوقت الأكثر صعوبة. وقد يكون هناك عمل مكافأته نكران الجميل بل عمل خطير في بعض الأحيان، لا سيما بالنسبة إلى المدافعين عن حقوق الإنسان في الدول المتسلطة التي تعتبر على نهاية الطرف الحاد من الوتد. لكنني لطالما وجدت عزاء في ما قاله داغ هامارسكيولد في هذا الخصوص "من أجل بناء عالم للإنسان من دون خوف، يجب ألا يعترينا الخوف". وللإجابة عن سؤالي الذي طرحته في بداية هذه المحاضرة: ما الذي يحصل لنا؟ الجواب بسيط جداً. نحن بدأنا بالتنظيم والحث والتحفيز دفاعاً عن الآداب الإنسانية ودفاعاً عن مستقبل مشترك ودفاعاً عن حقوق الإنسان التي، إذا ما عدنا إلى ما قاله جاكوب بلوشتاين، هي الصوت الحقيقي للمنطق البشري بحدِّ ذاته.