Header image for news printout

بيان الافتتاح وآخر المستجدّات العالميّة حول حقوق الإنسان ومواضع القلق التي تتسبّب بها يلقيه مفوّض الأمم المتّحدة السامي لحقوق الإنسان، زيد رعد الحسين خلال الجلسة 38 لمجلس حقوق الإنسان

في 18 حزيران/ يونيو 2018

سيّدي الرئيس،
أصحاب السعادة،
حضرة المندوبين الكرام،
زملائي وأصدقائيّ الأعزّاء،

هذه هي المرّة الأخيرة التي نعرض فيها شخصيًّا آخر المستجدّات العالميّة، على مجلس حقوق الإنسان، ضمن إطار دورة عاديّة، ونودّ – قبل أن نتناول مرّة جديدة مسألة الوصول والتعاون البالغة الأهميّة – أن نتوسّع في بعض الأفكار الأخيرة.

تناهى إلى مسامعنا مؤخّرًا كلام صدر عن أحد مسؤولي الأمم المتّحدة، يشير فيه أمام مسؤولين آخرين أنّه ما من حقوق إنسان عالميّة حقيقةً، لافتًا إلى أنّها من نسج خيال الغرب. ففكّرنا في قرارة نفسنا، في أنّ القادة السياسيّين الذين بثّوا القيم العالميّة في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان – وهو أكثر وثيقة تُرجِمَت في العالم – وتفاوضوا عليه، هم نفسهم الذين أنشأوا الأمم المتّحدة. فهل الأمم المتّحدة منظّمة غير عالميّة؟ وهل انبثقت قيمها عن تقاليد غربيّة بحتة – لا تمثّل باقي بلدان العالم؟

أبدًا. نرفض هذا السيناريو رفضًا قاطعًا بمجرّد النظر إلى المفاوضات التي أُجريَت وقتذاك. فمؤتمر سان فرنسيسكو، الذي أنشأ الأمم المتّحدة، هو بمثابة مهرجان ضمّ العديد من الأصوات؛ ولم يولّد أبدًا صوتًا منفردًا صدحت به أدوات غربيّة. فلو اقتصر الأمر على هذا الصوت الوحيد – لو اعتبرت البلدان التي انضمّت إلى المنظّمة أنّها تلتزم قيمًا غربيّة غريبةً عنها – لما بحثت عن باب للخروج؟ لما انسحبت من الأمم المتّحدة؟

ومن جهة أخرى، لمَ يتعرّض الإعلان العالميّ، وقانون حقوق الإنسان الذي تلاه، إلى هذا الكمّ من الهجمات اليوم - ليس على يدّ المتطرّفين العنيفين، على غرار التكفيريّين، فحسب بل أيضًا على يدّ القادة المستبّدين، والشعبويّين، والغوغائيّين، ودعاة النسبيّة الثقافيّة، وبعض الأكاديميّين الغربيّين، وحتى بعض المسؤولين في الأمم المتّحدة؟

لقد أمضينا حياتنا المهنيّة بمعظمها في الأمم المتّحدة وخدمة لها. وما تعلّمناه هو التاليّ: منظّمة الأمم المتّحدة صورة عن الواقع العالميّ. وهي بقدر عظمة الوضع العالميّ القائم أو رداءته، لحظةً بلحظة. كما أدركنا إلى أيّ مدى ذاكرة البشريّة ضعيفة. فبالنسبة إلى العديد من الأشخاص لا قيمة للتاريخ إلاّ للتهويل والتهديد به في الحروب السياسيّة: ولا يعتبرون أبدًا أنّه يساهم في إدراك أفضل للبشريّة.

يطغى على العديد من نقاشاتنا منحًى خطرًا وسطحيّة قاتلة، لدرجة ضاعت فيها القضايا الأساسيّة العميقة.

ألم يبيّن لنا التاريخ مثلاً أنّ أكثر القوى دمارًا، التي هدّدت عالمنا، هي التعصّب القوميّ – عندما يرقى به طغاة لا يخدمون إلاّ مصالحهم الشخصيّة إلى أقصى درجات الوحشيّة، وتساهم في تضخيمه إيديولوجيات جماهيريّة تقمع بحدّ ذاتها الحريّة. وفي الواقع، أُنشئت الأمم المتّحدة لخنقه ووأده. فالتعصّب القومي نقيض الأمم المتّحدة، لا بل هو عدوّها. لمَ نقبل إذًا بعودته ونخضع لها؟ لمَ لا ننبس بكلمة في الأمم المتّحدة ونبقى صامتين؟

سبب وجود الأمم المتّحدة هو حماية السلام، والحقوق، والعدالة والتقدّم الاجتماعيّ. وبالتاليّ فإنّ مبدأ عملها واضح تمامًا: لا يمكن تحقيق السلام إلاّ من خلال تحقيق نقيض القوميّة – إلا عندما تعمل الدول كلّها من أجل بعضها البعض، ومن أجل الجميع، ومن أجل كافة الشعوب، ومن أجل تحصيل حقوق الإنسان للجميع.

لمَ لا نقوم بذلك إذًا؟

مَن يعمل مِن بيننا في الأمانة العامة للأمم المتّحدة، يأتي من كافة البلدان الأعضاء الـ193، ويعمل بتعاون وثيق مع الآخر ولا يخضع لمساءلة أيّ دولة. وفي مقابل ذلك، غالبًا ما يذهب العديد من الحكومات الممثَّلة في الأمم المتّحدة في الاتّجاه المعاكس: فتتظاهر بالمشاركة في الجهود المشتركة، ولكنّها لا تبذل أيّ جهد إلاّ في ما يصبّ في مصلحتها الخاصة الضيّقة، وتنسحب قدر الإمكان من الأمم المتحدة على المستوى السياسيّ، من دون أن تستثمر في إنجاحها فعلاً. وكلّما ازداد غرورها وشعورها بالأهميّة – ومجّدت القوميّة – تُوجّه هجماتها بكلّ صراحة ومن دون أيّ حياء على المصلحة العامة: على الحقوق العالميّة، وعلى القانون العالميّ والمؤسّسات العالميّة، ومن بينها الأمم المتّحدة.

