Header image for news printout

اللجنة التابعة للأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا: يجب عدم تقويض احترام سيادة القانون والحقوق الأساسية بسبب المنفعة السياسية أو التضحية بها لاعتبارات أمنية

بالإنكليزية

نيويورك، 9 أيار/مايو 2019 – تلاحظ لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية ببالغ القلق  أن عشرات الآلاف من المدنيين الذين شرّدتهم المعارك الأخيرة للاستيلاء على آخر الجيوب لما يسمى "الدولة الإسلامية" في شرق سوريا، يقبعون في مخيمات مؤقتة. وبينما يتم اعتقال العديد منهم ويخضعون لعملية تدقيق أمني من قبل قوات سوريا الديمقراطية، فإن آخرين، بما في ذلك عائلات مقاتلي داعش، يتخبطون بشكل منفصل - في متاهة قانونية - حيث ترفض بلدانهم الأصلية إعادتهم إلى الوطن. ويعاني جميع الأفراد المحتجزين من ظروف مروعة وغير إنسانية في ما يتصل بالمأوى والصحة والنظافة.

وحتمًا، أدى ذلك إلى وفيات كان يمكن تجنبها، ويعزى ذلك في المقام الأول إلى عدم وجود مساعدة إنسانية ملائمة إلى جانب الإصابات غير المعالجة المتصلة بالنزاع و/أو اعتلال الصحة الناتج عن شهور من القصف المستمر. وتفيد التقارير أن ما يصل إلى 240 طفلاً قد لقوا حتفهم بالفعل بسبب سوء التغذية أو الجروح المتقيحة غير المعالجة.

ويبدو أن هذا الوضع الذي لا يمكن تحمله هو نتيجة عدم جهوزية قوات سوريا الديمقراطية وشركائها في التحالف الدولي لاستقبال الأعداد الكبيرة من النازحين داخلياً الذين خرجوا من المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في شرق سوريا. ولكن هذه ليست المرة الأولى. ففي شباط/فبراير من العام الماضي، أبلغت اللجنة لأول مرة عن كيفية احتجاز مئات الآلاف من المدنيين الذين نزحوا بسبب معارك التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية التي شُنّت لهزيمة الدولة الإسلامية بالمثل في مخيمات مؤقتة غير صالحة لتلبية احتياجاتهم الأساسية. ومنذ ذلك الحين، أدى ازدياد المعارك إلى تدهور الوضع أكثر فأكثر.

ويضم مخيم الهول في الحسكة - الذي بُنيَ في البداية لإيواء ما يصل إلى 10000 من النازحين داخلياً - أكثر من 73000 شخص (92 ٪ منهم من النساء والأطفال؛ و15 ٪ منهم من رعايا البلدان الثالثة). وتلاحظ اللجنة أن الجهود تُبذل حاليًا لتحسين هذا الوضع مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التي تقدم مساعدات الإغاثة. إلا أن المساعدة المقدمة حتى الساعة لم تكن كافية على الإطلاق. ويتعيّن على المجتمع الدولي الآن بذل كل الجهود الممكنة للمساعدة في الإسراع في تقديم المساعدات الإنسانية لهؤلاء الأفراد النازحين، بما في ذلك الدول الأعضاء التي تترتب عليها التزامات بموجب قرار مجلس الأمن 2249.

وعلاوة على ذلك، بعد التحقق من الأفراد الموجودين في معسكرات قوات سوريا الديمقراطية بحثًا عن تهديدات أمنية محتملة، لا يوجد في الواقع ما يشير إلى منحهم حرية التنقل. وبدلاً من ذلك، لا يزال عشرات الآلاف محصورين في مخيمات النازحين داخلياً، بما في ذلك حتى بعد منحهم صفة "مدنيين". ومع الأخذ في الاعتبار أن أكثر من 60000 من هؤلاء الأفراد هم مواطنون سوريون، ينبغي إخلاء سبيل السكان الموجودين في المخيمات الذين لا يشكلون تهديدًا وشيكًا للأمن على الفور.

وإلى جانب السوريين، فإن حوالي 15٪ من المقيمين في الهول، أو ما لا يقل عن 11000 شخص، هم من رعايا البلدان الثالثة، ويرفض العديد من بلدانهم الأصلية إعادتهم إلى وطنهم فقط لأنه يفترض أنهم أسر مقاتلي الدولة الإسلامية. واتخذت بعض الدول الأعضاء خطوات إضافية إما بتجريد هؤلاء الرعايا من جنسياتهم لمنع عودتهم، أو الموافقة على نقلهم إلى بلدان قد يتعرضون فيها للتعذيب أو سوء المعاملة أو لعقوبة الإعدام في انتهاك لمبدأ عدم الإعادة القسرية. وتذكّر اللجنة جميع أطراف النزاع، بما في ذلك الدول الأعضاء، بأن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ينص بوضوح شديد على أنه "لا يجوز حرمان أي شخص تعسفًا من حق الدخول إلى بلده"، وقد رأت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أنه "قلّما تكون هناك ظروف، إذا وجدت أصلاً، يمكن أن تعتبر معقولة لحرمان شخص من حق الدخول إلى بلده".

