Header image for news printout

الدورة السابعة والثلاثون لمجلس حقوق الإنسان

البيان الافتتاحي لمفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان

زيد رعد الحسين

26 شباط/فبراير 2018

حضرة رئيس الجمعية العامة المحترم،
حضرة الأمين العام المحترم،
أصحاب السعادة،
أيها الأصدقاء الأعزاء،

دعونا نشيد أولاً بالقرار الذي تبناه مجلس الأمن بالإجماع في ما يتعلق بوقف إطلاق النار لمدة 30 يوماً في سوريا، الذي أتى في أعقاب ضغوط مكثفة قام بها الأمين العام وجهات أخرى، وإننا نحيي السويد والكويت على مبادرتهما القيادية داخل مجلس الأمن في هذا الشأن. ونشدِّد على ضرورة تطبيق هذا القرار تطبيقاً كاملاً من دون أي تأخير. إلا أنه لدينا كل الأسباب لمواصلة الشعور بالحذر، بما أن الغارات الجوية على الغوطة الشرقية كانت لا تزال مستمرة صبيحة هذا اليوم. ويجب أن يُنظر إلى القرار 2401 (2018) على ضوء الفشل في وقف العنف دام سبع سنوات، سبع سنوات من أعمال القتل الجماعيّ المتواصل والمروع.

لقد أصبحت الغوطة الشرقية وغيرها من المناطق المحاصرة في سوريا؛ وإقليما إيتوري وكاساي في جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ ومحافظة تعز في اليمن؛ وبوروندي؛ وولاية راخين الشمالية في ميانمار من بعض النماذج عن أكثر المذابح إفراطاً في قتل البشر في التاريخ الحديث، لأنه لم يتم بذل ما يكفي من الجهود من أجل منع تفاقم الأحداث المروعة، سواء بشكل استباقي أم على المستوى الجماعي. وقمت مراراً وتكراراً بالتعاون مع موظفي مكتبي بلفت انتباه المجتمع الدولي إلى الانتهاكات المرتكبة في مجال حقوق الإنسان، الأمر الذي كان يجب أن يستفاد منه كحافز من أجل اتخاذ إجراءات وقائية. إلا أن الإجراءات التي اتُخذت مرة تلو الأخرى جاءت خجولة. وبما أنه الخطاب الأخير الذي ألقيه في افتتاحية دورة آذار/مارس بصفتي مفوضاً سامياً، فإنني أرغب أن أكون فيه صريحاً تماماً.

ثانياً، بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية جنائية، أي أولئك الذين يرتكبون أعمال القتل والتشويه، فإن مسؤولية استمرار هذا القدر الكبير من الألم تقع على عاتق الدول الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن للأمم المتحدة. ولطالما استخدمت هذه الدول حق النقض (الفيتو) بهدف منع تحقيق أي وحدة في العمل، وعندما تكون الحاجة إلى هذه الوحدة في العمل ملحة جداً، بل عندما يكون بمقدورها تخفيف المعاناة الحادة للأبرياء، حينئذ عليهم، وأقصد هنا الأعضاء الدائمين، أن يكونوا الطرف الذي يستجيب للضحايا.

لقد أظهرت فرنسا روحاً قيادية تستحق الثناء بين نظيراتها من الدول الأعضاء الخمس الدائمين بدفاعها عن مدونة قواعد السلوك حول استخدام الفيتو؛ وانضمت المملكة المتحدة أيضاً إلى المبادرة، مدعومة الآن بأكثر من 115 بلداً. وقد آن الأوان، إكراماً للرحمة، أن تنضم الصين وروسيا والولايات المتحدة إلى هذه الدول لإنهاء الاستخدام المؤذي للفيتو.

سيدي الرئيس،

على بُعد أميال قليلة، يحاول علماء الفيزياء في المنظمة الأوروبية للبحوث النووية أن يفهموا جوهر كوكبنا والكون أو الأكوان، بل أن يحدّدوا ماهية هذه المسألة عند أبسط المستويات وكيفية تواؤم كل العناصر في ما بينها. وبغية فهم العالم المادي، لطالما أدركنا نحن البشر أنه علينا أن نغوص بعمق إلى ما هو أبعد من البيولوجيا الجزيئية والجيولوجيا؛ وأنه علينا أن نسبر أغوار تلك الفضاءات دون الذرية للحصول على الأجوبة.

