Header image for news printout

التنمية والتحديات الحالية في منطقة آسيا – المحيط الهادىء، جاكرتا، 5 شباط/فبراير 2018

خطاب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في جاكرتا
مناقشة بمناسبة مرور 70 عاماً على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و25 عاماً على إعلان وبرنامج عمل فيينا

حضرة معالي الوزراء،
أصحاب السعادة،
حضرة أعضاء المجتمع المدني،
أيها الزملاء الكرام،

يشرفني جداً أن أحظى بهذه الفرصة للتحدث معكم بشأن حالة حقوق الإنسان في منطقة آسيا – المحيط الهادىء، على ضوء الالتزامات التي تقيدت بها الدول أمام شعوبها، سواء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو إعلان فيينا.

أودُّ أن أبدأ حديثي بالتطرق إلى ناحية لا تسير فيها حقوق الإنسان على ما يرام. فقد أثار النزوح الجماعي للسكان من ميانمار في الشهور الماضية والأسباب الكامنة خلف فرارهم اضطراب العديد من الجهات في المنطقة والعالم. وتتضمن الفظائع التي رواها اللاجئون، الذين يشكلون بالفعل أكثر من نصف الروهينغا الذين يعيشون في شمال ولاية راخين، عمليات القتل الوحشي وحالات الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي والعنف الجنسي المروع وتدمير المنازل وسُبل العيش. وبالرغم من ضرورة التوصل إلى حقائق نهائية من قبل محكمة مناسبة، إلا أن مكتبي يعتبر أن أعمال الإبادة الجماعية والتطهير العرقي قد حصلت على الأرض.  

وتشكل هذه الحملة الأخيرة من العنف الذروة لخمسة عقود من التمييز والعنف ضد الروهينغا. فقد جوبهوا تدريجياً برفض منحهم الجنسية والوضع القانوني وشهادات الولادة، وفي شمال ولاية راخين، تمَّ تقليص وصولهم إلى التعليم والرعاية الصحية والأسواق والأراضي الزراعية ومناطق الصيد والعمالة على أنواعها تقريباً على نحو متزايد وبشدة. وأجبر العنف الدوري بشكل متكرر عشرات الآلاف من الأشخاص على الفرار إلى بنغلاديش. وأنتهز هذه المناسبة للإقرار مجدداً بدور بنغلاديش في استضافة حوالى مليون لاجىء حالياً. لكن بالرغم من هذا الظلم المجحف وتأثيره الإقليمي الواضح، إلا أن اقتصاد ميانمار كان يحقق النمو. فقد تحسَّن النمو من معدل متدن جداً ليصل إلى 7.3 بالمئة في 2015 و6.5 بالمئة في 2016، وحقق بالتالي المرتبة الرابعة بين الاقتصادات الأسرع نمواً في جنوب شرق آسيا. ويعتبر بعض صناع القرار الوطنيين والإقليميين والدوليين أن حقوق الإنسان – والانتهاكات لحقوق الإنسان – تبدو مسألة غير مثيرة جداً للقلق في مقابل الطفرة الاقتصادية الحاصلة. ورداً على الصرخة الدولية بشأن الأعمال الوحشية المرتكبة ضد الروهينغا، تمثل الحل الرئيسي الذي اعتمدته الحكومة في التركيز على خطط للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في ولاية راخين، في ظل مواصلة الحديث بأن القضايا الرئيسية كانت النقص في التنمية والمنافسة من أجل الموارد وليس في التمييز الرسمي والمؤسسي ضد أقلية عرقية.

ولا داعي لأن أخبركم بأن ميانمار تواجه حالياً أزمة خطيرة جداً مع تأثير حاد محتمل على أمن المنطقة. وقيل في بعض الأحيان بأن الانتهاكات لحقوق الإنسان الحاصلة اليوم ستصبح فتيل النزاعات في المستقبل. وإذا كانت أزمة الروهينغا ستشعل نزاعاً أوسع نطاقاً على أساس الهويات الدينية، فإن ما يعقب ذلك من نزاعات يمكن أن يكون سبباً للإنذار من خطر أكبر. ونرى بوضوح كبير في هذه الحالة أن التنمية الاقتصادية لدولة ما ليست بحد ذاتها مرادفاً للإيفاء بحقوق الإنسان. ويمكن للتنمية بالتأكيد أن تحمل معها الوصول إلى الخدمات والسلع الرئيسية التي من شأنها أن تحسن إلى حدٍّ كبير رفاه العديد من الأشخاص وقدرتهم على القيام بالخيارات بشأن حياتهم. لكن إذا لم يكن بمقدورهم التعبير عن مخاوفهم والمشاركة في القرارات، فإن التنمية الحاصلة قد لا تزيد رفاههم.

