Header image for news printout

ما هي الخيارات التي ستتّخذونها – على المستوى الشخصي وعلى مستوى العالم؟

الأمم المتّحدة في برنامج جنيف للدراسات العليا
الأمم المتّحدة أمام مفترق طرق
بيان مفوّض الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين

في 2 تمّوز/ يوليو 2018

مرحبًا،

 

يسرّني أن أكون اليوم هنا معكم. ويعتريني الكثير من التأثّر والمشاعر الجيّاشة لأنّني أتوجّه إليكم اليوم وأنتم في مطلع حياتكم المهنيّة وأنا على مشارف نهاية ولايتي كمفوّض سامي.

إن كنتم تشبهون اليوم الشخص الذي كنت عليه وأنا في مثل سنّكم، فالآن هو وقت التشكيك – وتنمية حسّكم بهويّتكم الشخصيّة؛ وشقّ مساركم وسط هذا العالم، وإيجاد مجال الدراسة الذي يلائم إلى أقصى الحدود الشخص الذي ترغبون في أن تصبحوه في المستقبل، والقضيّة التي ستسخّر طاقاتكم على أفضل وجه.

تطرح كافة كائنات البشر هذه الأسئلة على نفسها – وبالطبع أنا أطرحها أيضًا. ونتنقّل في ما بينها مثل اليرقات، ننسحب إلى الخلف قليلاً ثمّ نرتفع، نتلمّس دربنا والضباب الدامس يكتنفنا، قبل أن نثبّت قدمنا على الأرض ونتقدّم قيد أنملة. وقد تكون هذه الهُنَيْهَة المفصليّة، عندما نتروّى قبل أن نتّخذ أيّ قرار، ولربّما قبل أن نغيّر المسار، غنيّة كلّ الغنى. ويخبرنا فكتور فرنكل، الناجي من محرقة اليهود النمساويّة، قائلاً: "بين الحافز والاستجابة برهة سكون. وفي هذه البرهة تكمن قدرتنا على اختيار كيف سنستجيب. وفي استجابتنا يكمن نموّنا وحريّتنا."

بالتأكيد تتساءلون اليوم، كونكم طلّابًا في برنامج الدراسات العليا هذا، حول الاتّجاه الذي اتّخذه عالمنا؛ ولربّما تتساءلون حول الاتّجاه الذي ترغبون في اتّخاذه أنتم في حياتكم الشخصيّة. فلنغتنم هذه الفرصة، ولنسلك درب اليرقات، وننسحب إلى الخلف قبل أن نمضي قدمًا. ما أرغب في أن أقوم به في صباحنا هذا، هو أن أعود إلى زوايا التاريخ وأعرض بعض الأجوبة التي توصّل إليها آخرون. فالأجوبة التي تركها لنا أسلافنا قادرة على أن تنوّر الظلام الذي لا نجرؤ على دخوله أو النظر فيه؛ وأن تقترح خطوات قد نعتبرها في بادئ الأمر غير واردة أو غير مجدية أو حتّى سخيفة.

لقد بلغتم سنّ الرشد في وقت يشهد فيه عالمنا الكثير من الاضطرابات. كما يتفاقم ازدراء المبادئ والقوانين المتّفق عليها – بما في ذلك القانون الدوليّ لحقوق الإنسان – الذي بدأ العالم يضع أساساته منذ 70 عامًا، في أعقاب أفظع نزاع شهده العالم. أمّا عدد الأشخاص غير المسبوق اليوم – 68.5 مليون شخص – الذين يعانون التشرّد بسبب النزاعات والحرمان، فيُبْرز الفوضى المتفشية والدمار المستشري في عصرنا. وفي العديد من المجتمعات – إن لم يكن في المجتمعات جميعها – هؤلاء هم الأشخاص بالتحديد، ضحايا البؤس والحروب، الذين تستهدفهم الكراهية والخوف. لا مرتكبي التعذيب، بل ضحاياه؛ لا أهل الشجع والفساد، بل ضحاياهم.

