Header image for news printout

حقوق الإنسان في عصر جديد

كلمة مفوّضة الأمم المتّحدة الساميّة لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت في جامعة جنيف

في 14 تشرين الثانيّ/ نوفمبر 2018

مساء الخير،

يسعدنا أن نشارك في هذا الأسبوع الرائع من أحداث تسعى إلى إيجاد أجوبة عن أسئلة تحدّد أوقاتنا.

يطرح برنامج أسبوع حقوق الإنسان هذا عددًا من مواضيع لا بدّ لمجتمع حقوق الإنسان بأكمله من أن يتناولها ويعالجها، في ظلّ اشتداد التركّز على العالم الرقميّ الجديد من حولنا.

هل يمكن حريّات التعبير والإعلام والفكر والمعتقد أن تستمرّ في عصر يسمح للشركات والدول بأن تراقب الناس مراقبة شاملة وكاملة؟ هل نحتاج إلى أدوات جديدة تضمن أنّ العمليات التي تحركها الآلات تدعم المساواة بين البشر وتعزّز كرامتهم؟

هل توفر لنا التكنولوجيا الرقميّة أملاً جديدًا لإعمال حقوق الإنسان - أم أنّ الأوان قد فات؟

لن نتظاهر بأن الإجابة سهلة عن هذه التساؤلات.

كلّنا ثقة بأنّ الجميع يدرك الفوائد الهائلة التي يوفرها عصرنا الرقميّ في كلّ مجالات الحياة.

وليس مجال حقوق الإنسان باستثناء. فوسائل التواصل الاجتماعيّ والأدوات المتوفّرة الأخرى، على غرار الاتّصالات المشفّرة، تساعد حركات المدافعين عن حقوق الإنسان على التواصل والتنامي. كما يمكن مسؤولو حقوق الإنسان أن يجمعوا المعلومات من مصادر وسائل التواصل الاجتماعيّ، بالإضافة إلى دعم التحقيقات في مجال حقوق الإنسان أو إكمالها، عبر استخدام صور الأقمار الصناعيّة والاتّصالات المشفرة، بهدف ضمان عمليّات أفضل للرصد والتحقيق والتحليل.

لقد تم تطوير مجموعة واسعة من التطبيقات تساعد المحقّقين على التأكّد من أنّ المعلومات التي يجمعونها صحيحة ودقيقة. كما يساهم العديد من هذه الأدوات في حفظ المواد الأساسية وتخزينها ونقلها إلى مخازن بيانات آمنة، بهدف استخدامها المحتمل في التحقيق مع مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان أو ملاحقتهم قضائيًّا، في حين أنّ أدوات رقميّة أخرى تساعد المحقّقين في التعرّف على الأنماط التي تعكسها البيانات، ويمكن مطابقتها مع مجموعات المعلومات الأخرى المفتوحة المصدر.

وقد ساهم هذا النوع من العمل في معرفة ما حدث للأشخاص المفقودين؛ وفي التعرف على ضحايا عمليّات القتل الجماعيّ أو الضحايا المدفونين في مقابر جماعيّة؛ كما قدّم معلومات عن أنماط التعذيب أو انتهاكات أخرى ارتُكِبَت في مواقع محددة، وتُعزى إلى وحدات عسكريّة محدّدة أو حتّى إلى أفراد معيّنين.

ففي كوسوفو1 وفي البوسنة والهرسك مثلًا، قامت اللجنة الدوليّة المعنيّة بالأشخاص المفقودين بتخزين الأدلّة الجنائيّة من رفات الموتى وبمطابقتها مع أفراد أسر المفقودين للمساعدة في تحديد المفقودين وإعادة بناء مسارح الجريمة والمخطّط الزمنيّ ذات الصلة.