ما يزيد رفاه الناس هو احترام كافة حقوقهم. وأريد أن أشدد على هذه النقطة: إن احترام لحقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق الأقليات، لا يدمر الأمن، بل يبني مجتمعات أقوى ودولاً أكثر صموداً وأكثر قدرة على مجابهة الاضطرابات، لأنها ستكون عادلة وتعزز تكافؤ الفرص لجميع الناس. في المقابل، يشكل التمييز وغيره من الانتهاكات لحقوق الإنسان تهديداً للتنمية، بل تهديداً للسلام والأمن. ويعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعداً قطعته الدول لدعم المساواة والحقوق الطبيعية لكل إنسان. وكان من المتوخى وضع مواده الثلاثين بطرق متنوعة كثيرة: لم تكن الممارسات الموحدة هدفاً. لكن كمبادىء، تعتبر هذه المواد ثابتة ورئيسية ومتجذرة بعمق في الثقافات والتقاليد الآتية من حول العالم.

وكان اثنان من أهم الذين شاركوا في صياغة الإعلان يتحدران من آسيا. فقد جادلت الناشطة الهندية المستقلة وباكورة المدافعين عن حقوق المرأة هانسا مهتا بقوة وبنجاح دعماً للغة التي من شأنها أن توضح أن المرأة متساوية مع الرجل في الحقوق والكرامة. أما الكاتب الصيني بنغ – تسون تشانع، فقد كان مؤثراً بعمق في استنباط اللغة التي قضت على التحيز الغربي.

في الواقع، إن الدعم الأساسي لصياغة الإعلان العالمي أتى من الحركات المناهضة للإمبريالية والعنصرية في بلدان الجنوب، في حين أن الدول الغربية، بما في ذلك المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة، مانعت في البداية. وكانت دول أميركا اللاتينية، بما تحمله من تجارب في ميادين الرق والاستعمار والاحتلال الأجنبي، هي من دفع باتجاه اتخاذ تدابير دولية تتعلق بحقوق الإنسان حتى قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية. وما أن دارت النقاشات حتى دافعت الفليبين بثبات عن لغة قوية تحظر التعذيب. ودعمت الهند وباكستان بشدة حقوق المرأة. أما الصين وكوستاريكا وغانا وجامايكا ولبنان وليبيريا، فقد أيدت لغة تحامي عن العدالة والكرامة وقيمة الإنسان.
يشكل الإعلان العالمي إعلاناً للقيم الأساسية التي توحد كل البشرية، والتي تؤلف مجتمعة العامل الوحيد الأكثر أهمية في ضمان السلام. وليست حقوق الإنسان مخصصة لجماعات خاصة، على أساس الجغرافيا أو الطبقة الاجتماعية أو لون البشرة أو الجنسانية، بل هي للجميع في مختلف أنحاء المجتمع وعبر العالم. وقد ذهب إعلان فيينا بهذه الفكرة الأساسية للعالمية خطوة إضافية نحو الأمام بإلزام الدول بتلازم حقوق الإنسان من خلال الاعتراف بواقع أنها "غير قابلة للتجزئة ومترابطة ومتشابكة".

وإن الحقوق المدنية والسياسية؛ والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ والحق في التنمية، كلها حقوق تعتمد على بعضها البعض وتتقدم إلى الأمام مجتمعة. ولا يهم مدى اتساع نطاق حق الشخص في الاحتجاج والاعتراض، فهو ليس حراً فعلياً إذا كان مقيداً بغياب التعليم أو السكن غير اللائق، حتى أن الشخص الثري لا يعيش جيداً إذا كان يعيش في الخوف أو الاحتجاز التعسفي على يد حكومته. ويشكل الوصول إلى سبل الحماية الاجتماعية الأساسية والموارد والفرص الاقتصادية ترياقاً قوياً للشقاق الاجتماعي وانتشار التطرف. ومن شأن الحرية في الاحتجاج - انتقاد سياسات الحكومة والمطالبة بمساءلتها – أن تسرِّع الابتكار والتقدم الاقتصادي.