لماذا؟ لقد شهد العقد الأخير بروزًا سريعًا، في العديد من المناطق، لقادة سياسيّين يروّجون لفكرة أنّ الأجانب يهدّدون بلادهم – ويعتمدون، بمعظمهم مع بعض الاستثناءات القليلة- سياسة تحطّ من قدر المهاجرين وتسيء إليهم. وقد تردّدت أصداء هذا النمط من الممارسات في أرجاء التاريخ كلّه. فكراهية من يُعتَبَر من الغرباء، تكتيك قديم يُعتَمَد من أجل إثارة الذعر والخوف. وبمجرد أن يفلح بزرع الخوف، وتحصيل الدعم السياسي، يزعم أنّ الانتقاد والنقاش خيانة، فيسكت المعارضين ويغلق المؤسسات التي تراقب السلطة السياسيّة.

وتشرح المنظّرة السياسيّة هانا أرندت هذه الظاهرة بطريقة لا شائبة فيها، فتقول: "على الصعيد السياسيّ، تصر القوميّة القَبَليّة دائمًا على أن شعبها محاط بـ"عالم من الأعداء"- "واحد ضد الجميع" - وأنّ اختلافًا جوهريًا يتجلّى بين هذا الشعب وجميع الشعوب الأخرى. وتدّعي أن شعبها فريد ولا يتّفق مع جميع الأخرين؛ كما تنكر، على المستوى النظريّ، إمكانيّة وجود جنس مشترك، وذلك قبل أن يتمّ استخدامها لتدمير إنسانيّة الإنسان بفترة طويلة."

لقد دُعيتُم لتتابعوا دراستكم في الأمم المتّحدة – في الأمم المتّحدة: وهي منظّمة تمّ إنشاؤها بالتحديد لمواجهة هذه القوميّة الشوفينيّة المستخدَمة كسلاح. فلنتذكّر معًا: كنّا في العام 1945، عندما تمّ صقل الهدف الأساسيّ للأمم المتّحدة – وهو ضمان السلام في أعقاب مذبحة غير مسبوقة ودمار شامل لا مثيل له، تسبّبت بهما – أو أقلّه سمحت بهما – القوميّة. ومن أجل إنقاذ البشريّة من حرب عالميّة جديدة – حرب قد تصل إلى الدمار بالقنبلة الذريّة – على قادة العالم أن يفكّكوا آليّة الكراهية والشوفينيّة، وأن يتعاملوا مع البشريّة كمجتمع، روابطه جوهريّة، ومصالحه مشتركة ومسؤوليّاته متبادلة.

لم يعتمدوا هذه المقاربة لأنّهم من المثاليّين أصحاب النيّة الحسنة. بل إنّ الواقع كان واضحًا كل الوضوح: أن يختاروا الحياة أو أن يشاهدوا الموت يبتلع عالمهم. هم نساء ورجال عايشوا عن كثب الشوفينيّة والتطرّف، والتعصّب والقوميّة في العمل. وقد أدركوا كلّ الإدراك، أنّه ما إن تبلغ هذه القوى العقيمة حدًّا معيّنًا، فإنّ الحرب والعنف آتيان لا محالة. واستهلّوا دباجة الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان بهذه العبارة: "ﻟﻤﺎ كان اﻻﻋﺘﺮاف ﺑﺎﻟﻜﺮاﻣﺔ اﻟﻤﺘﺄﺻﻠﺔ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ أﻋﻀﺎء اﻷﺳﺮة اﻟﺒﺸﺮﻳّﺔ وﺑﺤﻘﻮﻗﻬﻢ اﻟﻤﺘﺴﺎوﻳﺔ اﻟﺜﺎﺑﺘﺔ هﻮ أﺳﺎس اﻟﺤﺮﻳّﺔ واﻟﻌﺪل واﻟﺴﻼم ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ". وقد توصّلوا إلى هذه الخلاصة، لأنّه في خلال سعيهم إلى تحقيق السلام والتقدّم الاجتماعيّ، بدا لهم أنّ تعزيز حقوق الإنسان – وتعزيز العدالة – هو الأساس الوحيد الممكن.

وقد صاغوا الإعلان العالميّ كخارطة مفصّلة لإخراج البشريّة من أزمتها. واستقَوه من كلّ نوع من أنواع الكوارث التي قد تواجهها البشريّة يومًا – الاستغلال الاستعماري، والدمار بالقنبلة الذريّة، وفظائع الإبادة الجماعيّة والنزاع العالميّ. كما عرضوا خطوات عمليّة وبراغماتيّة تقودنا بعيدًا عن الدمار والعنف، وصولاً إلى شطّ الأمان. هي خطوات تؤسّس لعدالة أكبر ومشاركة أوسع نطاقًا؛ وحقوق اقتصاديّة واجتماعيّة أكثر تساويًّا؛ واحترام أكبر لكرامة الأفراد، من دون أيّ تمييز. هي سياسات تبني العدالة، وتكافح التطرّف واليأس.