وفي ما يتعلق بسوريا، تجري حاليًّا عمليات عدّة تهدف إلى ردم الهوّة بين تقصي الحقائق في مجال حقوق الإنسان وإجراءات العدالة الجنائيّة المحتملة، من خلال جمع البيانات الخاصة بحالات الاختفاء والانتهاكات الأخرى والتدقيق فيها.

ونتائج هذا العمل لا تُقدَّر بثمن بالنسبة إلى أسر المفقودين؛ وفي بعض الحالات بالنسبة إلى الضحايا أنفسهم؛ وبالنسبة إلى عمل المدّعين العامّين أو لجان تقصّي الحقائق وغيرها من آليات المساءلة الأخرى.

وتعمل مفوضيّتنا بالتعاون مع مجموعات محدّدة، مثل مختبر الأبحاث الخاص بحقوق الإنسان في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، الذي يساعد على تحليل كميّات هائلة من المواد المفتوحة المصدر الخاصة بميانمار وسوريا. كما بادر المختبر إلى إعداد المبادئ التوجيهيّة الخاصة بالتحقيقات المفتوحة المصدر، بهدف تعزيز جودة الأدلة التي تم جمعها عبر الإنترنت، فتصبح مفيدة، لا للتحقيقات المتعلّقة بحقوق الإنسان فحسب، بل أيضًا للملاحقات الجنائيّة - بما في ذلك على مستوى المحكمة الجنائيّة الدوليّة.

ويمكن الأدوات الرقميّة أن تساهم أيضًا في إطلاق إنذارات مبكرة. فارتفاع حدّة خطابات الكراهية وغيرها من المؤشرات الإلكترونيّة الأخرى للتوترات المتصاعدة، يشكّل إنذارًا مهمًّا لاندلاع أعمال عنف وشيكة. ومن خلال مراقبة هذه الجوانب، والتصرف السريع، يمكننا أن نأمل في منع العنف.

ولا تتوقف مساهماتُ الأنظمة الرقميّة في عملنا عند هذا الحد. فقد استُخدِم تدفق البيانات الجديدة من أجل تتبّع الإتّجار بالبشر واستغلالهم واعتراض الشبكات المعنيّة، كما سلّط الضوء على عناصر تشير إلى أشكال الرق المعاصر على مستوى سلاسل التوريد التجاريّة.

ونذكّر بأنّ العاملين في مجال حقوق الإنسان لا يستخدمون الأدوات الرقميّة للكشف عن الانتهاكات فحسب، بل يستخدمون هذه المعرفة لمنع وقوع المزيد من الانتهاكات.

لذا، ولأسباب متعدّدة أخرى، فإن الأدوات الرقميّة هي صديقتنا وحليفتنا في الدفاع عن حقوق الناس.

ولكن تتجلّى بصورة متزايدة جوانب مظلمة للعالم الرقميّ.

لقد أمسى الإنترنت مجالًا يهدّد المدافعين عن حقوق الإنسان، حيث يتعرض الأشخاص أكثر فأكثر للاعتداء أو سوء المعاملة على يد جهات خاصة، لمجرّد دعمهم حقوق الإنسان على شبكة الإنترنت. والمرأة أكثر من يعاني وبشكل غير متناسب من حملات التصيد المسيئة التي تعرّضها أيضًا إلى هجمات جسديّة في العالم الحقيقيّ. وفي دراسة أجراها الاتّحاد البرلمانيّ الدوليّ في 45 دولة أوروبيّة، أشارت 47 في المائة من النساء الأعضاء في البرلمان – نعم الأعضاء في البرلمان! – إلى أنّهنّ استُهدفن على وسائل التواصل الاجتماعيّ بتهديدات بالقتل أو الاغتصاب أو العنف.

كما أنّ الحكومات في المناطق المختلفة تلجأ إلى أدوات المراقبة الرقميّة كي تتعقّب وتستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان والأشخاص الذين يُعتَبَرون من المنتقدين - بمن فيهم المحامون والصحفيّون والناشطون في مجال حقوق الأرض أو البيئة، والأشخاص الذين يدعمون المساواة لأعضاء مجتمع المثليّين والمثليّات ومغايري الهويّة الجنسانيّة وحاملي صفات الجنسَيْن.