وفي موازاة تكثّف الهجمات على النظام المتعدّد الأطراف وعلى قواعده، ولا سيّما على القانون الدوليّ لحقوق الإنسان، تتفاقم المخاطر والأضرار على نطاق أوسع. وبالتاليّ، لا بدّ من أن يكون صوت الأمم المتّحدة المشترك صدّاحًا مبنيًّا على المبادئ والقيم؛ لا خافتًا يئنُّ، عالقًا في دوّامة من الجدل حول العمليّات وأتفه الأمور، كما هي الحال اليوم.

إذا ما أدرك مكتبُنا، وهو مدعاة فخر كبير لنا، حقيقةً واحدة خلال السنوات القليلة الأخيرة، فهي أنّ الجرأة وحدها تكفي لتحقيق مهمّتنا في زمننا هذا. لا الخوف والتستّر، ولا الأعذار الواهية والتبريرات، بل مقاربة جريئة اعتمدها المدافعون عن حقوق الإنسان حول العالم – لأنّ فضح الانتهاكات وحده يمكنه أن يواجه التهديد المتزايد بالتعصّب القوميّ الذي يترصّد مستقبلنا.

ندعوكم اليوم لتبذلوا المزيد من الجهود، ولترفعوا الصوت من أجل تحقيق هدفنا المشترك وحماية القانون الدوليّ لحقوق الإنسان، وتعزيز فرصنا في إحلال السلام العالميّ.

ستنظر جلسة المجلس هذه في العديد من القضايا الأساسيّة، ومن بينها تقرير مكتبنا بشأن كشمير، والتقرير المرتقب بشأن فنزويلا؛ كما سيتمّ إطلاعكم على نتائج فريق الخبراء المعنيّ بمناطق جمهوريّة كونغو الديمقراطيّة. وفيما نغادر منصبنا، سيستكمل مكتبنا عمله على قاعدة البيانات الخاصة بشركات تنفّذ أنشطة محدّدة تتعلّق بالمستوطنات الإسرائيليّة، بطلب من هذا المجلس، ومن الممكن أن يعرض آخر المستجدّات في هذا الصدد، قبل حلول شهر أيلول/ سبتمبر. وفي خلال جلسة أيلول/ سبتمبر، يُرفَع تقرير بعثة تقصّي الحقائق بشأن ميانمار إلى المجلس، بالإضافة إلى تقرير المقرّر الخاص المعنيّ بميانمار، والتقرير بشأن اليمن الذي أعدّته مجموعة بارزة من الخبراء الدوليّين. وفي هذا السياق، نودّ أن نعبّر عن بالغ قلقنا حيال الهجمات التي لا يزال ينفّذها التحالف بقيادة السعوديّة والإمارات على الحديدة – وقد تؤدّي إلى وقوع أعداد هائلة من الخسائر في صفوف المدنيّين، وتنعكس انعكاسًا كارثيًّا على المساعدة الإنسانيّة  التي تدخل عبر المرفأ وتساهم في إنقاذ حياة الملايين من الأشخاص.

سيّدي الرئيس،

لقد رفعنا تقريرَيْن خلال ولايتنا بشأن رفض عدد من الدول منحنا حقّ الوصول، وسنقوم اليوم بذلك من جديد، ونندّد بهذا الرفض الذي يشكّل تحدّيًا لعملنا وإهانة له. وحيثما يستمرّ رفض منحنا حقّ الوصول، وحيثما تتجلّى أسباب قاطعة تشير إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة، قد ندرس إمكانيّة الرصد عن بعد. فولاية مكتبنا بإجراء هذا النوع من الرصد راسخة ولا ريب فيها، وفي حال تخشى الحكومة المعنيّة عدم الدقّة، يجدر بها أن تسمح لنا بأن نراقب الوضع القائم عن كثب.

سيّدي الرئيس،

في سوريا، شكّل ازدراء القيادة حقوق الإنسان وعدم مراعاتها لها الشرارة التي أدّت إلى اندلاع النزاع، كما غذّياه خلال السنة الأولى أقله. وأدّت الانتهاكات والإساءات الفظيعة التي ارتُكبت منذ ذلك الحين – لا سيّما على يد الحكومة وحلفائها، بالإضافة إلى المتطرّفين العنيفين ومن يدعمهم – إلى دمار البلاد بمعظمها وإلى استهداف الشعب بمجمله. وقد مُنِع كلّ من مكتبنا ولجنة التحقيق التابعة إلى هذا المجلس، من الوصول إلى كافة المناطق. ولا يمكن أبدًا اعتبار قبول الحكومة مؤخّرًا زيارة أحد المقرّرين الخاصّين بصورة انتقائيّة، في ظلّ الطلبات المتعدّدة الأخرى التي لا تزال عالقة منذ فترة طويلة، امتثالاً لقرارَي هذا المجلس رقم S18-1 و19/22، اللذين يدعوان إلى التعاون الكامل مع مكتبنا والسماح له بالتواجد ميدانيًّا في سوريا. وسنستكمل عملية رصد انتهاكات حقوق الإنسان عن بعد في سوريا.

 

في ميانمار، يلتقط المجلس بوضوح الإشارات البارزة التي تعلن وقوع هجمات منظّمة وواسعة النطاق ومنتظمة، تستهدف الروهينغيا في ولاية راخين بصفته مجموعة عرقيّة، وقد ترقى هذه الهجمات إلى الإبادة الجماعيّة في حال أصدرت محكمة قانونيّة حكمًا بذلك. ففي ولاتَي كاشين وشمال شان، تفاقم النزاع من جديد منذ تشرين الأوّل/ أكتوبر من السنة الماضية، وتنطوي انتهاكات حقوق الإنسان المزعومة القائمة منذ مدّة والمنتشرة على نطاق واسع في البلاد، على القتل خارج القضاء؛ والاختفاء القسري؛ والتعذيب والمعاملة اللاإنسانيّة؛ والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسيّ؛ والعمل القسريّ؛ وتجنيد الأطفال في القوى المسلّحة؛ والهجمات العشوائيّة وغير المتناسبة الناتجة عن الاقتتال بين قوّات الأمن والمجموعات المسلّحة. وعلى الرغم من أنّ ميانمار قد أعلنت أنّها ستحقّق في جميع الادّعاءات وأنّها ستلاحق المرتكبين المزعومين، لم تستوفِ الإجراءات التي اعتمدتها حتّى اليوم الحدّ الأدنى من معايير المصداقيّة وعدم الانحياز. وبسبب رفض منحنا حقّ الوصول بصورة مستمرّة، يُجري مكتب المفوّض الساميّ لحقوق الإنسان، والمقرّر الخاص المعنيّ بالبلاد وبعثة تقصّي الحقائق عمليّات الرصد عن بعد. وضمن إطار مذكّرة التفاهم التي أبرمتها حكومة ميانمار مع برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ، والمفوّضيّة الساميّة للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين بشأن عودة اللاجئين من الروهينغيا في بنغلادش إلى الوطن، نشدّد من جديد على أنه لا يجدر أبدًا فرض أيّ عودة من دون رصد وضع حقوق الإنسان ميدانيًّا وبصورة مستمرّة في المناطق المعنيّة.