لم يأتِ الإعلان تعبيرًا عن الاستعمار الليبراليّ الأبيض الجديد؛ فالزخم الأوّل وراءه إنّما نبع بمعظمه من بلدان الجنوب.

وأصبح أكثر وثيقة تُرجِمَت في تاريخ البشريّة، كما أنّ مبادئه بنّاءة إلى أقصى الحدود، وهي الأكثر نجاحًا في أيّامنا هذه.

وخلال السنوات السبعين السابقة، تمّ تحقيق سلام مستدام بين العديد من المجتمعات وضمنها. كما تمّ حلّ النزاعات، بما يتناسب والقوانين ومن خلالها؛ وارتفع كثيرًا عدد الأشخاص القادرين على التعبير عن رأيهم بالكامل، والوصول إلى التعليم، والرعاية الصحيّة وفرص التنمية. وتمّ القضاء على الفصل العنصريّ؛ ويسّر الإعلان أيضًا إنهاء الاستعمار. وحصّل الملايين المزيد من الحريّات والمساواة. وتمكّنوا ومن مكافحة التمييز والوصول بصورة أكبر إلى العدالة، والخدمات الأساسيّة وتكافؤ الفرص. وتمّ الاعتراض على البؤس الاقتصاديّ العميق والاستغلال الفائق. واستُبدِلت الأنظمة الدكتاتوريّة القمعيّة بأنظمة حكم قائمة على المشاركة تسعى إلى خدمة شعوبها. وحاكمت المحاكم الدوليّة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان المروّعة – بما في ذلك الإبادة الجماعيّة.

قد يعتبر البعض من بيننا هذه الإنجازات من المسلّمات. ولكنّها في الواقع نتجت عن اعتماد سياسات – سياسات وقوانين تعزز المبادئ العالميّة لكرامة الإنسان، والمساواة والعدالة.

لربّما تنسبون هذا التقدّم إلى العمل الجبار الذي يقوم به المجتمع المدنيّ، والتعبئة التي ينفّذها لكلّ هذه القضايا وكفاحه من أجل تحصيل الحقوق في البلدان المختلفة. وبالفعل هذا صحيح: إنّ عمل الناشطين في المجتمع المدنيّ والمدافعين عن حقوق الإنسان ضروريّ للغاية من أجل تحقيق كلّ تقدّم منجَز؛ ولا حدود لتقديري لنضالهم. ولكن، لا تنتهي القصّة عند هذا الحدّ. فمن دون مرجع عالميّ – ووجهة قانونيّة، أخذت شكل معاهدة دوليّة لحقوق الإنسان؛ وهو اتّفاق عالميّ يصادق على شرعيّة المطالب بالكامل – لتشتّت المجتمع المدنيّ، والحكومات التي تدعم قضاياه، وأمسى أقلّ تركيزًا في مساعيه.  

وبالتاليّ، لقد نجحنا في تحقيق تقدّم عملاق خلال السنوات الـ69 الماضيّة، على مستوى حقوق المرأة، وحقوق الأقليّات الإثنيّة، والدينيّة والعرقيّة والطائفيّة، وحقوق ذوي الإعاقة، والعمّال والموظّفين، والمثليات والمثليّين ومزدوجي الميل الجنسيّ ومغايري الهويّة الجنسانيّة وحاملي صفات الجنسَيْن، وحقوق الطفل، والحق في الصحّة، والتعليم، والسكن اللائق والخدمات الاجتماعيّة – وغيرها من الحقوق. وقد ساهم هذا التقدّم في قضيّة تحقيق السلام ومنع النزاعات.

ولكنّنا فشلنا أيضًا. فقد سحقت النزاعات حقوق الملايين من الأشخاص. وعانى الملايين من الآخرين انتهاكات لحقوق الإنسان – والذلّ والعنف الناتجَيْن عن التمييز والإبادة الجماعيّة؛ والاستغلال؛ والحرمان؛ وقبضة الطغيان الساحقة. ولم يكن أبدًا الاعتراف بالكرامة المتأصّلة ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ أﻋﻀﺎء اﻷﺳﺮة اﻟﺒﺸﺮﻳّﺔ وﺑﺤﻘﻮﻗﻬﻢ اﻟﻤﺘﺴﺎوﻳﺔ بعالميّ أبدًا. وتنطوي الأمم المتّحدة نفسها على مواضع تقصير، شأنها شأن أيّ من المساعي البشريّة في عالمنا هذا غير الكامل.

