Header image for news printout

الآلاف من اللاجئين من الروهينغيا لا يزالون يفرّون من العنف

الدورة 38 لمجلس حقوق الإنسان
أخر الأخبار عن أوضاع حقوق الإنسان لشعب الروهينغيا
تُعرَض شفهيًا
بيان مفوّض الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين

في 4 تمّوز/ يوليو 2018

حضرة رئيس المجلس الموقّر،
حضرة رئيس لجنة التنسيق الكريم،
أصحاب السعادة،
أيّها الزملاء والأصدقاء الأحبّاء،

خلال الأشهر الأخيرة، طعنت ميانمار بالادّعاءات التي تفيد بأنّ قوّات أمنها شاركت في حملات التطهير العرقيّ التي أجبرت أكثر من 700,000 من الروهينغيا على الفرار إلى بنغلادش منذ شهر آب/ أغسطس 2017. كما أنّ سلطاتها بذلت كلّ جهد وطاقة في محاولة منها لإقناع العالم بأنّها مستعدّة لا بل راغبة في السماح للاجئين بالعودة.

ففي شهر كانون الأوّل/ يناير، وقّعت ميانمار اتّفاقًا مع بنغلادش بشأن الترتيبات الماديّة الخاصة بالعودة إلى الوطن. وفي أيار/ مايو، أبرمت مذكرة تفاهم مع مفوضيّة الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأمم المتّحدة الإنمائي لتوفير الظروف المؤاتية للعودة. كما أعلنت أنها ستنشئ لجنة تحقيق تنظر في انتهاكات حقوق الإنسان في فترة ما بعد 25 آب/ أغسطس 2017. وقد ذكر ممثلو الحكومة مرارًا وتكرارًا أن ميانمار مستعدة لاستقبال العائدين.

ومع ذلك، وعلى الرغم من مرور عام تقريبًا على اندلاع أعمال العنف في 25 آب/ أغسطس، لم يعد أي لاجئ من الروهينغيا في ظّل إطار العمل الرسميّ المتّفق عليه مع بنغلادش. بل على العكس، اعتُقِل العديد ممّن عاد من تلقاء نفسه – إن لم يكن جميعهم. فقد ألقي القبض على 58 من الروهينغيا عادوا في الفترة الممتدّة بين كانون الثانيّ/ يناير ونيسان/ أبريل، وأدينوا بتهم غير محدّدة. ثمّ حصلوا على عفو رئاسيّ، ولكنّهم في الواقع نُقلوا من سجن بوثيدونغ إلى ما يُعرَف بـ"مركز الاستقبال"، في ظلّ شروط ترقى إلى الاحتجاز الإداريّ.

كما أنّ حوالى 90 شخصًا من الروهينغيا حاولوا السفر بحرًا من بنغلاديش إلى ماليزيا، ولكنهم وصلوا إلى شاطئ ولاية راخين بسبب مشاكل في المحرك، فتمّ احتجازهم أيضًا. ثمّ سُلّموا إلى السلطات في المناطق الريفيّة التي لا تمثّل، في أكثر من نصف الحالات، قريتهم الأصل.

بالإضافة إلى ذلك، لا يزال الآلاف من الروهينغيا يفرّون من ولاية راخين. واعتبارًا من منتصف شهر حزيران/ يونيو، دخل 11,432 شخصًا جديدًا إلى بنغلاديش في العام 2018. وفي نيسان/ أبريل، وصل إلى ماليزيا وإندونيسيا 140 شخصًا من الروهينغيا، غادروا وسط راخين بحرًا؛ وتفيد التقارير بأن عشر أشخاص كانوا على متن أحد القوارب ماتوا في الطريق.

وقد أجرى مكتب المفوّض السامي لحقوق الإنسان مقابلات مع عدد من اللاجئين الوافدين الجدد، فوصفوا استمرار العنف والاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك أعمال القتل وحرق منازل الروهينغيا. وروَت امرأة وصلت في أواخر شهر أيّار/ مايو كيف غادرت بعد وقوع حادثَيْن أُحرقت خلالهما منازل يملكها الروهينغيا في قريتها في راثيداونغ، وقُتل خلالهما قرويّون على يد جنود كانوا يطلقون النار عشوائيًّا في الشوارع. وأخبر رجل من قرية بوثيداونغ أنه فرّ عندما أحرق الجيش ما بين عشر وعشرين منزلًا من منازل الروهينغيا في قرية مجاورة. وأفاد العديد من الوافدين الجدد أن عددًا من الأشخاص قد اختفى. كما أخبر أحد رجال بلدة بوثيداونغ مكتب المفوّض الساميّ لحقوق الإنسان أنه فرّ بعدما اقتاد الجيش والده إلى جهة مجهولة؛ ولا معلومات لديه عن سلامة والده أو عن مكان وجوده. وقال كثيرون إنهم نفدوا من الأموال بعدما دفعوا الرشاوى، وهو واقع يعيشه يوميًّا الروهينغيا في راخين، وأفادوا بأنهم لا يخاطرون بالخروج من منازلهم خوفًا من الهجمات جسديّة.