وفي العديد من الحالات، يبلغ استخدام التكنولوجيا الرقميّة بهدف المراقبة المكثّفة والواسعة المدى حدًا ينتهك جليًّا الحقّ في الخصوصيّة وغيرها من الحقوق، نظرًا إلى نطاقه وطبيعته. وقد كرّر المقرّر الخاص المعني بحريّة التعبير أكثر من مرّة أنّ التكنولوجيا الرقميّة، بما فيها البرمجيّات الخبيثة وبرمجيّات التجسس "تقدم للحكومات قدرات غير مسبوقة تمكّنها من انتهاك حقوق حريّة الرأي والتعبير".

وتغذّي سلسلة واسعة من إجراءات المراقبة، والمراقبة عبر الإنترنت، وجمع البيانات – على غرار سجل التصفّح؛ وسجلّ الشراء؛ وسجلّ البحث؛ وبيانات الموقع؛ والبيانات الماليّة؛ والبيانات الصحيّة؛ وما إلى ذلك من معلومات أخرى – مصارف بيانات ضخمة حول كلّ امرأة ورجل وطفل. ولا نقصد كلّ من يُعتَبَر ناقدًا أو ناشطًا، ولا حتى كل مستخدم للإنترنت، بل نعني بكلّ بساطة: الجميع.

وقد تتضمن مصارف البيانات هذه نماذج مفصّلة عن آرائنا، وطبيعة علاقاتنا، وخلفيتنا الاجتماعيّة، ومعلوماتنا الطبيّة، ووضعنا الماليّ وما إلى ذلك. ويمكن مجموعةٌ من العمليّات الرقميّة أن تفرزها وتعالجها وتقيّمها لأيّ سبب من الأسباب – ومن دون أيّ مساءلة؛ ومن دون إشراف ملائم على النتائج؛ حتى من دون علمنا بذلك أو بأنّ مصارف البيانات هذه موجودة أصلاً.

واليوم، وانطلاقًا ممّا يُعرَف بعمل الشرطة "التنبئيّ" وصولاً إلى إصدار الأحكام الجنائيّة، يعمل الطبّ، والشؤون الماليّة، وجوانب الحماية الاجتماعيّة الأساسيّة، وعمليات تحرّكها الآلات، على إصدار توقّعات بشأن سلوك الناس وإصدار قرارات تؤثّر تأثيرًا هائلًا على حياتهم.

إلى أيّ مدى هذه النتائج موثوقة؟ ليس كثيرًا. فالأنظمة المعتَمَدة بجودة البيانات التي يتم تلقيمها بها، وغالبًا ما تكون هذه البيانات بحد ذاتها معيوبة. وفي العديد من الحالات، تظهر التنبؤات القائمة على الذكاء الاصطناعي تعسّفيّة وغير عادلة، بالإضافة إلى تفاقم التمييز المنهجيّ المتجذّر في المجتمع. ويمكن تفادي هذه النتائج، ولكنّها في الواقع تتحقّق – وستتسارع وتيرتها وحدّتها في حال لم نتصرّف.

هل من مراقبة ملائمة وشفافية كافية تُطبّقان عند استخدام هذه البيانات الضخمة؟ كلاّ.

ومن جهة أخرى، يطرح استخدام الذكاء الاصطناعيّ والبيانات الضخمة أسئلة جديدة وأساسيّة حول المسؤوليّة. فعلى الرغم من أن الدولة هي دومًا الجهة الأساسيّة في دعم حقوق الإنسان، إلا أنّ الشركات الخاصة هي المسؤولة عن تصميم الأدوات التي تجمع البيانات وتُجري المراقبة وعن تصنيعها - بالإضافة إلى صيانة الخوادم حيث تُخَزَّن هذه المعلومات، مع العلم أنّ ملكيّتها تعود إلى الشركات الخاصة. نعود لاحقًا إلى هذه النقطة بشأن دور القطاع الخاص الأساسيّ في هذا المجال، ولكن تجدر الإشارة إليه في هذا الموضع أيضًا.

