Header image for news printout

الاجتماع المنعقد وفقاً لصيغة آريا بشأن الوضع في فنزويلا

خطاب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، السيد زيد رعد الحسين

13 تشرين الثاني/نوفمبر 2017

حضرة الرؤساء المشاركين،
حضرة أعضاء المجلس،

أشعر بالامتنان لدعوتكم وأنتهز هذه الفرصة لإطلاع الدول الأعضاء في المجلس على الحالة الخطيرة لحقوق الإنسان في فنزويلا. وأعتقد في ذلك بالطبع أن فنزويلا تستحق الاهتمام من قبل المجلس بشكل لائق. كما أنني على يقين أن فنزويلا وسواها سوف يتهمونني بالانتقائية، وهو ادعاء مغلوط، نظراً إلى عدد المرات التي أعالج فيها جهاراً السجلات المعنية بحقوق الإنسان لكل الدول فعلياً، بما في ذلك كل الدول الأعضاء في المجلس وحتى رؤساء هذا الاجتماع أنفسهم.

في أواخر آب/أغسطس، أصدرت تقريراً يوثق الانتهاكات والإساءات لحقوق الإنسان في سياق التظاهرات الحاشدة التي حصلت من 1 نيسان/أبريل حتى 31 تموز/يوليو 2017. ويوثق التقرير الانتهاكات الواسعة النطاق والخطيرة لحقوق الإنسان من قبل السلطات الوطنية والتي هدفت إلى تطويق التظاهرات ضد الحكومة. ويخلص التقرير بالإشارة إلى وجود سياسة تهدف إلى قمع المعارضة السياسية بشكل ممنهج وإلى بث الخوف في نفوس السكان. وبالرغم من أن مكتبي لم يكن في وضعية لتأكيد إذا ما كانت قد ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، إلا أن النتائج التي توصل إليها التقرير لا تستبعد إمكانية التوصل إلى هذه الخلاصة مستقبلاً من قبل محكمة قانونية يتم إنشاؤها بشكل صحيح. كما قمت بحثِّ مجلس حقوق الإنسان في الوقت الذي صدر فيه التقرير على إجراء تحقيق دولي بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في فنزويلا. وجلُّ ما أتمناه أن أكرر هذه الدعوة. وإن الواقع القائم على أن معظم هذه الانتهاكات لا تزال غير معالجة حتى الآن وحتى غير معترف بها قد يترك مفعولاً سلبياً على الاستقرار في الدولة والمنطقة.

منذ ذلك الحين، وبالرغم من أن حالة حقوق الإنسان لا تزال حرجة، إلا أنها حققت المزيد من التحسن. فقد تراجعت التظاهرات بشكل ملحوظ، وكذلك عدد حالات الوفاة والاعتقالات التعسفية ذات الصلة في هذا الشأن. لكن مكتبي استمر في تلقي بعض التقارير بشأن حدوث مضايقات أو اعتقالات تعسفية أو أعمال تعذيب أو إساءة معاملة بحق الأشخاص المعارضين للحكومة. وأشار استخدام قوات الأمن الفنزويلية للقوة المفرطة كما وثقنا في تقريرنا إلى استمرار نمط تواجد منذ عام 2014 على الأقل، فيما يلفت تحقيق أجراه مكتب المدعي العام إلى أن هذه القوات كانت مسؤولة عن 357 حالة من حالات الإعدام خارج نطاق القضاء بين تموز/يوليو 2015 وآذار/مارس 2017.

وأثناء جمع معلومات التقرير، تبيَّن لمكتبي أن قوات الأمن الوطنية لجأت بشكل ممنهج إلى تنفيذ الاعتقال التعسفي بحق المتظاهرين. وهذا العدد من المعتقلين كان غير مسبوق ببساطة في التاريخ الحديث للبلاد. وتمَّ تسجيل 5,051 حالة من حالات الاعتقال التعسفي المرتبطة بالتظاهرات، من بينها 600 مدني جرى تقديمهم إلى محاكم عسكرية. أكثر من ذلك، تمَّ أيضاً توثيق أنماط من إساءة المعاملة، والتي ارتقت في بعض الأحيان إلى مستوى التعذيب، إلى جانب بعض الانتهاكات الخطيرة للحقوق في مجال المحاكمة وفق الأصول القانونية. ووجد التقرير أن بعض الاعتقالات قد شكلت حالات من الاختفاء القسري. وبالرغم من أن الاعتقالات التعسفية تراجعت منذ نهاية التظاهرات، إلا أن حوالى 400 حالة جديدة تمَّ تسجيلها بين 1 آب/أغسطس و31 تشرين الأول/أكتوبر. ويبدو أن الاعتقالات أصبحت حتى أكثر انتقائية باستهدافها أشخاصاً حُدِّدت هويتهم على أنهم قادة للتظاهرات، بل أيضاً معارضين سياسيين، بما في ذلك رؤساء بلديات ونواب. ولا يزال غياب الاحترام للحقوق في ما يتعلق بالمحاكمة وفق الأصول القانونية سائداً. ولا يزال معظم الأشخاص الذين أُطلق سراحهم – حوالى خمسة آلاف شخص – يواجهون محاكمة جنائية ويعيشون في خوف من توقيفهم مجدداً. واختار البعض منهم مغادرة الدولة. وفي حين أن بعض الحالات التي استقدمت أمام محاكم عسكرية قد نُقلت إلى محاكم عادية، بحسب منظمة Foro Penal Venezolano، لا تزال قضية 198 مدنياً عالقة في اختصاص المحاكم العسكرية.