فلماذا لا نفعل الأمر نفسه حين تتعلق المسألة بفهم العالم البشري؟ لماذا عندما نبحث في القوى السياسية والاقتصادية المتفاعلة في العمل اليوم لا نركز عليها بمزيد من العمق؟ كيف يمكن أن يكون من الصعب جداً أن نستوعب أنه من أجل فهم الدول والمجتمعات وسلامتها وعللها وأسباب بقائها واضمحلالها، فإنه علينا أن ندقق في الأمور على مستوى الفرد نفسه: أقصد هنا الأفراد من البشر وحقوقهم. في النتيجة، إن أول تمزّق في نسيج عملية السلام يبدأ غالباً بتباعد عدد قليل من الخيوط عن بعضها البعض، أي الانتهاكات الخطيرة لحقوق الأفراد، بما في ذلك إنكار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحقوق المدنية والسياسية، وفوق كل ذلك، في ظل حرمان مستمر من الحرية.

ثمة شيء آخر يتوازى مع علم الفيزياء. تشكل الجاذبية قوة ضعيفة، ومن السهل أن يتصدَّى لها طفل صغير برفع إصبعه، لكن هناك أيضاً قوة كبيرة تحكم مدارات الكواكب وما شابه ذلك. ينطبق الأمر نفسه على حقوق الإنسان. إذ ينظر بعض الدول إلى حقوق الإنسان على أنها ذات قيمة ثانوية، أي أقل شأناً بكثير من التركيز على نمو إجمالي الناتج المحلي والمسائل الجيوسياسية. وبالرغم من أن هذه الحقوق تشكل إحدى الدعائم الثلاث للأمم المتحدة، إلا أنها لا تُعامل على قدم السواء مع الدعامتين الأخريَيْن. ويبيِّن حجم الموازنة ما يكفي في هذا الخصوص، فيما يبدو الاهتمام الذي يُمنح إلى هذه الحقوق ظاهرياً فقط في أكثر الأحيان. وينظر العديد من الأشخاص في نيويورك إلى هذه الحقوق بطريقة متعالية، معتبرين أنها دعامة ضعيفة وعاطفية متمركزة في جنيف، وهي لا تنطوي على ما يكفي من الجدية بالنسبة إلى بعض الواقعيين المتشددين داخل أروقة مجلس الأمن للأمم المتحدة.

لكن على غرار علم الفيزياء، ندرك أيضاً أن حقوق الإنسان تتمتع بقوة كبيرة، بل لربما تشكل القوة الأقوى. إذ كلما قال أحدهم عن موضوع إنه "حساس جداً"، ثمة احتمال كبير بأنّه يتمحور ذلك حول حقوق الإنسان. ولماذا يوصف هذا الموضوع بالحساس؟ لأن إنكار الحقوق يقوّض شرعية أي حكومة. وفي كل مرة تُستخدم فيها عبارة "حساس جداً"، فإن ذلك يؤكد بالتالي الأهمية الكبرى لحقوق الإنسان ومدى تأثيرها كقوة كبيرة.

ليس هناك من تقليد، سواء أكان قانونياً أم دينياً، يدعو إلى دعم القمع على الإطلاق. ومن يتجنب النقاشات بشأن الحقوق هم الأشخاص الذين يسعون إلى تحريف الحقائق بسبب الشعور بالذنب، والأشخاص الذين يتهربون من اتخاذ القرارات الصعبة والأشخاص الذين يستفيدون من المزيد من التحليلات السطحية والبسيطة وغير المجدية في نهاية المطاف. وجلّ ما يقولونه دعونا نرمي الكرة في ملعب جنيف، وهكذا تتفاقم الأزمات أكثر فأكثر.

وبغية فهم الأمراض التي تصيب المجتمعات واستيعاب مخاطر النزاع ومنعها أو حلها، يجب علينا، على غرار علماء الفيزياء المعنيين بالجسيمات، أن نشغل أنفسنا بالفضاءات الصغيرة للأفراد وحقوقهم وأن نطرح هنا أبسط الأسئلة. ولم تنشب الحروب الأكثر دماراً في آخر مئة عام انطلاقاً من الدول التي تحتاج إلى تحقيق المزيد من النمو في إجمالي الناتج المحلي، بل نجمت، وأقتبس هنا ما ورد في الإعلان العالمي، عن "تناسي حقوق الإنسان وازدرائها". لقد نجمت عن القمع.