ما من كلمات، مهما بلغت من فصاحة، مِن شأنها أن تبرئ هذه الوقائع. ولا يزال الناس يفرّون من الاضطهاد في راخين – لا بل هم مستعدّون لمواجهة الموت غرقًا بغية الهرب.

سيّدي الرئيس،

ذكرت ميانمار أكثر من مرّة أنّ السبب الجذريّ الكامن وراء الأزمة الحاليّة هو الهجوم المزعوم لجيش إنقاذ الروهينغيا أراكان على عدة مراكز للشرطة خلال العام الماضي. هذه الحقيقة مضلّلة. فدوّامة العنف والقيود المفروضة على حقوق الإنسان للروهينغيا تعود إلى ما قبل العام 2013، وهو العام المزعوم لإنشاء جيش إنقاذ الروهينغيا أراكان. ففي العامَيْن 1978 و1992، دفعت العمليّات العسكريّة حوالى 250,000 شخص من الروهينغيا إلى بنغلاديش، مع سقوط عدد غير معروف من القتلى والجرحى.

ومنذ العام 1978 أقلّه، تكثّفت الحملة المواكبة لتآكل شخصيّة الروهينغيا القانونيّة وحقوقهم، وبشكل مطّرد.

يدرك هذا المجلس أنّ قانون المواطنة للعام 1982 ينصّ على منح المواطنة بالدرجة الأولى على أساس العرق، ما ينتهك حظر التمييز العنصريّ – بما أنّه يمنع في الواقع الروهينغيا من الحصول على الجنسيّة، وقد تمتّعوا بها بموجب التشريعات السابقة. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، فرضت ميانمار على الروهينغيا أن يحصلوا على موافقة مسؤولي الهجرة في حال رغبوا في الزواج؛ كما فرضت سياسة الطفلَيْن على الأسر من الروهينغيا؛ ولم تشملهم في آخر تعداد وطني. وفي موازاة ذلك، بقيت حقوق الروهينغيا الأساسية، بما في ذلك الحقّ في حريّة التنقل والدين والصحّة والتعليم والوصول إلى سبل العيش، مقيّدة بشكل متزايد ومنتظم على مر الزمن.

وقام العديد من أنظمة تحديد الهويّة المتتالية بحجب الجنسيّة عن مجتمع الروهينغيا أو بسحبها منه، ما أدى إلى استمرار انعدام الجنسيّة عندهم. ففي العام 1989، سلّم مجتمع الروهينغيا بطاقات التسجيل الوطنيّة التي كان يحملها منذ العام 1951، إلاّ أنّ "بطاقات إثبات الجنسيّة" الموعود بها لم تصدر بعد. وفي العام 1995، حصل مجتمع الروهينغيا على شهادات تسجيل مؤقّتة تمنحه حقوقًا محدّدة، بما في ذلك حق التصويت، ولكنه لم يُمنح صراحةً الجنسيّة. ولكن، في العام 2015، ومع اقتراب موعد الانتخابات الوطنيّة، أُلغِيَت شهادات التسجيل المؤقتة، ما حرم حوالى 800,000 شخص يحملها، ومعظمهم من الروهينغيا، من حقّ التصويت.

وأحدَثُ شكل من أشكال الوثائق المطلوبة من الروهينغيا بطاقة التحقّق الوطنيّة. وتحتلّ حاليًّا محور المناقشة المحيطة بوضع الروهينغيا في ميانمار. فبطاقة التحقّق الوطنيّة لا تمنح الجنسيّة، بل تفيد بأنّه "يجدر بحاملها أن يتقدّم بطلب للحصول على الجنسيّة" بموجب قانون الجنسيّة الصادر في العام 1982. وقد اعتبرت حكومة ميانمار هذه العمليّة "الخطوة الأولى نحو المواطنة" - وهي العبارة نفسها المستَخدَمة في السابق لوصف شهادات التسجيل المؤقتة التي لم يعد لها اليوم أيّ وجود. ولكن في الواقع ، تؤكّد بطاقة التحقّق الوطنيّة أنّ الروهينغيا من غير المواطنين، محافظةً على وصف الحكومة لهم بأنّهم أجانب مقيمين على أرضهم.

وذكر العديد من اللاجئين الذين قابلهم موظفو مكتبنا أنّ الكثير من ضغوط لا يمكن تحمّلها قد مورِسَت عليهم كي يقبلوا ببطاقة التحقّق الوطنيّة. وأشار رجل إلى أنّ السلطات قيّدته وضربته كي يقبل البطاقة لكنّه رفضها. فاقتيدت ابنته إلى جهة مجهولة، واختفى أثرها منذ ذلك الحين، ففر إلى بنغلاديش. وأخبر رجل آخر أن قوّات الأمن اختطفت ابنه واحتجزته كرهينة كي تجبره على إقناع الروهينغيا الآخرين في قريته بقبول بطاقة التحقّق الوطنيّة. ويصف الوافدون الجدد بأن القرويّين يجبرون على قبول البطاقة تحت تهديد السلاح. وأخبرنا أحد اللاجئين قبل بضعة أيام أنّه لا يمكن للروهينغيا البقاء بعد اليوم في راخين، إلاّ في حال قبلوا بطاقة التحقّق الوطنيّة.