نظرًا إلى خطورة انتهاكات حقوق الإنسان وَسِعَةِ نطاقها في فنزويلا، واستمرار منع وصول مكتبنا إليها، سنتابع الرصد والتبليغ عن بعد؛ وننشر تقريرنا الثانيّ في الأيّام القليلة المقبلة – ونعتبر أنّه يجدر بالمجلس أن ينشئ لجنة تحقيق. فمنذ شهر حزيران/ يونيو الماضي، وجّهت الحكومة ثلاث دعوات إلى الإجراءات الخاصة، وهي سابقة منذ العام 1996. إلاّ أنّ السلطات تجاهلت لائحة طويلة من طلبات قدّمتها ولايات أخرى تُعنى على وجه الخصوص بأزمة حقوق الإنسان القائمة حاليًّا في البلاد.

على الرغم من موافقة بوروندي على التعاون مع فريق الخبراء الذي كلّفه هذا المجلس السنة الماضية، طُرِد الفريق من البلاد الشهر الفائت ولم يتمكّن من العودة بعد. كما مُنِعَت لجنة تحقيق دوليّة، أنشِئت في العام 2016 من الوصول، ورفضت السلطات إنهاء المناقشات بشأن تجديد مذكّرة التفاهم مع مكتبنا. وفي غضون ذلك، لا يزال وضع حقوق الإنسان يتدهور في البلاد. كما تفرض الحكومة القيود على الحيّز المدنيّ، كما أنّ قرارها الشهر الفائت في تعديل الدستور من خلال استفتاء شعبيّ، ولّد الكثير من مواضع القلق على مستوى حقوق الإنسان – بما في ذلك أكثر من 44 حالة توقيف واحتجاز تعسّفي بحسب ما أفادت به التقارير- ما قد يزيد من المظالم. نشجّع بشدّة الحكومة على إعادة التعاون مع كافة الهيئات الدوليّة المعنيّة بحقوق الإنسان.

لقد سعينا مرارًا وتكرارًا، خلال السنتَيْن الفائِتَتَيْن، لأن نتعاون مع كلّ من الهند وباكستان في ما يتعّلق بالوضع في كاشمير من جانبَي خطّ الفصل. وقد أدّى بنا رفض كلّ من الهند وباكستان منحنا حقّ الوصول من دون قيد أو شرط إلى إجراء رصد عن بعد، وإصدار أوّل تقرير بشأن الوضع القائم الأسبوع الماضي. نشجّع المجلس على البحث في إنشاء لجنة تحقيق تجري تحقيقات أشمل عن وضع حقوق الإنسان في كاشمير، ونكرّر دعواتنا لمنحنا حقّ الوصول. وقد انتابنا حزن شديد حيال اغتيال شجات بخاري الأسبوع الفائت، هذا المدافع الشجاع عن حقوق الإنسان الذي يعمل بنشاط لتحقيق السلام، عبر المشاركة في دبلوماسيّة المسار الثانيّ التي تسعى إلى مساعدة كلّ من الهند وباكستان على وضع حدّ للعنف.

وفي نيكارغوا، أدّت الاحتجاجات المناهضة للحكومة خلال الشهرَيْن الماضيَيْن إلى مقتل أكثر من 178 شخصًا، بمعظمهم على يد قوّات الشرطة والمجموعات المسلّحة المواليّة للحكومة، بما في ذلك من خلال استخدام القنّاصة، وإلى جرح أكثر من 1,500 شخص آخرين. هذا بالإضافة إلى حالات الاختطاف والاختفاء المزعومة. نستنكر العنف، بما في ذلك الاعتداء المروع بالحريق الذي وقع منذ يومَيْن. وتستحقّ خطورة هذه التطورات إنشاء لجنة تحقيق دوليّة. ونتوقّع الوفاء بالالتزامات التي تمّ التعهّد بها عند استئناف الحوار الوطنيّ في 15 حزيران/ يونيو، بما في ذلك وقف العنف بجميع أشكاله والتهديدات، والالتزام بإرسال دعوة طارئة إلى مكتب المفوّض الساميّ لحقوق الإنسان بزيارة البلاد، تلبيةً لطلباتنا المتكرّرة في هذا الشأن. ويجدر إرسال هذه الدعوة فورًا ومن دون أيّ تأخير.

في جمهوريّة كوريا الشعبيّة الديمقراطيّة، لم يبيّن رصد الوضع الذي قام به مكتبنا أيّ تغيير يُذكَر على مستوى انتهاكات حقوق الإنسان الطويلة الأمد، والجسيمة والمنتظمة. ويخاطر شعب جمهوريّة كوريا الشعبيّة الديمقراطيّة بحياته وكرامته لممارسة حقوق الإنسان الأساسيّة، بما في ذلك السعيّ إلى مغادرة البلاد والتواصل مع أفراد من الخارج. وفي حين نأسف لاستمرار غياب التعاون مع المكلّف بولاية قطريّة، يشكّل تعاون جمهوريّة كوريا الشعبيّة الديمقراطيّة الأخير مع آليّات حقوق الإنسان، من خلال زيارة قام بها المقرّر الخاص واستعراضات هيئات رصد المعاهدات، بوادر مشجّعة. وندعو السلطات إلى تعزيز هذا التعاون ومن دون أيّ انتقائيّة، بما في ذلك التعاون مع الولاية القطريّة. وقد بيّنت خبرة مكتبي أكثر من مرّة أنّ إدراج حقوق الإنسان في محادثات السلام، يساهم في إحلال سلام حقيقيّ ومستدام على الأمد الطويل. ويبقى بابنا مفتوح للمزيد من المشاركة والتعاون.