وتبني حقوق الإنسان التنمية المستدامة، بل هي من تجعل "هدف" التنمية المستدامة أهدافاً. وتعتبر الحوكمة الشاملة والعدالة المحايدة أساسيتان في خطة عمل 2030، التي ترتكز على رؤية المكاسب التي تتحقق عند احترام كل حقوق الإنسان. وتشهد الاجتماعات والاقتصادات التي تقوم على الشمولية والمشاركة وتخضع فيها الحكومة للمساءلة نتائج أفضل. كما يعترف الإعلان بشأن الحق في التنمية بهذا التلازم لحقوق الإنسان، بالتأكيد على حق جميع الأفراد والأشخاص في المشاركة الحرة والفعالة والهادفة. والأهم من ذلك أن مبادىء الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان تحدد مسؤولية الدول وسبل التعاون الرامية إلى ضمان عدم تنفيذ نشاطات الأعمال التجارية، على غرار استخراج الموارد التجارية والمزارع ومصائد الاسماك الكبرى، في ظل انتهاك حقوق الأشخاص.

وعند النظر في حالة حقوق الإنسان عبر أنحاء آسيا اليوم، أشيد بالتحسينات الكبيرة التي تخلقها التنمية في حياة شعوب المنطقة باستمرار. إذ لا تزال ثلاث دول فقد من أصل 42 دولة في منطقة آسيا – المحيط الهادىء مصنفة كدول ذات دخل منخفض. وازداد أمد الحياة وتحقق تحسن في الوصول إلى التعليم ومعايير العيش اللائق. وبالرغم من أن هذا التحسن الإجمالي يحجب في بعض الحالات مجالات مهملة مهمة، على غرار المساواة في الحقوق للمرأة، إلا أن عدد المؤشرات التي لم تحقق ارتفاعاً بشكل كبير في العقود الماضية بالكاد يبلغ مؤشراً واحداً. وحصل ارتفاع أيضاً في أنظمة الحكومة للمشاركة والمساءلة في العديد من الدول وتحققت تحسينات ملحوطة جداً في سيادة القانون. بعبارات أخرى، لقد أفادت دول عدة من السلام والتنمية ولديها مصلحة في تعزيز الإثنين معاً. ومع ذلك، فإن دولاً عدة تقمع حرية التعبير وحرية التجمع وتنشىء رقابة جماعية على الحيز العام والحيز الرقمي؛ وتنتهك استقلال القضاء؛ وتهاجم استقلال الصحافة – وبشكل مثير للسخرية أحياناً تحت حجة حماية الأمن العام. كما أشعر ببالغ القلق إزاء عمليات القمع التي يتعرض لها المجتمع المدني في العديد من الدول وإزاء التحركات التي توقف أو تحد بالفعل من الحكم القائم على المشاركة والمساءلة والديمقراطية. ولا يجعل انتقاد السجون المجتمع آمناً بشكل أكبر، بل يطمر الآراء المشروعة والبناءة ويتسبب بمظالم شديدة. ويؤدي تفكيك سيادة القانون وأسس المشاركة الديمقراطية إلى عدم الإنصاف. وثمة تدابير تقوِّض أسس السلام وسلامة التنمية.

كذلك، يتعرض العديد من الأقليات في الدول عبر منطقة آسيا – المحيط الهادىء، وبدرجات متفاوتة، للتمييز ويبدو أن هذا الأمر يزداد أكثر فأكثر في بعض الدول. ويشكل ظهور الرجل القومي القوي، الذي يستفيد من إلقاء المسؤولية على الآخرين أو إلقاء وصمة العار على الأشخاص الضعفاء، على أساس العرق والدين أو أي صفات أخرى مثل أو حتى استخدام المخدرات، تهديداً واضحاً للحقوق. وهذا من شأنه أن يفاقم الشقاق الموجود أصلاً وأن يخلق تهديدات جديدة للتعايش السلمي داخل المجتمعات وبين الأمم.

وعلى المستوى العالمي، من الواضح بشدة أن احترام القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان، ضروري للتعايش السلمي والتعاون ما بين الدول، خصوصاً الدول الصغيرة والأقل نمواً. وقد يكون هناك الكثير من الاضطرابات في طريقها للحدوث عبر أنحاء العالم والطريقة لضمان تعايشنا بشكل سلمي هي تحقيق المزيد من العدالة. نحتاج إلى المزيد من التعاون وليس إلى التقليل منه؛ وإلى قرارات أفضل تُتخذ بشكل مشترك. وهذا الأمر أيضاً يصحُّ على المستويين العالمي والوطني. فحسن الإدارة الذي يخدم بدلاً من الصمت والأنظمة الاقتصادية المتجذرة في الكرامة هما مسؤولية كل حكومة، بل يدعمان شرعيتها وهما أيضاً الوصفة اللازمة لخلق مجتمعات صامدة وناجحة. وإنني أحث كل السلطات الحكومية على أن يكون لديها ثقة بذكاء شعوبها وطاقتهم وعلى استخدام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في كليته كدليل للقوانين والسياسات.

شكراً لكم

انتهى