Header image for news printout

الدورة 42 لمجلس حقوق الإنسان

بيان افتتاح مفوّضة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت

جنيف، في 9 أيلول/ سبتمبر 2019

 

حضرة رئيس المجلس الكريم،
أصحاب السعادة،
أيّها الزملاء والأصدقاء الأعزّاء،

لقد انقضى عام على تولّينا مهامنا. لن ندّعي أبدًا بأنّ مهمّتنا كانت يسيرة، بما أنّنا نواجه تحدّيات صعبة. وليس علينا أن نعالج قضايا حقوق الإنسان التقليديّة فحسب بل أيضًا مجموعة من القضايا الجديدة، على غرار تلك المتعلّقة بالمشهد الرقميّ الجديد والخصوصية، أو بتغيّر المناخ وتأثيره على حقوق كل فرد منا.

لقد دافعتُ شخصيًا طوال حياتي المهنيّة، عن التفاعل والتعاون، مع التأكيد على أنّ أفضل طريقة لمعالجة القضايا المذكورة هي من خلال الشراكات. ويشكّل الحوار المستمرّ بين مفوضيّتنا وبينكم المفتاح الأساسيّ لضمان التقدم في مجال حقوق الإنسان على مستويَيْن الوطنيّ والعالميّ.

لقد حقّقنا خلال العام الماضيّ بعض المكاسب المهمّة في مجال حقوق الإنسان ساهمت في تعزيز مجتمعاتنا. ولكن لا يزال الدرب طويل أمامنا، وعلى المجلس أن يولي فورًا العديد من القضايا والحالات اهتمامه المطلق. ونعتمد عليكم كي نعمل معًا على أفكار واستراتيجيّات وحلول جبّارة تتصدّى لهذه التحديات، بما في ذلك مخاطر عالميّة تتفاقم بسرعة وتهدّد حقوق الإنسان يولّدها تغيّر المناخ.

وتغيّر المناخ حقيقة تؤثر حاليًا على كل مناطق العالم من دون أيّ استثناء. فانعكاسات مستويات مفعول الدفيئة العالميّة المتوقّعة على الإنسان كارثيّة. وقد يؤدّي ارتفاع حدّة العواصف إلى مدّ وجزر يغمر دولًا جزريّة ومدنًا ساحليّة بأكملها. كما تلتهم النيران غاباتنا، وجليدنا يذوب. نحن نحرق مستقبلنا بأيدينا، بكلّ ما للكلمة من معنى.

وتؤدّي حالة الطوارئ المناخيّة إلى ارتفاع حاد في مستويات الجوع في العالم، وقد سجّلت هذا العام أعلى معدّل لها منذ عقد بحسب ما أشارت إليه الفاو. وتتوقّع منظّمة الصحّة العالميّة أن يتسبّب تغيّر المناخ في وقوع 250 ألف حالة وفاة إضافية سنويًّا، في الفترة الممتدّة بين العامَيْن 2030 و2050، بسبب سوء التغذية والملاريا والإسهال والإجهاد الحراري فحسب. وفي العديد من الدول، تؤدّي أنماط الطقس الفوضويّة وغيرها من مظاهر حالة الطوارئ البيئيّة إلى عكس المكاسب الإنمائيّة الأساسيّة، وإلى تفاقم النزاعات والتشرّد والتوتر الاجتماعيّ، وتقويض النمو الاقتصادي، وإلى عدم مساواة متزايدة.

لم يشهد العالم يومًا مخاطر بهذا الاتّساع تهدّد حقوق الإنسان. ولا يسمح هذا الوضع أبدًا لأيّ دولة أو مؤسّسة أو صانع سياسات أن يقف مكفوف اليدين، لأنّ اقتصادات الأمم جميعها، والنسيج المؤسّسيّ والسياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ في كل دولة وحقوق جميع شعوبكم وأجيالكم المقبلة ستتأثّر لا محالة.