لا تزال إسرائيل تمنع وصول المقرّر الخاص المعنيّ بحالة حقوق الإنسان في الأراض الفلسطينيّة المحتلّة منذ عام 1967، وهذه هي الحال بالنسبة إلى ثلاثة مكلّفين بولاية متتالين. كما منعت وصول كافة لجان التحقيق السابقة التي كلّفها المجلس، بما في ذلك تلك المعنيّة بغزّة في العام 2014. ونعتبر أنّ دعوة المجلس لإجراء رصد محايد ورفع توصيات من قبل خبير تبرّرها بالكامل خطورة الوضع، ونحثّ إسرائيل على منح الحق في الوصول إلى كافة آليّات حقوق الإنسان – بما في ذلك هيئة التحقيق التي تمّ تكليفها الشهر الفائت – لتمكين الرصد المحايد والمسائلة المتقدّمة وتحقيق العدالة.

في الصين، وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها مكتبنا من أجل خلق الظروف الملائمة لإجراء حوار فاعل، لم يُمنَح موظّفو مكتبنا حقّ الوصول غير المشروط إلى البلاد، بما في ذلك الوصول إلى منطقة التبت الذاتيّة الحكم ومنطقة كسينجيان أوغور الذاتيّة الحكم، حيث تفيد التقارير بتدهور وضع حقوق الإنسان بوتيرة سريعة. وبالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من أن مكلّفَيْن بولاية زارا البلاد خلال السنوات الخمس الأخيرة، لا يزال 15 طلب زيارة موجّهًا إلى الصين معلّقًا. كما تثير قلقنا الشديد الجهود المستمرّة التي تبذلها الصين من أجل منع أعضاء المجتمع المدنيّ المستقلّين من المشاركة في آليّات حقوق الإنسان، بما فيها استعراضات هيئات رصد المعاهدات، والاستعراض الدوريّ الشامل لهذا المجلس، والعديد من المكلفين بولاية. نشجّع السلطات على تمكين كافة الأطراف المعنيّين للمساهمة في الآليّات الدوليّة لحقوق الإنسان، والتعاون معهم بروح الانفتاح والشراكة المتبادلة، من أجل تحسين احترام حقوق شعب الصين وحريّاته.

في ما يتعلّق بالوضع في تركيا، لا تشكّل أبدًا دعوة المفوّض الساميّ لزيارة أنقرة بديلاً عن وصول مكتبنا كي يقيّم مباشرة وبموضوعيّة الوضع في المناطق الجنوبيّة الشرقيّة، حيث فشلت السلطات بصورة مستمرّة في إجراء تحقيقات جنائيّة موثوقة في حالات قتل المدنيّين، التي وقعت خلال العمليّات الأمنيّة في 2015 و2016. وفي غياب الوصول الملائم، يستكمل مكتبنا رصد الوضع عن بعد. ونشير إلى أنّ تركيا تلقّت في العام 2016 زيارات تتعلّق بالتعذيب وحريّة التعبير والاختفاء القسريّ، ونشجّع الحكومة على السماح بإجراء المزيد من الزيارات في المستقبل القريب.

لا تزال البحرين تمنع مكتبنا والإجراءات الخاصة من الوصول غير المشروط إليها، وسط استمرار قمع المجتمع المدنيّ وفرض تشريعات إضافية تقيّد أكثر بعد حقوق الشعب الأساسيّة. نشجّع المملكة على عكس هذه التوجّهات المضرّة للغاية، وتيسير التعاون الفاعل مع الآليّات الدوليّة لحقوق الإنسان. ومكتبنا مستعدّ لتقديم الخبرات التقنيّة والقانونيّة المطلوبة.

يؤسفنا بشدّة عدم إحراز أيّ تقدّم على مستوى وصول مكتبنا إلى كافة الصراعات التي طال أمدها في جنوب القوقاز، لنتمكّن من تقييم احتياجات الشعب ذات الصلة بحقوق الإنسان، والمساعدة في معالجة الثغرات في مجال الحماية. وبالإضافة إلى ذلك، لم تَمنَح السلطات الحاكمة حتّى يومنا هذا، حقّ الوصول بحسب ما تنصّ عليه اتّفاقيّتا هذا المجلس رقم 34/37 و37/40 بشأن التعاون مع جورجيا.

في جنوب السودان، نحيّي تعاون الحكومة مع لجنة هذا المجلس المعنيّة بحقوق الإنسان في السودان. إلاّ أنّ موظّفي بعثة الأمم المتّحدة في جنوب السودان، مُنعوا من الوصول إلى مواقع يُزعم أنّها تشهد انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، بما ينتهك اتّفاق مركز القوّات، ويعيق ولاية بعثة الأمم المتّحدة إلى السودان برصد وضع حقوق الإنسان. ومن بين هذه المواقع، المرافق التي يديرها جهاز الأمن الوطنيّ، حيث يُعتَقَد أنّ مئات الأشخاص يحتجزون تعسّفًا في شروط قد ترقى إلى التعذيب. ويساورنا قلق عميق حيال تكثّف الهجمات العشوائيّة على المدنيّين، لا سيّما حيال نمط الاغتصاب والقتل الذي ترتكبه القوّات الحكوميّة ووكلاؤها في ولاية الوحدة منذ نيسان/ أبريل 2016. وقد وثّق موظّفو حقوق الإنسان حالات اغتصاب أطفال لم يتعدَّوا الأربع سنوات، والعديد من حالات اغتصاب النساء، وحالات شنق المسنّين وغيرهم من الأشخاص، أو حرقهم أحياء، ضمن إطار ما يبدو وكأنه سياسة حرق الأرض المتعمّدة.

نرحّب بقرار مجلس الأمن رقم 2424 (2018) بشأن الصحراء الغربيّة، الذي يشجّع بصورة حثيثة تعزيز التعاون مع مكتب المفوّض الساميّ لحقوق الإنسان. ونشدّد من جديد على استعداد مكتبنا لإرسال بعثة متابعة تقنيّة إلى الصحراء الغربيّة في أسرع وقت ممكن.