ولكنّ اليوم، يقوّض تحالف من القوميّين الشوفينيّين بالكاد متماسك، أساس مبادئ حقوق الإنسان، والمؤسّسات المتعدّدة الأطراف التي تدعم عمليّة تحصيل هذه الحقوق. كما يتم انتهاك المبادئ الأساسيّة للقانون الدوليّ لحقوق الإنسان والقانون الإنسانيّ الدوليّ بكلّ وقاحة وبصورة علنيّة، ما يزعزع عقودًا من العمل من أجل ضمان احترام الحدّ الأدنى من الكرامة لكلّ إنسان. كما أنّ من يستفيد من الكراهية والاستغلال يفكّك كلّ تدبير معتَمَد لإنهاء التمييز وتعزيز العدالة والحقوق. ونشهد ردود فعل عكسيّة على العديد من أوجه التقدم في مجال حقوق الإنسان في العديد من البلدان، بما في ذلك على حقوق المرأة، وحقوق العديد من الأقليّات، والمبدأ الأساسيّ بحقّ المجتمع المدنيّ في المشاركة بحريّة في صنع القرار، وذلك في كلّ البلدان من دون أيّ استثناء.

لا يشكّل أبدًا تقويض هؤلاء القادة حقوق الإنسان، وقانون حقوق الإنسان، ضربًا من ضروب الوطنيّة. فلهذه السياسات، الملائمة لربّما على المستوى الشخصيّ، والخالية من أيّ حقائق بكلّ تأكيد، انعكاسات سلبيّة عميقة علينا جميعنا. فأعمالهم هذه تؤدّي إلى تآكل الهيكليّات التي يمكنها أن تضمن سلامة شعوبهم – وإلى عودة مجتمعاتهم إلى الوراء، إلى العنف والدمار والاستغلال والكوارث. هم يعيدون حكم القوّة الوحشية والاستغلال – ضمن البلد الواحد وفي ما بين البلدان.

تكمن الوطنيّة الحقيقيّة في اعتبار كلّ دولة، والبشريّة ككلّ، مجتمعًا مسؤوليّاته متبادلة، وحاجاته وأهدافه مشتركة. والوطنيّة الحقيقيّة هي العمل على إنشاء مجتمعات متسامحة يمكنها أن تعيش بسلام.

رسالتي اليوم هي أنّه يمكننا أن نضع كوكبنا على مسار أكثر شموليّة، فيحقّق ازدهارًا أكثر استدامة؛ والمزيد من العدالة؛ والمزيد من الكرامة؛ والمزيد من الحريّة؛ والمزيد من السلام. يمكننا التأسيس على حقوق الإنسان. ويمكننا أن نشجّع قادتنا على الإصغاء إلى أصوات شعوبها، بدلاً من أن تنأى بنفسها عن أثمن مواردها. ويمكننا منع النزاعات. وبناء السلام والأمن والتنمية. حجرًا حجرًا. المساواة. والكرامة. والمشاركة. والاحترام.

ليس الإعلان العالميّ بديوانٍ منهك للمشاعر الجميلة. بل هو برنامج عمل متين، يعرض ما يمكن أن تكون عليه الحياة، وما يجدر بها أن تكون عليه، كما يفصّل الخطوات التي تحقّق غاياتنا. حقوق الإنسان هي القوّة الكامن وراء تنفيذ العمل، وهي حجر الزاوية والأساس لبناء قدرتنا على التكيّف والصمود، وأمن أفضل بالنسبة إلى المجتمعات كافة.