أصحاب السعادة،

الوقت على وشك أن يفوت، لكن لا يزال بإمكاننا أن نبادر إلى العمل. نعيش في عصر تميّز بابتكاراته العملاقة. ويمكن أساليب أكثر ذكاءً لاستخدامنا الموارد الطبيعيّة والمتجدّدة، وسياسات تحمي وتمكّن المجتمعات المهمّشة، بما في ذلك مبادرات الحماية الاجتماعيّة المختلفة، واستراتيجيّات أفضل تعتمدها الشركات على مستوى سلاسل التوريد، أن تكون مفيدة للبيئة وأن تعزّز قدرًا أكبر من الكرامة والحقوق الإنسانيّة.

لقد اعترف هذا المجلس بأنّه "لالتزامات حقوق الإنسان ومعاييرها ومبادئها القدرة على المساهمة في عمليّة صنع السياسات الدوليّة والإقليميّة والوطنيّة في مجال تغيّر المناخ وتعزيزها، وتشجيع تماسك السياسات والشرعيّة والنتائج المستدامة".

يجب علينا أن نؤسّس على هذا البيان الجبّار. كما نحتاج إلى التزامات وطنيّة قوية بالعمل، مع التركيز على مشاركة المدافعين عن حقوق الإنسان البيئيّة والسكان الأصليّين ومجموعات المجتمع المدني التي تمثّل المجتمعات الأكثر تعرضًا للخطر، بالإضافة إلى دعم الجهات الفاعلة في قطاع الأعمال والمدن والجهات المعنيّة الناشطة الأخرى.

يعقد الأمين العام مؤتمر قمة حول المناخ بعد أسبوعين في نيويورك بهدف حمل الدول والمجتمع المدنيّ على تكثيف العمل المناخيّ.

بصفتنا عضو في الهيئة الحكوميّة الدوليّة الرئيسة لحقوق الإنسان في العالم، نطلب من كلّ دولة من دولكم أن تساهم في أقوى إجراءات ممكنة لمنع تغيّر المناخ، وتعزيز قدرة شعوبكم على التكيّف وحقوقهم في تعاملهم مع الضرر البيئيّ.

يتطلّب العمل المناخيّ الفعّال إشراك غير الملتزمين وغير المقتنعين في جهود دوليّة مشتركة وعادلة وحقيقيّة تُبذَل في هذا المجال. ويمكن حقوق الإنسان أن تساعد في تحفيز تلك الحركة. وتتجلّى حاليًّا مجموعة غير متساوية من المعايير البيئيّة ومعايير حقوق الإنسان تحمي البشر من الأضرار البيئيّة، مع العلم أنّ الكثير لا يملكون أيّ سبيل انتصاف فعّال يحميهم من الأضرار التي يعانونها.

يشجّعنا الاعتراف المتزايد بالحق في بيئة صحيّة ومستدامة، في أكثر من 100 قانون وطنيّ وإقليميّ، الذي يحدّد العلاقة بين البيئة وحقوق الإنسان. بالنسبة إلى كل واحد منا، لا تقلّ البيئة الصحيّة أهميّة عن الطعام الذي نأكله أو الماء الذي نشربه أو حرية الفكر التي نعتز بها. يجب أن يكون جميع الناس، في كلّ مكان، قادرين على العيش في بيئة صحيّة وعلى محاسبة أولئك الذين يمنعون تحقيق ذلك.

سيّدي الرئيس،

لهذا المجلس دور حاسم يلعبه، عبر الوسائل المتاحة والمبتكرة كي يساهم في العمل المناخي. ونرى أنّ خمسة بنود أساسيّة يجب أن توجّه عملنا المناخيّ.

البند الأوّل: يقوّضتغير المناخ الحقوق والتنمية والسلام.

أشار الأمين العام إلى أنّ 40 في المائة من الحروب الأهليّة خلال العقود الستة الماضية، ارتبط بالتدهور البيئي. وفي حين يتجلّى العديد من الأمثلة الحاليّة على ذلك، نودّ أن نتناول بلدان منطقة الساحل. وقد أفاد مستشار الأمم المتّحدة الخاص المعنيّ بمنطقة الساحل بأنّها من بين أكثر المناطق تعرضًا لتغيّر المناخ ومن المتوقع أن يسجّل الارتفاع في درجات الحرارة حدًّا يتخطّى المتوسط العالميّ بضعف ونصف.