يقلقنا تعليق زيارة اللجنة الفرعيّة لمنع التعذيب روندا نهاية العام الفائت، على خلفيّة عرقلة جسيمة للوصول إلى بعض أماكن الاحتجاز؛ وسريّة المقابلات؛ والخوف من الأعمال الانتقاميّة. وقد قرّرت اللجنة الفرعيّة لمنع التعذيب استئناف الزيارة في العام 2018، إلاّ أنّ السلطات لم تبدِ أيّ تعاون إيجابيّ. ندعوها إلى تأمين التعاون الكامل كي تتمكّن اللجنة الفرعيّة من تنفيذ ولايتها الضروريّة.

في إندونيسيا، لا يزال يساورنا قلق عميق على الرغم من مشاركة السلطات الإيجابيّة في العديد من الجوانب، إلاّ أنّ دعوة الحكومة مكتبنا لزيارة بابوا – التي قُدِّمَت خلال زيارتي في شباط/ فبراير – لم تُنَفَّذ بعد.

لقد منحت بنغلادش مكتبنا وكافة الآليّات المعنيّة بحقوق الإنسان حقّ وصول واسع النطاق وجدير بالثناء في ما يتعلّق بأزمة اللاجئين من الروهينغيا. إلاّ أنّه لا يزال أكثر من 10 طلبات زيارة قدّمها مكلّفون بولاية تقييم وضع حقوق الإنسان في بنغلادش بحدّ ذاتها معلّقًا. ونشجّع على المشاركة بشكل أكبر، لا سيّما فيما يتعلّق بتقليص الحيز المدني، والادعاءات بارتكاب قوّات الأمن أعمالًا غير قانونيّة.

في المكسيك، على الرغم من الانفتاح الإيجابيّ الذي نقدّره إلى أقصى الحدود، نأسف لمنع وصول اللجنة المعنيّة بالاختفاء القسريّ على الرغم من الطلبات المتكرّرة التي تمّ رفعها بموجب المادة 33 من الاتّفاقيّة. فمنذ العام 2012، سجّلت اللجنة أكثر من 310 طلب إجراءات عاجلة تتعلّق بقضايا اختفاء قسريّ في البلاد، تشّكل أكثر من 60 في المائة من مجموع طلبات الإجراءات العاجلة المسجّلة حتّى اليوم.

في الكاميرون، لا شكّ لدينا في أنّ المناقشات الواعدة مع السلطات ستؤدّي بسهولة إلى الموافقة على إرسال مكتبنا بعثةً إلى كافة مناطق البلاد. وحتّى يومنا هذا، لم نُمنح حقّ الوصول على الرغم من تفاقم الأزمة في المناطق الناطقة باللغة الإنكليزيّة، في ظلّ الاقتتال القائم بين حوال 12 مجموعة مسلّحة وقوّات الأمن. وقد وردتنا تقارير تفيد بارتكاب كافة الأطراف انتهاكات وإساءات، بما في ذلك إحراق مدارس وأملاك خاصة؛ وتوقيف جماعيّ واحتجاز تعسّفي؛ واستخدام رجال الأمن التعذيب والقوّة المفرطة، ما أدّى إلى تشريد 150,000 شخص داخل البلاد، مع العلم أنّ أكثر من 20,000 آخرين لجأوا إلى نيجريا المجاورة.

في شبه جزيرة القرم، طلبنا أكثر من مرّة من الاتحاد الروسي منحنا حقّ الوصول، بما يتناسب وطلبات الجمعيّة العامة. كما أنّ المكلفين بالولاية ضمن إطار الإجراءات الخاصة طلبوا زيارة شبه جزيرة القرم، وآخرهم المقرّر الخاص المعنيّ بالتعذيب. أمّا ردّ الاتّحاد الروسيّ فيعترف بأنّه يجب على الآليّات الدوليّة لحقوق الإنسان أن تمتدّ وتتوسّع لتبلغ شبه جزيرة القرم، على الرغم من أنها تتعارض وقرارات الجمعيّة العام رقم 68/262، و71/190 و72/190. نتمنّى أن تمهّد هذه الردود الإيجابيّة السبيل أمام المزيد من الخطوات التي تمكّننا من الوصول، لحماية حقوق الإنسان لسكّان المنطقة.

سيّدي الرئيس،

لم يزر أيّ من المقرّرين الخاصين حوالى 40 بلدًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، على الرغم من الطلبات التي وصلتها. ومن بينها 15 دولة وُجّهَت إليها أكثر من 5 طلبات زيارة ولا تزال عالقة، هي: البحرَيْن، وبلاروسيا، وبوليفيا، وكولومبيا، وجمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة، ومصر، وإثيوبيا، وإيران، وجامايكا، ونيكاراغوا، وبالباكستان، وتركمانستان، وأوغندا، واليمن وزيمبابوي.

ما من استثناء لشرط التعاون بالنسبة إلى الدول المتخالفة مع معظم أعضاء المجلس: وفي الواقع، قد تُفرغ هذه المقاربة قرارات المجلس من معناها. وإنّنا نندّد برفضِ عدد من الدول القاطع والصريح بالتعاون مع الخبير المستقل المعنيّ بالميل الجنسيّ والهويّة الجنسانيّة المكلف من قبل هذا المجلس، لا سيّما الاتّحاد الروسيّ الذي رفض رسميًّا أن يردّ على أيّ رسالة من مكلّف بولاية، بما في ذلك رسائل مشتركة مع خبراء آخرين مكلّفين من قبل هذا المجلس، على الرغم من الادّعاءات الخطيرة بارتكاب العنف، والتمييز، والإقصاء ضد أعضاء مجتمع المثليّين والمثليّات ومزدوجي الميل الجنسيّ ومغايري الهويّة الجنسانيّة، لا سيما في الشيشان.

في العديد من الدول، يواجه المثليّون والمثليّات ومزدوجو الميل الجنسيّ ومغايرو الهويّة الجنسانيّة تمييزًا خطيرًا وغالبًا ما يكون من قبل الجهات الرسميّة؛ وفي كلّ مكان من العالم تقريبًا، لا تتمّ حمايتهم حمايةً ملائمة من العنف والتعصّب. وتجدر الإشارة إلى أنّ حماية كلّ البشر، بما في ذلك مجتمع المثليّين والمثليّات ومزدوجي الميل الجنسيّ ومغايري الهويّة الجنسانيّة، لا تقع "خارج" الإطار القانونيّ العالميّ؛ وإنهاء التمييز والعنف ضدّ أي كان وأينما كان هو محور مبادئنا وعملنا.