والأهم بعد هو معرفة إن كانت أغراض هذه الأنظمة حميدة.

ففي بعض البلدان، تُجْمَع كميّات هائلة من البيانات من خلال المراقبة، وتُستخدم لتحديد درجة شخصيّة تُعتَمَد لمنح الأشخاص الوصول إلى الفرص والخدمات أو لمنعه. قد تشبه هذه العمليّة استخدام سجلّ الائتمان في حالات أخرى. ولكن هل يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ؟ لقد شهدنا على المستوى العالميّ، أنّ البيانات تكتسب حياة خاصة بها بمجرّد جمعها - ويمكن استخدامها لأغراض متعدّدة تتجاوز الغرض الأساسيّ أو المُعلَن.

ويقطع هذا التفاعل بين الذكاء الاصطناعيّ وتراكم البيانات حول شخصيّتنا وخياراتنا خطوة إضافيّة بعد، عندما تستخدمه جهات فاعلة خاصة أو عامة لتتلاعب بأفكارنا فتغيّر خياراتنا.

والأمر حقيقة وليس من نسج الخيال. سواء أفي الانتخابات الرئاسيّة التي جرت في الولايات المتّحدة أم الاستفتاء الخاص بخروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبيّ، أم الانتخابات الأخيرة في البرازيل وكينيا، حيث تمت المشاركة مشاركة واسعة النطاق في استطلاعات رأي مزيّفة، ونشر معلومات مضلّلة، ترد تقارير متزايدة حول استخدام البوتات وحملات التضليل على وسائل التواصل الاجتماعيّ للتأثير على آراء الناخبين الفرديّين وخياراتهم.

لربما تعتبرون أنّ هذا الواقع لا ينطبق علينا: فنحن أذكى من أن نتأثّر بمجموعة من البوتات. لكنّنا صراحةً نشكّ في الموضوع. فالإنترنت يصبح أكثر فأكثر ساحة تتفاعل فيها قوى متطوّرة جدًّا أحيانًا للترويج - سواء من قبل حركات التطرف العنيف، أو جهات خاصة أو حتى سلطات عامة وذلك لأغراض سياسيّة.

وفي سياقات مماثلة، ألا يمكننا أن نشكّ في أن حريتنا في التفكير، والإيمان، والتعبير عن أفكارنا، واتّخاذ خياراتنا والعيش كما نرغب، هي في دائرة الخطر؟

إذا كان من الممكن للأدوات الرقميّة أن تتنبّأ بأفكارنا، وخواطرنا وعلاقاتنا وأن تغيّرها حتّى من خلال البرامج الرقميّة، فإنّ ذلك يطرح بعض الأسئلة الأساسيّة والصعبة حول مستقبلنا.

فلنكن أكثر تحديدًا ونقول إنّ هذه الأسئلة تعني مستقبلكم أنتم.

أنتم أكبر جيل من الشباب شهده العالم يومًا، وتبلغون سنّ الرشد عند مفترق طرق حاسم بالنسبة إلى البشريّة.

وخلال السنوات الـ12 المقبلة، يمكن المجتمع الدوليّ أن يقضي على الفقر المدقع والجوع، وأن يضمن تنمية أوسع نطاقًا وأكثر شمولًا وأن يوجّه الأرض نحو سلام أكبر وعدالة أكبر وأقل ضررًا بكثير.

ولكن إن أردنا أن نحقّق الخطّة المفصّلة التي وضعتها خطة التنمية المستدامة للعام 2030 – وأن ننشئ عالمًا أكثر سلامًا واستدامة وعادلة وازدهارًا للجميع – لا بدّ لنا من أن ندعم حقوق الإنسان في جميع المجالات، بما في ذلك في العالم الرقميّ.