وللتصحّر تأثير هائل على تمتّع الناس بالحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والمدنيّة والسياسيّة. ويؤدّي تدهور الأراضي الصالحة للزراعة في جميع أنحاء منطقة الساحل إلى تكثيف المنافسة على الموارد الشحيحة أصلاً، ما يسفر عن اشتباكات متكرّرة بين مربّي الماشية والرعاة والمزارعين، بالتاليّ تفاقم التوترّات العرقيّة. كما يؤدّي التطوّر البطيء والفقر المتزايد إلى تعريض الشباب للاستغلال على يدّ الجماعات المتطرّفة والإرهابيّة، ما يؤجّج العنف، بما في ذلك الهجمات على المدارس، والترحيل وعدم الاستقرار السياسيّ.

في أيّار/ مايو من هذا العام، حذّر منسّقو الأمم المتّحدة المقيمون وفي المجال الإنسانيّ في بوركينا فاسو ومالي والنيجر من أنّ التطرّف العنيف والزيادة الخطيرة في النزوح خلال الأشهر الـ12 الماضية، والنقص في الغذاء الناجم عن الجفاف الشديد، يعرّض مستقبل "جيل كامل" للخطر. كما حذّروا من أنّ عدم الاستقرار المتزايد يهدّد بالانتشار إلى البلدان المجاورة.

إن مبادرة المجموعة الخماسيّة لبلدان منطقة الساحل بإنشاء قوّة مشتركة لمكافحة الإرهاب، والتزامها ضمان أن تكون الإجراءات التي تتّخذها القوّة ممتثلة لحقوق الإنسان، تستحق كلّ ثناء. وعلى الرغم من ذلك، تتطلّب معالجة أسباب الوضع القائمة حاليًّا المتجذّرة استثمارات كبيرة تتصدّى للتهديدات البيئيّة، وتوفّر فرصًا حقيقيّة للشباب، وتعالج أوجه عدم المساواة.

تتمتّع منطقة الساحل بموارد طبيعيّة وفيرة، بما فيها مصادر الطاقة المتجدّدة الممكنة، بالإضافة إلى الشباب والرجال والنساء الذين يتمتّعون بالقدرة على التكيّف ولديهم الحق في العيش بكرامة وسلام. هذا مجال أساسيّ يمكن المجتمع الدولي، لا بل يجدر به أن ينفّذ فيه حلولًا تساهم في وضع حدّ لأزمة متنامية، وأن يساعد بلدان المنطقة على شق طريقها نحو التنمية الصحيّة والمستدامة.

سيّدي الرئيس،

البند الثانيّ: يتطلّب العمل المناخيّ الفعّال مشاركة واسعة ومجدية.

إنّ التدابير الفعالة للتكيّف مع المناخ هي تلك التي تمكّن المرأة، والسكان الأصليّين وغيرهم ممن يعيش في المناطق المعرّضة لخطر، وغالبًا ما يكونون أفرادًا في مجتمعات مهمّشة وتمييزيّة. وتتطلّب من الحكومات أن تدرك العوامل الهيكليّة التي تعمّق ضعف هذه المجتمعات بسبب المناخ، وتشركها في البحث عن حلول، وتخصّص الموارد الضروريّة لدعم حقوقها، بما في ذلك الوصول العادل والأفضل إلى الحماية الاجتماعيّة والانتقال العادل نحو وظائف تراعي أكثر البيئة.

تتجلّى أدلة كثيرة على أن النساء، ولا سيّما ذوات الإعاقة، يتأثّرن بشكل غير متناسب بالكوارث الطبيعيّة. فاستبعاد نصف المجتمع عن المساهمة بشكل فاعل في صياغة السياسات البيئيّة يعني أنّ هذه السياسات ستكون أقلّ مراعاة لأضرار محددة وأقل فعاليّة في حماية المجتمعات، لا بل قد تؤدّي إلى تفاقم الأضرار حتّى.

منذ اثني عشر عامًا، أقر إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصليّة1 "بالحاجة الملحة إلى احترام وتعزيز الحقوق الطبيعية للشعوب الأصليّة المستمدة من هياكلها السياسيـّة والاقتصاديّة والاجتماعيّـة ومن ثقافاتها وتقاليدها الروحيّة وتاريخها وفلسفاتها، ولا سيما حقوقها في أراضيها وأقاليمها ومواردها".