سيّدي الرئيس،

في ظلّ هذا الجوّ من السلبيّة، يسرّنا أن نسلّط الضوء على عدد من التطوّرات الإيجابيّة تتعلّق بإمكانيّة وصول الإجراءات الخاصة. ومنها ارتفاع معدّل الردّ على الرسائل، وقد أصبح يبلغ اليوم 68 في المائة (أيّ بزيادة تبلغ 13 في المائة مقارنة مع العام 2016)؛ وإصدار أفغانستان دعوة مفتوحة إلى كافة المكلّفين بولاية، ما أدّى إلى ارتفاع عدد الدول التي قامت بذلك إلى 118 دولة عضو في الأمم المتّحدة ودولة واحدة مراقبة غير عضو. كما نذكر ونحيّ الدول التالية التي استقبلت أقلّه خمس زيارات لولايات مواضيعيّة خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهي: الأرجنتين، وأستراليا، وأذربيجان، والبرازيل، وتشيلي، وجورجيا، وغانا، واليونان، وهندوراس، وإيطاليا، وكزاخستان، والمكسيك، وجمهوريّة كوريا، وصربيا، وسريلانكا، وتونس، وأوكرانيا، والمملكة المتّحدة والولايات المتّحدة.

في ما يتعلّق بالتعاون مع هيئات رصد المعاهدات، نرحّب بالتقارير المعلّقة منذ زمن إلى اللجان من قبل بنغلادش، وكابو فردي، وجمهوريّة إفريقيا الوسطى، وغينيا، ومالي، وموريتانيا، والنيجر، وتونغا، وزامبيا. واسمحوا لنا بأن نشيد بانضمام قطر إلى العهدَيْن وأفغانستان إلى البروتوكول الاختياريّ لاتفاقيّة مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، إلى جانب عمليّات تصديق عديدة أخرى. ومكتبنا على استعداد لدعمها في الجهود المطلوبة لتنفيذ هذه الالتزامات من أجل ضمان احترام حقوق الشعوب، كما ندعو البلدان الأخرى التي لم تصادق بعد على المعاهدات المذكورة وغيرها من معاهدات حقوق الإنسان إلى المبادرة إلى ذلك.

سيّدي الرئيس،

في العديد من المجالات، يزرع التقدّم الذي تمّ إحرازه على مستوى الوصول الفرح في قلوبنا.

فخلال البعثة الثانية التي قمنا بها إلى إثيوبيا، في شهر نيسان/ أبريل، أعجبنا وشجّعنا حقًّا التزام رئيس الوزراء إجراء عمليّات إصلاح قد تحقّق حكم القانون، واحترام حقوق الإنسان الأساسيّة ومبادئها، بما في ذلك توسيع حيّز التعبير والتجمّع السلميّ ومشاركة المجتمع المدنيّ. وعقب فترة طويلة من التقاعس عن الانخراط في الهيئات الدوليّة لحقوق الإنسان، ييسّر إبرامُ مذكّرة التفاهم الأخيرة التي طال انتظارها، لعبَ مكتبنا دورًا واسع النطاق في البلاد، ونشجّع السلطات على استقبال زيارات خبراء الإجراءات الخاصة وقبول توجيهاتهم ضمن سياق عمليّات الإصلاح القائمة. كما نرحّب برفع حالة الطوارئ في وقت سابق من هذا الشهر، بالإضافة إلى إطلاق سراح عدد من الموقوفين السياسيّين. وفي حين ندرك التحدّيات القائمة، نتطلّع إلى مساندة السلطات في تعزيز احترام حقوق الإنسان للجميع في إثيوبيا.

نرحّب بقرار أرمينيا الأخير في تمكين مكتبنا من المساهمة بفعاليّة أكبر في تعزيز حقوق الإنسان للشعب الأرمنيّ، بما في ذلك دعوتنا لتأمين المساعدة الفنيّة من خلال تواجد موظّفينا ميدانيًّا.

ونثني من جديد على تونس لتعاونها الحثيث مع مكتبنا والإجراءات الخاصة، وإنشائها إطارًا وطنيًّا للرصد والتبليغ بهدف تعزيز انخراطها في هيئات رصد المعاهدات. ولمكتب المفوّض الساميّ لحقوق الإنسان إمكانيّة الوصول إلى كافة مناطق البلاد من دون أيّ قيد أو شرط، بما في ذلك إلى السجون، كما يسّرت الحكومة بالكامل الزيارة الرسميّة لـ12 مكلّفًا بولاية بما أنّها وجّهت دعوة دائمة إلى الإجراءات الخاصة منذ العام 2011.

في مولدوفا، مُنِح مؤخّرًا مكتبنا والمكلّفون بولاية حقّ الوصول إلى منطقة ترانسنيستريا. ونأمل أن توثّق هذه الخطوة التعاون مع مكتبنا والأمم المتّحدة، كما نشجّع دولاً أخرى تعيش السياق نفسه، في أوروبّا وكافة أقطار العالم، أن تستعرض هذه الممارسات الجيّدة وتعتمدها.

بعد 15 سنة من رفض أي زيارة للإجراءات الخاصة، استقبلت أوزبكستان، في شهر تشرين الأوّل/ أكتوبر، المكلّف بولاية بشأن حريّة الدين والمعتقد، واعتمد برلمانها، في أيّار/ مايو، خارطة طريق لتنفيذ توصياته. وحصل فريق الأمم المتّحدة القطري على موافقة الحكومة كي يدعم برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ في متابعة توصيات الاستعراض الدوريّ الشامل، كما أُبلِغنا بأنّ السلطات تراجعت عن عدد من القيود المفروضة على نشاط المجتمع المدنيّ.

