Header image for news printout

إحاطة اللجنة المعنيّة بممارسة الشعب الفلسطينيّ لحقوقه غير القابلة للتصرف حول وضع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة بما في ذلك الأزمة المستمرّة في غزّة

بيان مفوّض الأمم المتّحدة الساميّ لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين

في 23 تمّوز/ يوليو 2018

حضرة الرئيس الكريم،
حضرة أعضاء اللجنة المحترمين،
أصحاب السعادة،

نودّ أن نعرب عن امتناننا الكبير للفرصة المتاحة أمامنا اليوم كي ننقل قلق مكتبنا حيال وضع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، بما في ذلك الوضع في قطاع غزّة المحتلّ الذي تدهور في خلال الأشهر الأخيرة تدهورًا كارثيًّا، مع إمكانيّة توليد مخاطر تهدّ السلام على النطاق الأوسع للمنطقة.

شهدنا خلال الأسبوعَيْن الماضيَيْن وفي مناسبتَيْن، أشدّ تبادل لإطلاق نار بين القوّات الإسرائيليّة ومجموعات مسلّحة في غزّة، وذلك منذ تصاعد الأعمال العدائيّة في العام 2014. ومنذ ثلاثة أيّام، أوشك مقتل جندي إسرائيل، ومقتل المدنيّين الفلسطينيّين الأربعة التي عقبه، على أن يؤدّي إلى اندلاع نزاع خطير. وخلال نهاية الأسبوع في 14 تمّوز/ يوليو، أطلقت قوّات الأمن الإسرائيليّة 28 غارة جويّة أقلّه قصفت أكثر من 50 صاروخًا؛ فقتَلت طفليَنْ فلسطينيَّيْن وجرحت 35 شخصًا. وفي مقابل ذلك، أطلقت مجموعات مسلّحة فلسطينيّة حوالى 185 صاروخًا وقذيفة هاون على إسرائيل، استهدف عدد منها جنوب إسرائيل، ما أدّى إلى جرح ثلاثة إسرائيليّين. كما أطلق الفلسطينيّون طائرات ورقيّة وبالونات حارقة. نذكّر كافة الأطراف أنّ القانون الإنسانيّ الدوليّ يحظّر أيّ استخدام للأسلحة غير متناسب وعشوائيّ يؤدّي إلى قتل المدنيّين وجرحهم.

أدّت الجهود التي بذلتها مصر والأمم المتّحدة إلى وقف إطلاق النار، ولكنّ الوضع لا يزال هشًّا إلى أقصى الحدود. أحث كافة الأطراف وأيّ طرف يمكنه أن يؤثّر على الوضع، على أن يبذل كلّ جهد ممكن من أجل تفادي الوقوع في دوّمة عنف وبؤس جديدة.

يعاني الفلسطينيّون المقيمون في غزّة بصورة منتظمة موجات من العنف تتضاعف حدّتها بسبب الأزمة الإنسانيّة الشديدة السائدة. فمعدّلات البطالة المرتفعة جدًّا والفقر المدقع، والبنى التحتيّة المتداعية، والتبعيّة الغذائيّة غير المسبوقة والآفاق السياسيّة القاتمة تولّد مجتمعةً حرمانًا هائلاً ومدمّرًا ومتعدّد الأوجه تسبّبت به بالكامل يد الإنسان ومن الممكن تفاديه والوقاية منه تمامًا.

تدرك اللجنة عمليّات القتل الأخيرة الصادمة التي وقعت خلال المظاهرات على طول السياج في غزّة. فقد قتلت قوات الأمن الإسرائيليّة في هذا السياق، أكثر من 100 فلسطينيّ، بما في ذلك 17 طفلاً منذ 30 آذار/ مارس من هذه السنة. وجرحت أكثر من 4100 شخص بالذخيرة الحيّة. وقرّرت جلسة خاصة عقدها مجلس حقوق الإنسان في 18 آذار/ مارس أن ترسل لجنة تحقيق مستقلّة دوليّة إلى الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة. ويساهم مكتبنا حاليًّا في إنشاء هذه اللجنة التي ستزوّد المجلس بآخر الأخبار حول أعمالها في أيلول/ سبتمبر، وترفع تقريرًا نهائيًّا خطيًّا في آذار/ مارس 2019.