هل من خريطة يمكن أن ترشدنا أثناء استكشافنا حدود هذا المجال الجديد، وتقييم النتائج غير المتوقّعة للأنظمة الرقميّة في كل مسعى من مساعي البشريّة؟

أكيد.

لدينا بوصلة ترشدنا عندما يسود الشكّ وعدم اليقين. فالمبادئ المتجذّرة يمكنها أن تقود خطانا عندما نسعى إلى تقييم كلّ مجهول، والتخفيف من آثاره وإدارته حتّى.

وفي عالم تطغى عليه العولمة، نحتاج إلى حلول عالميّة. فمنذ اعتماد الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان قبل 70 عامًا، تم بناء إطار قويّ من القوانين والمؤسّسات الدوليّة المعنيّة بحقوق الإنسان تحفظ كرامة الجميع وحقوقهم.

وتدقّق المؤسسات الدوليّة والإقليميّة، بدعم من معاهدات مُلزِمَة، في ممارسات الدول، وغيرها من الجهات الفاعلة الأساسيّة في مجال حقوق الإنسان. ومقاربتها عابرة للحدود بطبيعتها، كما تُطلِق وتشغّل عمليّات مقبولة على نطاق واسع، تهدف إلى توجيه السياسات والقوانين.

وتسلّط مقاربة حقوق الإنسان الضوء على جوانب لا يمكن التنبّه لها من دونها، بما في ذلك تأثير السياسات غير المتناسب على مجموعات محدّدة، من حيث تعميق التمييز وعدم المساواة مثلاً، أو من حيث الحق في الخصوصيّة أو الحق في حريّة التعبير.

وما يكتسي أهميّة كبرى بالنسبة إلى القضايا الرقميّة اليوم، هو أن مؤسسات حقوق الإنسان تضمّ مجموعة هائلة من أصحاب الخبرات تساند الحكومات كي تضمن أن يتصرّف القطاع الخاص بمسؤوليّة في تعزيز الحقوق - وفي توفير الانتصاف عندما تتسبّب منتجاته أو خدماته بوقوع انتهاكات.

وتنصّ مبادئ الأمم المتّحدة التوجيهيّة بشأن الأعمال التجاريّة وحقوق الإنسان على معيار عالميّ مُلزِم للتعامل مع تأثير النشاط التجاريّ على حقوق الإنسان، ويجدر تطبيقه بكلّ حزم عند تطوير الأنظمة الرقميّة ونشرها وتشغيلها. فهو يبرز بكلّ وضوح أنّه على الحكومات أن تتّخذ الخطوات المناسبة لتمنع انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها القطاع الخاص، وتحقّق فيها وتعاقب عليها وتومّن سبل الانتصاف المناسبة لها.

ويتجلّى العديد من الأمثلة الممتازة عن إرشادات وتوجيهات تمّ تفصيلها لمساعدة أطراف محدّدين، على غرار مبادئ وتوجيهات مبادرة الشبكة العالمية، وحوار قطاع الاتّصالات، وتوجيه قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات في الاتّحاد الأوروبيّ. ولا بدّ من صقل هذه المبادرات وتحسينها، وإطلاق المزيد من أدوات التوجيه الجديدة على مستوى القطاعات الأخرى – انطلاقًا من قطاع الصحّة وصولاً إلى القطاع الماليّ، مرورًا بمصنّعي الروبوتات، والسيارات الذاتيّة التحكّم، وقطاعات الذكاء الاصطناعيّ الأخرى.

ويشكّل مشروع الانتصاف والمساءلة الذي أعدّته مفوّضيّتنا أداة رئيسة تجعل مبادئ التوجيه أكثر قابليّة للتنفيذ.