عقب زيارتيّ إلى طرابلس في تشرين الأوّل/ أكتوبر، قبلت ليبيا استقبال أوّل بعثة إليها يقوم بها مكلّف بولاية، وهو المقرّر الخاص المعنيّ بحقوق الإنسان للمشرّدين داخليًّا، كما تمّ التخطيط لزيارة مكلّف بولاية أخرى، عندما تسمح الظروف الأمنيّة بذلك. وبالإضافة إلى ذلك، شاركت ليبيا في رعاية قرار هذا المجلس رقم 37/45، الذي يشجّع بعثة الأمم المتّحدة للدعم في ليبيا على رصد انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد والتبليغ عنها، ويدعو إلى التعاون مع آليّات حقوق الإنسان. ومن شأن القرار الأخير بإعادة نشر موظّفي الأمم المتّحدة في طرابلس أن يفتح الباب أمام وصول أوسع نطاقًا إلى كافة مناطق البلاد.

وقد يرغب هذا المجلس في أن يلحظ نشر مستشاري حقوق الإنسان في بيلاروسيا وزمبابوي، وهما بلدان صعب في السابق الوصول إليهما.

سيدّي الرئيس،

لا يفقد الناس حقوق الإنسان عندما يعبرون الحدود من دون تأشيرة دخول. نندّد باعتماد العديد من البلدان سياسات تهدف إلى جعلها غير مضيافة إلى أقصى الحدود من خلال زيادة معاناة الكثير من الضعفاء أصلاً. وخلال الأسابيع الأخيرة، زرعت فينا قضيّتان القلق الشديد في ما يتعلّق بوصول منظّمات المجتمع المدنيّ إلى المهاجرين.

في هنغاريا، يساورنا قلق شديد حيال مشروع قانون رُفِع إلى البرلمان خلال الشهر الفائت، يجرّم فعليًّا، في حال اعتماده، رصد حقوق الإنسان على الحدود وداخل المناطق الحدوديّة، كما يجرّم تزويد المهاجرين بالمعلومات وتقديم المساعدة القانونيّة والمساندة لهم. بالإضافة إلى ذلك، يلغي مشروع القانون المراجعة القانونيّة أو يعيقها في العديد من الحالات. من الضروريّ أن تتمكّن هيئات الرصد المستقلّة – لا كافة الهيئات الدوليّة لحقوق الإنسان فحسب، بل أيضًا المؤسّسات الوطنيّة لحقوق الإنسان والمجتمع المدنيّ – من مراقبة وضع حقوق الإنسان للمهاجرين من دون خوف أو عرقلة. وتؤدّي هذه القيود والإجراءات التي اعتمدتها حكومة هنغاريا خلال الأشهر الأخيرة، إلى وصم المهاجرين الذين يعيشون أصلاً أوضاعًا هشة، وطالبي اللجوء وإلى إلحاق الضرّر بهم، بالإضافة إلى معاقبة المدافعين عن حقوق الإنسان على العمل المذهل الذي يقومون به لمساعدتهم.

وفي الولايات المتّحدة يساورنا قلق عميق حيال السياسات التي اعتُمِدَت مؤخّرًا وتُعاقِب الأطفال على أعمال ارتكبها أهلهم.

ففي خلال الأسابيع الستّة الأخيرة، أُجبِر حوالى ألفَي طفل على الانفصال قسرًا عن أهلهم. وقد وصفت الجمعيّة الأميركيّة لطب الأطفال هذه الممارسات القاسية على أنّها "سوء معاملة أطفال بتصريح من الحكومة" قد تؤدّي إلى "أضرار لا عودة عنها"، و"عواقب تطبعهم مدى الحياة". ومجرّد التفكير في أنّ حكومة ما قد تسعى إلى ردع الأهل عن طريق الإساءة إلى الأطفال غير مقبول أبدًا. ندعو الولايات المتّحدة إلى إنهاء ممارسة الفصل القسري للأطفال عن أهلهم فورًا، ونشجّع الحكومة على التصديق على اتّفاقيّة أخيرًا على حقوق الطفل، من أجل ضمان أن تكون حقوق الطفل الأساسيّة، بغضّ النظر عن وضعه الإداريّ، محودر كافة القوانين والسياسات المحليّة.

سيّدي الرئيس،

نطالب بحقّ الوصول كي نتمكّن من مساعدة الدول بشكل أفضل على جعل قوانينها وممارساتها متماشية مع الالتزامات التي قامت بها بنفسها. فكلّ قرار بالمشاركة مشاركةً فاعلة في نظام حقوق الإنسان هو قرار باستحداث فرص لتحقيق مجتمع أكثر تناغمًا – مجتمع يسوده قدر أكبر من العدالة، وسلام أكثر استدامة وتنمية أفضل.

يسرّنا كثيرًا القدر الأكبر من الوصول الذي تمّ تحصيله في عدد من المجالات الجديدة خلال السنة الماضية. وليس من السهل تسليط الأضواء على النزاعات التي تمكنّا من تجنّبها، والانتهاكات التي نجحنا في تفاديها، ودوّامة العنف التي كسرناها وقلّصنا حجمها. ولكنّ كلّ خطوة نحو تنفيذ أفضل لجدول أعمال حقوق الإنسان هي من الأعمال الوقائيّة، التي تجمع وتعزّز الروابط بين المجتمعات وتدعم التنمية الشاملة والسلام.

إنّنا لمقتنعين بأنّ مثال حقوق الإنسان شكّل أكثر حركات الأفكار بنّاءة في عصرنا هذا – وهو من بين أنجحها.

فخلال السنوات الـ70 الفائتة، تمكنّا من تحقيق سلام أكثر استدامة ضمن المجتمعات وفي ما بينها. كما تمّ حلّ النزاعات، من خلال القانون واحترامًا له؛ وتمكّن عدد أكبر بكثير من الأشخاص من التعبير عن رأيه، ومن الوصول إلى التعليم، والرعاية الصحيّة وفرص التنمية، من دون أيّ تمييز. وقد يعتبر البعض هذه الإنجازات أمرًا بديهيًّا مسلّمًا به. ولكنها في الواقع تنفيذ سياسات – سياسات وقوانين تدعم المبادئ العالميّة للكرامة الإنسانيّة والمساواة. هي ليست المعيار. فكلّ تاريخ مجتمع ملطّخ بالدماء والنزاعات والحرمان: وليس علينا إلاّ أن نلقي نظرة على الأمس كي ندرك المخاطر التي سمح عملنا بتفاديها.