من الضروريّ أنّ تتعاون السلطات مع اللجنة العتيدة من أجل تعزيز المساءلة عن عمليّات القتل هذه، بالإضافة إلى انتهاكات القانون الإنسانيّ الدوليّ والقانون الدوليّ لحقوق الإنسان المزعومة. فعلى الرغم من أن إسرائيل قد اعتمدت حاليًّا عددًا من آليّات المساءلة، تبرز مخاوف جديّة بسبب عدم امتثالها للمعايير الدوليّة للاستقلال والحياد والفعاليّة. فبالكاد أجرت التحقيقات؛ وفي الحالات النادرة التي أدّت فيها التحقيقات إلى إدانة، أتت الإدانة متساهلة للغاية مقارنةً مع فظاعة الجرم المرتَكَب.

ومن المهمّ أيضًا معالجة الأسباب الجذريّة الكامنة وراء التظاهرات الأخيرة – بما في ذلك الظروف المعيشيّة غير الملائمة والرهيبة التي فرضتها إسرائيل من خلال الاحتلال و11 سنة من الحصار على سكّان غزّة، ومعظمهم من اللاجئين. كما أنّ الإجراءات والقيود الإضافيّة التي فرضتها مصر مؤخّرًا أدّت إلى تدهور الأوضاع بشدّة. ونشير إلى أنّ الأوضاع قد تتفاقم أكثر بعد في الأشهر القليلة المقبلة، بسبب الأزمة الماليّة التي توجهها الأونروا – وهي "أشدّ خطورة بكثير وتهدّد بخفض البرامج بصرامة" أكثر من أيّ أزمة تمويل سابقة، على حدّ تعبير الأمين العام.

وقد يؤدّي اعتماد إسرائيل الأسبوع الفائت القانون الأساسيّ للدولة القوميّة – الذي يكرّس تمييزًا متأصّلاً ضدّ المجتمعات غير اليهوديّة، لا سيّما المواطنين العرب في إسرائيل وسكّان القدس الشرقيّة المحتلّة – إلى المزيد من التوتّر المحتدم.

أصحاب السعادة،

تستمرّ الموافقة على المستوطنات الإسرائيليّة والتخطيط لها وبناؤها بلا هوادة في الضفّة الغربيّة المحتلّة، بما في ذلك في القدس الشرقيّة. ومنذ بداية العام 2018، بلغت هجمات المستوطنين على الفلسطينيّين أوجها، فسجّلت أعلى معدّل شهري لها منذ ثلاث سنوات. وعلى الرغم من أنّ عمليّات الهدم والتشريد القصري في الضفّة الغربيّة والقدس الشرقيّة انخفضت عن أعلى معدّل سجّلته السنة الماضية، إلا أنّ الأشهر الـ12 السابقة شهدت تدمير 366 مبنى في الضفّة الغربيّة وحدها – بما في ذلك 11 مدرسة – كما سجّلت الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من عمليّات الهدم في الضفّة الغربيّة المحتلّة. ومنذ الأوّل من تمّوز/ يوليو، تمّ هدم 51 مبنى، ما أدّى إلى تشريد 100 فلسطينيّ، بما في ذلك 55 طفلاً، وإلى التأثير على 350 آخرين. وتجدر الإشارة إلى أنّ 19 مبنى دُمِّر في مجتمع البدو الفلسطينيّ أبو نوّار، ما أدّى إلى نزوح أكثر من 50 شخصًا، بما في ذلك 33 طفلاً. وقد شهد أيضًا العديد من مناطق القدس الشرقيّة ارتفاعًا في حدّة أعمال الهدم، بما في ذلك الهدم الذاتيّ. 1

ومن أكثر الأوضاع المثيرة للقلق الوضع في خان الأحمر - أبو الحلو – وهو أحد المجتمعات الفلسطينيّة البدويّة المهدّدة بالنقل القسريّ في الضفّة الغربيّة، وأحد المجتمعات 18 في المنطقة المعروفة بهاء 1 (E1) التي تنوي السلطات الإسرائيليّة أن تستخدمها من أجل ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس الشرقيّة.

كما شهدت الأشهر الأخيرة تدهورًا شاملاً لشروط عيش الفلسطينيّين المقيمين في منطقة خاء 2 (H2) في الخليل. فزيادة القيود على التنقّل والحركة، والتهديدات التي يمارسها يوميًّا الجنود عند نقاط التفتيش، والعنف والمضايقات التي يمارسها المستوطنون يؤدّي إلى تفاقم البيئة القسريّة القائمة أصلاً، ما يدفع الأفراد والمجتمعات إلى ترك أمكان إقامتهم رغمًا عنهم. وفي هذا السياق، نودّ أن نشدّد على أنّ نقل السلطة المحتلّة الأفراد والمجتمعات يشكّل انتهاكًا خطيرًا لاتّفاقيّة جنيف الرابعة.