وتلقى مكتبي معلومات إضافية بشأن مزاعم عن استمرار إساءة المعاملة والتعذيب بحق المعتقلين. وأشعر بالهلع من الغياب المطلق للمعلومات حول إحراز أي تقدم في ما يتعلق بالتحقيق في أعمال التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة بحق المعتقلين. وتفيد التقارير بأن العديد من الضحايا رفضوا تقديم دعاوى خوفاً من أعمال انتقامية ضدهم ولأنهم فقدوا كامل الثقة بالنظام القضائي. وكما أورد التقرير الصادر عن مكتبي، تفاقمت الهجمات ضد المؤسسات الإعلامية والصحافيين وغيرهم من العاملين في قطاع الإعلام في ظل التظاهرات. واستمر توثيق الهجمات والقيود على الإعلام عقب إنشاء الجمعية التأسيسية.

وفي الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر، تبنت الجمعية التأسيسية "قانوناً دستورياً ضد الكراهية من أجل التعايش السلمي والتسامح" الذي من شأنه أن يضر أكثر بحرية التفكير وحرية التعبير وحرية الإعلام. فكل شخص يشجع أو يعزز أو يحرض على الكراهية أو التمييز أو العنف قد يخضع للسجن لمدة تتراوح بين 10 و20 عاماً. كما يمنح القانون الحكومة السلطة لحظر الأحزاب السياسية والمنظمات والحركات الاجتماعية التي تروج للكراهية والظلم والحرب ويحتوي على بعض الالتزامات المحددة والعقوبات ذات الصلة بالنسبة إلى الإعلام، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي. ويعتبر القانون غامضاً، إذ يتيح تفسيره الاجتهادي وتطبيقه محاكمة أي شخص يعبِّر عن آراء معارضة. وأشعر بالقلق بشأن التدهور المستمر في سيادة القانون، تحديداً بالنسبة إلى السلطة القضائية. وبحلول نهاية تموز/يوليو، أطلق مكتب المدعي العام السابق تحقيقات بشأن ما لا يقل عن 124 حالة وفاة وألفي إصابة مرتبطة بالتظاهرات.

وتلقى مكتبي ادعاءات بأن المدعي العام الجديد قد عدَّل خطوط التحقيق التي وضعها سلفه بالنسبة إلى معظم حالات القتل المرتبطة بالتظاهرات. وقد حال غياب الإعلام دون قدرة مكتبي على تقييم إذا كما كانت قد تمَّ إحراز تقدم فعلي في التحقيقات. كما أشعر بالقلق بشأن أعمال الجمعية التأسيسية الوطنية. فبحسب مرسوم صادر في الثامن من آب/أغسطس، تتبع كل فروع الدولة حالياً للجمعية التأسيسية وقراراتها، حتى أن أحكام الدستور الفنزويلي لا تبقى صالحة إلا إذا لم تتعارض مع القوانين التشريعية التي تقرها الجمعية التأسيسية، في ما يشكل انتهاكاً للمبدأ الأساسي للشرعية. وسيكون من الصعب على فنزويلا إقناع المجتمع الدولي بأن الديمقراطية فيها لم تتعرض للخطر بشدة. ولا تتوافق لجنة الحقيقة والعدالة والسلام والهدوء العام التي أنشأتها الجمعية التأسيسية مع المعايير الدولية في هذا الشأن. ويكمن الخوف في أنه سيتم استخدام هذه اللجنة كأداة لاضطهاد المعارضين السياسيين وغيرهم من المعارضين.