لا يشكّل أبدًا تقويض القادة حقوق الإنسان، وقانون حقوق الإنسان أيّ عمل وطنيّ. فهم يساهمون في تآكل الهيكليّات التي تضمن سلامة شعوبهم – فيجرّون مجتمعاتهم نحو العنف، والدمار، والاستغلال والكوارث. وهم يعيدون حكم الطغاة والمستبدّين – ضمن البلد الواحد وفي ما بين البلدان. أمّا الوطنيّة الحقيقيّة فتتمثّل في النظر إلى كلّ دولة، وإلى الإنسانيّة ككلّ، وإلى مجتمع من المسؤوليّات المتبادلة، والاحتياجات والأهداف المشتركة. وتعتمد الوطنيّة على العمل على إنشاء مجتمعات متسامحة، يمكنها العيش بسلام.

نغادر مكتبًا جبّارًا، ملتزمًا كلّ الالتزام بمهمّته العملاقة، وقد تمكّن من إحراز التقدّم على الرغم من الرياح العاتية. وتشكّل مجالات الوصول الجديدة هذه شهادة لمصداقيّة عمليّاتنا وعدالة قضيّتنا. ولا نزال مقتنعين بأنّ عمليّات الرصد والتبليغ التي حقّقناها؛ وبناءنا قدرات المجتمع المدني والدول؛ ودعواتنا الواضحة والثابتة والمحايدة ساهمت مساهمة كبيرة في إدارة أكثر شموليّة واحترامًا لحقوق الشعوب؛ ومجتمعات أكثر سلامًا؛ وتنمية أوسع نطاقًا وأكثر عمقًا وإفادة للجميع.

سيّدي الرئيس، أودّ في نهاية المطاف أن أنهي بياني الأخير أمام هذا المحفل الرسميّ بسلسلة من كلمات الشكر والتقدير. لقد شكّلت ولايتي هذه أصعب مسؤوليّة تحمّلتها يومًا، وأكثرها تحدّيًا وإرضاءً في آن واحد. وقد صعَّبَتْ الأوضاعَ على أسرتي، وأثّرت على علاقتي مع حكومة البلد حيث ولدت – وهو البلد الذي تشرّفت بتمثيله ديبلوماسيًّا لسنين طويلة، ويحزنني أنّني وصلت إلى هذا الحدّ. إلاّ أنّ الثمن زهيد مقارنة مع ما يدفعه العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان، والمجتمع المدنيّ عامةً، الذين يضحّون بالكثير مرارًا وتكرارًا، وهم بنظري الأبطال الحقيقيّون والأصيلون لحركة حقوق الإنسان.

وفي موازاة ذلك، أعرب عن تقديريّ الشديد، لأعضاء مكتبي، الدوليّين منهم والمحليّين، الذين يعملون في بعضٍ من أخطر مناطق العالم وأصعبها. وعلى هذا المجلس أن يدرك العمل الذي يقومون به، ونحن جميعنا مدينون لهم بامتنان خاص.

وشرّفني أيضًا أن أعمل مع نائبي المميّز، كايت غيلمور؛ هذه القائدة الاستثنائيّة والجريئة، ومنها تعلّمت الكثير. كما استفدت كثيرًا من نصائح الأمين العام المساعد أندرو غيلمور ودعمه، ونهلت من معرفته المكثّفة للأمم المتّحدة، وأشكره على روح القيادة التي تميّز بها. وأتوجّه بالشكر أيضًا إلى كافة المدراء بقيادة آدم عبد المولى، وجورجيت غانيون، وبيغي هيكس، وكافة كبار المسؤولين الكثر ويستحيل عليّ ذكر أسمائهم كلّهم- أقدّركم وأشكركم من كل قلبيّ، تمامًا كما أشكر جميع العاملين هنا في جنيف، وفي مكتب نيويورك، والمكاتب الإقليميّة والقطريّة. أنا ممتن لكم وأشكركم من كلّ قلبي. وأشعر بأن ديني كبير أيضًا للمتحدّث الرسميّ باسمي روبري كولفل وفريقه الدؤوب في العمل، لقاء العمل الاستثنائيّ الذي قام به. وأخيرًا روث مارشال، كاتبة خطاباتي الرائعة، الذي يصعب عليّ الافتراق عنها – فقد عملنا في رأس بعضنا البعض خلال السنوات الأربع الأخيرة!

وأشكر أيضًا العاملين في المكتب الأماميّ بقيادة ماريت كوهونين شريف الذي لا مثيل له، وبدعم من سيسيل أبتل، اللذين تحدّثت معهما يوميًّا تقريبًا، شأنهما شأن صديقي العزيز أنطون نيكيفوروف، وسيسيليا كانيسّا، وكارول راي، وكاتايون فيسالي – لقد كنتم جميعًا بمثابة عائلة لي!

أتوجّه بالشكر إلى المسؤولين عن أمني، أشكركم على حرارتكم وتفانيكم واحترافكم. وأحيّي الموظّفين الآخرين، الكثر لدرجة يستحيل عليّ ذكرهم بأسمائهم، الذين حملهم التزامهم وتفانيهم في العمل من أجل حقوق الإنسان على بذل كلّ جهد ممكن، ليلًا نهارًا، لتعزيز القضيّة.

وأخيرًا جزيل الشكر لأخي محمّد النسور، الذي رافقني من نيويورك عبر عمان، ورافقني في مسيرتي خطوة خطوة، وسيبقى صديقًا عزيزًا على قلبي.

أودّ أيضًا أن أحيّي كلّ السفراء وموظّفيهم هنا. فقد طبعَت صداقتي الشخصيّة مع هذا الكمّ من الدبلوماسيّين الذين تفهّموا ما نحاول القيام به، ودعمهم لي، على الرغم من مواقفهم الرسميّة، أثرًا عميقًا في نفسي.

مع اقتراب نهاية ولايتي بعد شهرَين ونصف من اليوم، أتوق للقاء زوجتي سارة وأولادي الثلاثة: لولا حبهم اللامحدود لهذا الرجل الغريب، لاستحال عليّ أن أتعاطى مع ضغوط عملي. أتمنّى أن يكونوا فخورين بي. فقريبًا – على حدّ قول الشاعر روبرت لويس ستيفنسون – سيعود هذا الصيّاد إلى منزله من التلّ ("home from the hill").