سيّدى الرئيس،

لن يقاس صدق ميانمار في ما يتعلّق بعمليّة الإعادة إلى الوطن بعدد الاتّفاقات التي تبرمها ولا اللجان التي تنشئها، ولكن من خلال اعترافها بأنّ الروهينغيا هم فعلاً من المواطنين، ويتمتّعون بنفس الحقوق التي يتمتع بها المواطنون الآخرون، بما في ذلك الحق في الحياة والأمن الشخصيّ. ومن سمات النيّة الحقيقيّة لإنشاء مثل هذه الحقوق، منح الجنسيّة لحوالى 120,000 نازح داخليّ، معظمهم من الروهينغيا، احتُجزوا في معسكرات في وسط راخين منذ الهجمات العنيفة التي وقعت في العام 2012، ويجدر السماح لهم بالعودة بأمان إلى مدنهم وقراهم.

سيّدي الرئيس،

أعلنت ميانمار، في شهر أيّار/ مايو، عن إنشاء "لجنة تحقيق مستقلّة" "تنظر في انتهاكات حقوق الإنسان وقضايا أخرى ذات الصلة، عقب الهجمات الإرهابيّة التي قام بها جيش إنقاذ الروهينغيا أراكان. وقد تم الإعلان عن إنشائها بعدما زار مجلس الأمن ميانمار وبنغلادش، وبعدما أعلنت المحكمة الجنائيّة الدوليّة أنها تدرس إمكانية التحقيق في جرائم ضد الإنسانية.

من عادة ميانمار أن تعتمد نمط التبرئة بعد التحقيق، حتّى عقب المواجهات العنيفة التي دارت في العامَين 2012 و2016. وقد تنصّل الجيش من تحمل مسؤوليّة العنف الذي وقع العام الماضي - ولم يعترف إلاّ بمسؤوليّته عن المجزرة التي وقعت في قرية إن دين، بعدما واجهته وكالة رويترز بأدلة قاطعة لا تقبل الجدل. وتشير كل الأسباب إلى أنّ أيّ تحقيق داخليّ آخر سيسعى مرّة جديدة إلى تبرئة الجرائم الفظيعة التي وقعت، ما يمهّد الطريق أمام موجة جديدة من العنف في المستقبل.

يجدر بميانمار أن تدرك أنّ المجتمع الدولي لن ينسى الاعتداءات التي ارتُكِبت ضد الروهينغيا، ولن يعفي عن السياسيّين الذين يسعون إلى تغطيتها. ولضمان إجراء تحقيق موثوق به، يجب على الحكومة أن تمنح حقّ الوصول الفوري إلى المحققّين الدوليّين المستقلّين في مجال حقوق الإنسان، والمقرر الخاص الحالي، يانغي لي.

كما نحثّ مجلس الأمن على إحالة ميانمار فورًا إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة، لإجراء التحقيق اللازم في جميع الادّعاءات بارتكاب جرائم ضد الإنسانيّة وجرائم إبادة جماعيّة ضدّ الروهينغيا، وفي الادعاءات بارتكاب جرائم حرب ضدّ مجموعات عرقيّة أخرى مثل كاشين وشان.

ونطالب أيضًا بأن يوصي هذا المجلس الجمعيّة العامة بإنشاء آلية دوليّة جديدة ومحايدة ومستقلة، تكمّل عمل بعثة تقصي الحقائق، وتساهم في التحقيق الجنائيّ ضدّ الأفراد من الجناة. ويجدر بهذه الآلية أن تطور إطار عمل من شأنه أن يعيد إدماج الروهينغيا وغيرهم من الضحايا، وأن يوفّر الدعم الفوري والطويل الأمد للضحايا.

وعلى نطاق أوسع، نشجب، سيّدي الرئيس، الفشل في إدراج قضيّة الروهينغيا في مناقشات تطال مستقبلهم، وفشل العديد من أعضاء المجتمع الدوليّ المستمرّ في دعم حقّ هذا المجتمع في التعريف عن نفسه على أنّه من الروهينغيا. فرفض تسميته على هذا النحو، بما في ذلك في الوثائق الرسميّة والبيانات- وحتى أمام هذا المجلس – إنّما يضيف المزيد من عدم الاحترام للانتهاكات الفظيعة التي يتعرض لها.

شكرًا سيدي الرئيس.

اقرأوا هنا تقرير حقوق الإنسان الكامل الذي رُفِع إلى مجلس حقوق الإنسان.