كما تتضمّن خطة عمل الرباط - التي تتناول الفصل بين حريّة التعبير والتحريض على الكراهية – حدًّا أدنى من الاختبارات والتوصيات، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بوسائل التواصل الاجتماعيّ والكثير من جوانب العالم الرقميّ الأخرى.

ونعتبر أنّ هذه الدقّة، والخبرة، والنطاق العابر للحدود، والأسس القانونيّة المتينة هي عناصر أساسيّة يجب أن نعتمد عليها عندما نغوص أكثر فأكثر في العالم الرقميّ.

بعبارة أخرى، ستكون إحدى المهام الكبرى لمجتمع حقوق الإنسان في السنوات القليلة المقبلة، أن يضمن استمرار تطبيق حقوق الإنسان في ظلّ طريقة عمل الدول في عصرنا الرقميّ، وتنظيمها أنشطة الشركات في العالم الرقميّ.

والقانون أداة واضحة ودقيقة. وعندما نواجه أوضاعًا يسودها الشكّ وعدم اليقين والتهديدات، ما نحتاج إليه فعلًا هو الوضوح المبنيّ على مبادئ مقبولة عالميًّا.

فإطار عمل القوانين والمؤسسات الدوليّة لحقوق الإنسان يحدّد الواجبات والمسؤوليّات - ويمكنه أن يساهم في إرشاد متين وقيّم فيكمّل ما قد يكون اعتبارات أخلاقيّة ذاتيّة.

كما يوفر هيكليّة عمليّات متطورة من أجل إعداد القواعد وتصميمها، والتداول بها، وحتى إنفاذها.

لذا علينا أن نعمل معًا - محامو حقوق الإنسان والخبراء والمهندسون في مجال المعلوماتيّة، وممثّلو الشركات والهيئات الحكوميّة والحكوميّة الدوليّة – كي نُعدّ منهجيّات لتقييم أثر العالم الرقميّ على حقوق الإنسان، وأنظمة أخرى للتحليل والتوجيه، يمكنها أن تلبّي متطلبات محدّدة للأنظمة الرقميّة.

تتجلّى اليوم هوّة هائلة بين هذه المجتمعات. وعلينا أن نفتح اتّصالاتنا ونوضح لجميع الأطراف المعنيّين أنّ قانون حقوق الإنسان أساسيّ بالنسبة إلى العالم الرقميّ – كما أنّ تطوّر العالم الرقميّ مهم للغاية بالنسبة إلى حقوق الإنسان.

وقبل كل شيء، يجب أن يشكّل واجب حماية حقوق الإنسان أولويّة واضحة لجميع الأطراف المعنيّين – أي الدول والمطورين والعلماء والمستثمرين وقطاع الأعمال والمجتمع المدنيّ.

كما يجب أن يشكّل أوليّة واضحة لكم. علينا أن نكون قادرين على الاعتماد على قوة الشباب المبتكرة والجامعة.

يمكننا أن نحوّل هذه الحاجة الملحّة والواضحة لمزيد من القواعد القائمة على المبادئ في العالم الرقميّ، إلى فرصة لتمكين الشباب من المساهمة في التوصّل إلى حلول حقيقيّة.

ففي الكثير من الأحيان، يتم استبعاد الشباب عن عمليّة صنع القرار: فهم لا يدعَوْن حتى إلى طاولة صنع القرار. وممّا لا شكّ فيه هو أنّ المواضيع التي نناقشها هنا تحتاج إلى صوتكم ومساعدتكم.

لذا أحثّكم على الوقوف والدفاع عن حقوق الإنسان، والمشاركة في مناصرة حلول مسؤولة قائمة على حقوق الإنسان في مواجهة تحدّيات هذا العصر الجديد.

ونتطّلع لسماع أصواتكم وأفكاركم.

وشكرًا.

________________

1/ بحسب ما نصّ عليه قرار مجلس أمن الأمم المتّحدة رقم 1244