زملائي المتسائلين الأحبّاء،

في ومضة التفكير والاختيار هذه، ما هو المسار الذي سنختاره – إن على مستوى الإنسانيّة أم على مستوى حياتنا الخاصة؟

فلنصغِ إلى موسى فكي محمد، رئيس مفوضيّة الاتّحاد الإفريقي، الذي تحدّث مؤخّرًا عن قلقه الشديد حيال تآكل النظام المتعدّد الأطراف، فقال: "إنّ الوضع الراهن محفوف بمخاطر لا تهدّد السلام العالميّ فحسب، بل أيضًا قيم الكرامة الإنسانيّة، والتسامح وقبول الآخر، وهي أساس حقوق الإنسان. ويطرح تفشّي كراهية الأجانب، والعنصريّة والأنانية الوطنيّة، وتعظيم الاختلاف والهويّة الدفاعيّة أخطر التحدّيات. وعتبة ما هو غير مقبول في تقهقر مستمرّ... علينا جميعنا أن نعبّئ أنفسنا كي نعيد التأكيد على قيمنا المشتركة، وأن ندافع عن إيماننا بالتضامن الإنسانيّ ونؤكّد جهارًا رفضنا القاطع لكلّ ما يجرّدنا من إنسانيّتنا، ويزرع بذور الكراهية ويستخفّ بنبذ البشر – من أجل مستقبل كوكبنا."

تصوّروا أنّه في فقر مخيّمات اللاجئين وضعفها؛ وفي الأحياء الفقيرة والمجتمعات المضطهدة – وأينما يعيش البشر، نجد أفرادًا يرفضون السكوت والصمت؛ هم مدافعون يدافعون بكلّ شجاعة عن حقوقهم وحقوق زملائهم.

تذكّروا أنّ كلّ مسار نختاره، وكلّ وظيفة نختارها، إنّما يعكسان صورتنا الحقيقيّة وصورة قيمنا. وقد عبّرت إلينور روزفيلت عن ذلك بطريقة مؤثرة، عندما قالت: "عندما تعتمدون معايير شخص آخر وقيمه... تتخلّون عن ذاتكم."

لذا، بربّكم، لا تردّدوا الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان لمجرّد النجاح في الامتحان.

استخدموه فعلاً. استخدموه لقيمته. ولأنّه يمنح الناس قيمة – وتعزيزُ حقوقهم والمحافظة على رفاههم إنّما هما علّة وجود الحكومات.

استخدموا الإعلان العالميّ لأنّه صيغ في أوقات شهدت أكثر الأزمات ترويعًا، استخدموه كعصارة العِبَر التي يمكنها أن تنقذ العالم. فعندما يكون المستقبل محفوفًا بالمخاطر، وعندما تتقلّص الخيارات المتاحة، من شأن هذه العِبَر الأساسيّة التي استخلصناها من تاريخنا أن توجّههنا نحو المسار الصحيح – مهما بلغت حدّة العواصف ومهما تكثّف الضباب من حولنا.

هذا جوهرنا كبشر: لقد ولدنا أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق.

اصغوا إلى كلمات الرومي، هذا الشاعر الفارسي من القرن الـ13:

عليك أن تطلب ما تبغاه حقًّا.

لا تعد إلى النوم.

الناس ذهابًا وإيابًا بين العالمَين.

والباب بينهما مستدير مفتوح.

لا تعد إلى النوم.

هل يمكننا أن نجمع معًا هذه الأصوات، وأن نعتمد على هذه الأحاسيس من أجل بناء رؤيا عن مستقبلنا كلّها أمل وتسامح وسلام، وأن ندركها بأعمالنا التي تحقّق هذا الأمل؟

بالطبع يمكننا ذلك. ففي برنامج الدراسات العليا هذا يمكنكم أن تفكّروا وأن تنتقدوا وأن تناقشوا وأن تنفّذوا أفكاركم بحريّة مطلقة.

يمكّنكم الإعلان، من خلال العمل الذي تنطلقون نحوه اليوم، من أن تساهموا في بناء تنمية شاملة ومستدامة – وهو هدف بحدّ ذاته بالطبع، ولكنّه أيضًا أفضل أشكال الوقاية من العنف.

ويمكّنكم من الدفاع عن كامل حقوق زملائكم البشر، وتحقيق عالم آمن لكم وللآخرين من الشباب.

لأنّك القادة المنتظرون. نحن معًا في هذا النضال لنشككّ، ونناقش، ونبادر إلى العمل، بعضنا عن بعض، تحقيقًا لقناعاتنا الراسخة.

علينا أن نضع الآن قدمنا على الأرض وأن نتنظّم ونعبّئ الموارد دفاعًا عن كرامتنا الإنسانيّة – ودفاعًا عن مستقبل البشريّة المشترك- ودفاعًا عن قيمنا. علينا أن نكافح التمييز وندافع عن حقوق الإنسان – من أجلنا جميعًا.

وشكرًا.