في هذا السياق السياسي، يعيش الملايين من الفنزويليين في ضائقة، بما أن الحكومة ترفض الاعتراف بوجود أزمة إنسانية أو معالجتها. وأظهر تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في عام 2017 أن سوء التغذية ازداد بمعدل 1.3 مليون شخص على مدى السنوات الثلاث الأخيرة. وبلغ التضخم معدلات مرتفعة جداً حالياً، إذ تحتاج الأسرة الواحدة إلى ما معدله 16 ضعفاً من الحد الأدنى للأجور للحصول على سلة من المواد الغذائية الأساسية. كما تلقى مكتبي بعض التقارير المثيرة للقلق التي تشير إلى حصول التمييز القائم على الآراء السياسية في ما يتعلق بتوزيع المواد الغذائية من خلال البرنامج الحكومي المعروف باسم "أكياس كلاب" (CLAP bags) والتلاعب في النفاذ إلى هذا البرنامج لغايات انتخابية. واستمرت الحالة الصحية أيضاً في التدهور نظراً إلى الشح المستمر في الأدوية وعدم الحصول على الرعاية الطبية. وتزداد معدلات الأمراض المنقولة عن طريق البعوض، وكذلك معدلات وفيات الأطفال والأمهات.

ولعلَّ أشد انعكاسات التدهور الحاصل لحقوق الإنسان والحالة الإنسانية هي الأعداد المتنامية للفنزويليين الذين يهربون من بلادهم. وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، طلب أكثر من مئة ألف فنزويلي اللجوء في الخارج بين العام 2014 وأيلول/سبتمبر 2017، نصفهم في عام 2017 وحده. وتقدر المفوضية أن ما لا يقل عن 600 ألف فنزويلي هاجروا أخيراً إلى بعض الدول المجاورة من دون تقديم طلبات خاصة باللجوء. ومن أبرز الأسباب التي تمَّ التحجج بها: تهديدات محددة من قبل جماعات مسلحة؛ الخوف من التعرض للاستهداف بسبب الآراء السياسية؛ تهديدات وابتزاز؛ معدلات مرتفعة من الجرائم؛ عنف منزلي، انعدام الأمن الغذائي؛ وغياب الحصول على الرعاية الصحية المناسبة والأدوية والخدمات الأساسية.

إنني أرحب بالدعوة الشفهية التي تلقاها مكتبي من الحكومة من أجل تقديم الدعم التقني لتنفيذ توصيات الاستعراض الدوري الشامل والتي وافقت عليها. لكن لا بدَّ أن أشير إلى أنه بهدف تحقيق نتائج مجدية، يجب أن يتمكن مكتبي من إجراء تقييم شامل لحالة حقوق الإنسان في فنزويلا. وإذا كانت حكومة فنزويلا واثقة من الاحترام لحقوق الإنسان، فيجب ألا يكون لديها مشكلة في منح تيسير الوصول إلى مكتبي. وأعتقد بشدة أنه إذا كنا جادين في منع المزيد من التدهور للأزمة المتعددة الأوجه في فنزويلا، فيجب أن نضع حماية حقوق الإنسان للجميع والمساءلة عن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في صلب خططنا.

وتحدث هذه الحالة الخطيرة لحقوق الإنسان في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق في البلاد وتفاقم عدم الاستقرار والتضارب في الحالة السياسية الوطنية. وفي حين تستعد الدولة لإجراء انتخابات بلدية ورئاسية في الشهور المقبلة، فإن تحسين حالة حقوق الإنسان من خلالها يتطلب معالجة غياب الثقة في النظام الانتخابي والعنف الذي جرى اختباره على مدى الشهور الأخيرة. وإذا لم يتم اتخاذ خطوات لمواجهة الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في فنزويلا، فإنني أشعر ببالغ القلق بشأن مفعول عدم الاستقرار السلبي الذي قد تتركه على المنطقة ككل. وقد أعرب الرئيس الكولومبي سانتوس عن قلقه بشأن حالة فنزويلا أخيراً وسط مخاوف من أن "يضر الانفجار الداخلي في البلد الجار بعملية السلام التي تنخرط فيها الحكومة الكولومبية وجماعات المغاورين السابقة".

لذلك، من المناسب أن تتلقى الدول الأعضاء في مجلس الأمن للأمم المتحدة ملخصاً عن الحالة في فنزويلا، نظراً إلى التهديد الذي تمثله بالنسبة إلى السلام والأمن دولياً.

أشكركم على اصغائكم.