ونلاحظ أن الدول جادلت بأن لها الحق في تجريد المواطنين من جنسياتهم إذا لم يجعلهم ذلك عديمي الجنسية. وإذا كان لا بد من التفكير في مثل هذه الإجراءات الصارمة، فنحن نحث الدول على اتخاذ إجراءات تستند إلى حد أدنى مرتفع تأخذ في الاعتبار مبادئ الأصول القانونية بما في ذلك الحق في جلسة استماع وتقديم استئناف. ويساورنا القلق من أنه في ظل المناخ الحالي المتمثل في "مكافحة الإرهاب"، قد يخضع الأفراد للتمييز، ونحث على اتباع نهج قائم على الحقوق في التعامل مع المقاتلين الإرهابيين الأجانب وعائلاتهم والمشتبه بهم بما يضمن احترام مبادئ حقوق الإنسان الأساسية.

وتشعر اللجنة بالقلق بوجه خاص إزاء حالة الأطفال الذين علقوا في هذا المأزق والذين هم عرضة لتركهم دون جنسية. ومن بين حوالي 3500 طفل في مخيم الهول، بمن فيهم المولودين نتيجة الاغتصاب، يفتقر  أغلبهم إلى وثائق تسجيل المواليد أو فقدوها. وتم تسجيل حوالي 335 طفلاً في المخيم بالفعل على أنهم "غير مصحوبين"، لكنهم لا يتلقون أي دعم أو مشورة للصدمات النفسية تراعي المسائل التي تُعنى بالنوع الاجتماعي أو الأطفال. ويؤدي تجريد الوالدين من جنسيتهم إلى عواقب مباشرة على هؤلاء الأطفال. وفضلاً عن ذلك، قد تتعارض العروض المقدمة من الدول لإعادة الأطفال دون أمهاتهم مع مبدأ "مصالح الطفل الفضلى". وبالمثل، ينبغي النظر إلى جميع الأطفال دون سن 18 عامًا، بغض النظر عن العمر، كضحايا، ويجب إيلاء الأولوية لإعادة تأهيلهم وإعادة إدماجهم في المجتمع. ويتعيّن اعتماد مقاربة أكثر عقلانية من النهج الذي يركز تركيزًا ضيقًا على العقوبة فقط. وفي الحالات التي تكون فيها العقوبة ضرورية، يجب محاكمة الأطفال بما يتماشى مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة وقضاء الأحداث.

ونلاحظ أن عدة آلاف من المحتجزين - معظمهم من الرجال والفتيان في سن القتال - بمن فيهم المئات من المقاتلين الإرهابيين الأجانب من حوالي 50 دولة محتجزون في الاحتجاز الانفرادي من قبل قوات سوريا الديمقراطية. وكما ذكرنا سابقاً، فإن الاحتجاز الانفرادي يهدد بتهيئة بيئة يُرتكب فيها التعذيب وسوء المعاملة دون عقاب. لذلك، نحث قوات سوريا الديمقراطية على السماح بزيارة جميع المحتجزين من قبل منظمة إنسانية دولية مستقلة ومراقبي حقوق الإنسان.

وكانت اللجنة أبلغت بانتظام عن الانتهاكات التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية - بما في ذلك الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. كما أن احتجاز المشتبه بهم الذين ربما تورطوا في مثل هذه الجرائم في حالة من النسيان القانوني المطول، وفي الاحتجاز الانفرادي دون الاتصال بمحامٍ، يجازف بتقويض الملاحقات القضائية الناجحة في المستقبل. وبالإضافة إلى ذلك، فإن منعهم من العودة إلى بلدانهم الأصلية يعرقل التزامات تلك الدول بالتحقيق في هذه الجرائم ومقاضاة مرتكبيها، ويقوّض حق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة.

ووفقًا لتفويضها، تظل اللجنة عازمة في رغبتها ضمان تحسين الوضع الإنساني في شرق سوريا بشكل عاجل، وتحقيق العدالة للضحايا. وبالفعل، عملت اللجنة طوال السنوات الثماني الماضية على تعزيز الجهود الرامية إلى مساءلة مرتكبي جرائم الفظائع والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. غير أن الوضع الذي لا يمكن تحمله في شرق سوريا اليوم لا يسهم إلا في مزيد من عدم الاستقرار ولم تقدم استجابة المجتمع الدولي حتى الآن ما يذكر لقضية العدالة عمومًا. وعلاوة على ذلك، فإن هذا الموقف يتعارض مع الخوف من انتشار التطرف الذي غالباً ما يكون مدعومًا بالضغوط الشعبية والسياسية لتطبيق نهج واحد مناسب للجميع، حيث يُنظر إلى الاعتقال المطول أو الاحتجاز الانفرادي أو إلغاء الجنسية على أنه الحل الأنسب. وعند اتباع هذا المسار، لا نفشل فقط في معالجة مجموعة متنوعة من الدوافع التي قد تكون لدى المقاتلين الإرهابيين الأجانب والأشخاص المرتبطين بهم على النحو الصحيح، ولكن الأهم من ذلك أننا نجازف بالإخفاق في تطوير استراتيجيات وقائية فعالة ينبغي أن تستند إلى فهم هذه الاختلافات في الدوافع.

خلفية

تتألف لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية من السيد باولو سيرجيو بينيرو (رئيساً)، والسيدة كارين كونينج أبو زيد، والسيد هاني مجالي، وقد كُلّفت اللجنة من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بمباشرة التحقيق وتوثيق كافة انتهاكات القانون الدولي داخل الجمهورية العربية السورية منذ آذار/مارس 2011. ويمكن الاطلاع على تقاريرها على على الصفحة الإلكترونية و صفحة تويتر الخاصة باللجنة الدولية المستقلة للتحقيق المعنية بالجمهورية العربية السورية.