ممّا لا شكّ فيه أنّ هذه اللجنة تتذكّر فتوى محكمة العدل الدوليّة في العام 2004 المتعلّقة بجدار الفصل والنظام المرتبط به الذي يضمّ المستوطنات ويتوسّع بها في الضفّة الغربيّة. وقد اعتبرت المحكمة أنّ الجدار ينتهك القانون العرفيّ الدوليّ في العديد من جوانبه، بما في ذلك الحقّ في تقرير المصير، وغيره من الحقوق الأساسيّة على غرار حريّة التنقّل، والحقّ في العمل والصحّة والتعليم وشروط العيش اللائق. كما ذكّرت الفتوى إسرائيل بالتزامها إنهاء الوضع غير الشرعيّ، وذكّرت الدول بضرورة مواجهة الكافة في هذا الصدد.

أصحاب السعادة،

احتجزت إسرائيل مئات الأطفال الفلسطينيّين – البعض منهم من دون تهمة، بموجب النظام المعروف بـ"الاحتجاز الإداريّ"، ما يشكّل انتهاكًا لحقوق الإنسان الأساسيّة. ولا بدّ من أن يكون من الواضح تمامًا للجميع أنّ القانون الدوليّ لا يسمح باحتجاز الأطفال إلاّ كحلّ أخير. ويتعارض احتجاز الأطفال كما البالغين، من دون محاكمة، وعلى أساس أدلّة غالبًا ما تبقى سريّة، ولمدّة تتجدّد إلى ما لا نهاية بأوامر الاحتجاز الإداريّ، مع التزامات إسرائيل بموجب القانون الدوليّ، ولا بدّ من وضع حدّ له. وتشير التقديرات الأخيرة إلى أنّ 440 فلسطينيًّا محتجزًا بموجب "الاحتجاز المؤقّت"؛ على إسرائيل أنّ تدينهم فورًا أو أن تطلق سراحهم جميعهم فورًا.

تقلقنا عمليّات التوقيف والاحتجاز التعسّفيّة لنشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان من قبل السلطات الإسرائيليّة، مع محاولتها تقويض عمل المدافعين عن حقوق الإنسان والمجتمع المدنيّ وتقييده. فالتشريعات المعتَمَدة والمقترحة تسميّ المنظّمات المعنيّة بحقوق الإنسان حصرًا وتفرض عليها المزيد من القيود. كما تفرض المزيد من القيود الإداريّة على أعمالها. وتقوّض مصادر التمويل من خلال إطلاق حملات تهدف إلى نزع شرعيّة المنظّمات العاملة من أجل تحصيل حقوق الفلسطينيّين. ويتمّ توقيف المدافعين عن حقوق الإنسان، وتهديدهم، كما تُستَهدف مجموعات، من ضمنها منظّمات إسرائيليّة ومنظّمات يهوديّة أجنبيّة، لدفاعها عن حقوق الإنسان للفلسطينيّين.

ويساونا قلق كبير أيضًا حيال القيود التي تفرضها السلطة الفلسطينيّة على المجتمع المدنيّ.

فهذه الهجمات على الحقوق الأساسيّة تقضي على الثقة في المؤسّسات؛ وتدمّر الهيكليّات الاجتماعيّة التي تعزّز حلّ النزاعات سلميًا؛ وتولّد قنبلة موقوتة قد تؤدّي إلى عواقب وخيمة لا يمكن توقّعها إذا ما انفجرت.

ولكن، وقبل كلّ شيء، تدرك هذه اللجنة تمامًا أنّه لا يمكن إحلال سلام دائم، وتهيئة الظروف المؤاتية لاحترام حقوق الإنسان بالكامل، واحترام كلّ طرف الإنسانيّة والمساواة للطرف الآخر إلاّ عبر إنهاء الاحتلال. تقع على كاهل كافة الدول مسؤوليّة تحقيق هذا الأمل – الذي طال انتظاره وطال الحرمان منه.

__________________

1/ إنّ أنظمة التخطيط وتقسيم المناطق الإسرائيليّة في الضفّة الغربيّة تجعل من المستحيل على الأسر الفلسطينيّة الحصول على رخص بناء، وعند عدم الحصول على رخصة، قد تُجبر الأسرة على تدمير المبنى بنفسها لتفادي تسديد كلفة الهدم الرسميّة بالإضافة إلى الغرامة المفروضة.