يبدو القمع رائجاً اليوم مجدداً؛ لقد عادت الدولة الأمنية إلى الواجهة، فيما تتراجع الحريات الأساسية في كل منطقة من مناطق العالم. يقلُّ الشعور بالعار أيضاً. أما الأشخاص الذين يكرهون الأجانب ويتصفون بالعنصرية في أوروبا، فهم ينأون بأنفسهم عن أي حس بالإحراج، على غرار رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الذي قال في وقت سابق من هذا الشهر "لا نريد أن يختلط لوننا... مع ألوان الآخرين". أتراهم لا يعلمون ما الذي يحصل للأقليات في المجتمعات حيث يسعى القادة إلى النقاء الإثني أو الوطني أو العرقي؟ عندما يتوجه قائد منتخب باللائمة إلى اليهود في ارتكاب الهولوكوست، كما حصل أخيراً في بولندا، ولا نعير هذا الافتراء المخزي سوى اهتمام بسيط، فإن السؤال الذي يجب طرحه هنا: هل فقدنا جميعنا صوابنا بالكامل؟

سيدي الرئيس،

لربما فقدنا صوابنا، عندما تشعر الأسر بالأسى في العديد من أصقاع العالم لفقدانها أشخاصاً في هذا الإرهاب المروع، في حين تعاني أسر أخرى لأنه جرى توقيف أحبائها بشكل تعسفي أو تعذيبهم أو قتلهم في مركز اعتقال سري واتُّهِموا بالإرهاب لمجرد انتقادهم الحكومة؛ وينتظر آخرون الإعدام عقاباً على جرائم ارتكبوها عندما كانوا لا يزالون أطفالاً. وعندما تتقتل الشرطة المزيد من الأشخاص لأنّهم فقراء وتتمكّن من الإفلات من العقاب؛ أو عندما يُحكم على الفتيات اليافعات في السلفادور بالسجن لمدة 30 عاماً بسبب حالات الإجهاض العفوية؛ وعندما تُعاقب النساء من مغايري الهوية الجنسانية في إقليم آتشيه ويتعرضن للإذلال علناً. وعندما يُحكم على الناشط نبيل رجب بالسجن لمدة خمس سنوات لادعاءات تحدث فيها عن التعذيب؛ أو عندما تُحاكم عهد التميمي البالغة من العمر 17 عاماً بإثنتي عشرة جريمة لصفعها جندياً يفرض احتلالاً أجنبياً على أرضها. وعندما يُسجن الصحافيون بأعداد كبيرة جداً في تركيا ويتعرض الروهينغا للإذلال والحرمان والذبح في بيوتهم. ومع كل هذه الأمثلة التي تعرقلنا، لماذا لا نبذل سوى القليل من الجهد لوضع حدّ لها، بالرغم من أنه علينا أن ندرك مدى خطورة كل ذلك؟

إن جلَّ ما يتراكم الآن هو هذا النوع من الانتهاكات لحقوق الإنسان وليس غياب النمو في إجمالي الناتج المحلي، ما سيؤجج النزاعات التي بإمكانها أن تدمر العالم. وبالرغم من أن زملاءنا في مجال المساعدة الإنسانية يهتمون بالضحايا، ونحن نحيي روحهم البطولية وتفانيهم، إلا أن دورهم لا يكمن في تسمية أو تحديد المجرمين علناً. فهذه المهمة تقع على عاتق المجتمع المعني بحقوق الإنسان، إنها مهمتنا نحن، لأن تناسي حقوق الإنسان وازدرائها من قبل المجرمين بأسوأ الأشكال هو ما سيدمرنا جميعاً، وهذا ما لا يمكن أن نسمح به. وبالتالي، سوف نحتفل بشغف بمرور 70 عاماً على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يجسِّد الحقوق المتعارف عليها في كل التقاليد القانونية والدينية الرئيسية. سوف ندافع عنه في هذا العام الاحتفالي بقوة أكثر مما مضى، وإلى جانب قادتنا المعنويين، وأقصد هنا المدافعين عن حقوق الإنسان في كل زاوية من زوايا الكوكب، سوف ندعو الجميع إلى الدفاع عن حقوق الآخرين.

هذا الأمر في نهاية المطاف هو مسألة إنسانية نقوم بها. إذ لن يكون بمقدور الذكاء الاصطناعي أن يقلِّد أبداً الشجاعة المعنوية والتضحية الذاتية تقليداً كاملاً، وفوق كل ذلك، الحب لكل البشر الذي يتميز به المدافعون عن حقوق الإنسان عن الأشخاص الآخرين. وفيما أقترب من إنهاء ولايتي كمفوض سامٍ في الشهور المقبلة، فإنني أرغب في أن أختتم هذا البيان بالقول إنه كان شرفٌ عظيمٌ لي أن أتعرف في حياتي على العديد من هؤلاء المدافعين؛ بل أن أعمل معهم ومن أجلهم.

شكراً لكم