ولكن في الواقع ترحل هذه الشعوب أكثر فأكثر عن أراضيها بسبب الدمار البيئيّ، بحسب ما سينصّ عليه التقرير الذي ترفعه آلية الخبراء المعنيّة بحقوق الشعوب الأصليّة إلى المجلس هذا الشهر2 . وعلى الرغم من ذلك، لا يزال الكثير من الغابات وغيرها من الموارد قائمًا بفضل معارف الأجداد وقيادة الشعوب الأصلية. وقد أصبحت هذه المعارف أكثر أهميّة اليوم. ومن الأمثلة التي تبرهن بأنّ معارف الشعوب الأصليّة ضروريّة للعمل المناخيّ إدارة النيران التقليديّة، وأنظمة الإنذار المبكر الخاصة بالأحوال الجويّة، وجمع مياه الأمطار، وتقنيّات الزراعة التقليديّة، وإدارة المناطق الساحليّة البحريّة. من الضروري أن نحمي حقوق جميع الشعوب الأصليّة، بما في ذلك حقها في المشاركة بحريّة ومشاركة كاملة في صياغة القرارات الخاصة بالسياسات.

نثني على تعهّد كندا بتمويل إنشاء جهة تنسيق للشعوب الأصليّة تابعة لاتفاقيةّ الأمم المتحدة الإطاريّة بشأن تغيّر المناخ، تدعم منصّة المجتمعات المحليّة والشعوب الأصليّة المنشأة بموجب اتفاقيّة الأمم المتّحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ. كما فرضت كندا مشاركة الشعوب الأصليّة في وفودها إلى مؤتمرات الأطراف. وفي حين أن هذه خطوات إيجابيّة، نشجّع جميع الدول على ضمان مشاركة الشعوب الأصليّة مشاركة كاملة ومجدية وفعّالة في جميع عمليّات صنع القرارات البيئيّة.

وتساعد مفوضيّتنا في كولومبيا، منذ العام 2014، الشعوب الأصليّة والمجتمعات المنحدرة من أصل أفريقيّ على إعداد بروتوكولات تحدّد شروط التشاور. وفي العديد من الحالات، ساهمت هذه الخطوة في إطلاق حوار وإبرام اتّفاقيّات مع السلطات. وعلى سبيل المثال، يسعى بروتوكول السكان الأصليّين من الأرهواكو، المبرم في العام 2017، إلى ضمان إدارة سييرا نيفادا في سانتا مارتا، وهو نظام بيئيّ ومصدر مياه استراتيجيّ، إدارة مستدامة تحترم البيئة. أمّا اليوم فيحفظ مرسوم حكوميّ هذا النظام البيئي، ويضمن تحديد المواقع المقدسة.

نشعر بقلق عميق حيال تسارع وتيرة إزالة الغابات في منطقة الأمازون. وقد يكون للنيران التي تلتهم حاليًا الغابة المطيرة تأثير كارثي على البشريّة ككلّ، ولكن النساء والرجال والأطفال الذين يعيشون في هذه المناطق، ومن بينهم العديد من الشعوب الأصليّة، يتعرّضون لأسوأ آثارها. وقد لا نعرف أبدًا عدد القتلى وحجم الأضرار التي وقعت خلال الأسابيع الأخيرة في بوليفيا وباراغواي والبرازيل. ندعو سلطات هذه البلدان إلى تنفيذ سياسات بيئيّة واعتماد أنظمة تحفيز طويلة الأمد تحقّق الإدارة المستدامة، وبالتالي تمنع وقوع المآسي في المستقبل.

سجّلت مفوضيّتنا العديد من المشارع الإنمائيّة، في جميع أنحاء العالم، على غرار السدود الكهرومائية الكبرى ومزارع الوقود الحيويّ، موّلتها المؤسسات الماليّة الدوليّة باسم العمل المناخيّ، ولكنّها في الواقع أضرّت بحقوق الشعوب الأصليّة والمجتمعات المحليّة، بما في ذلك النساء. نحثّ جميع المؤسّسات الإنمائيّة ومؤسّسات التمويل، بما في ذلك الآليات المنشأة بموجب المادة 6 من اتّفاق باريس، على اعتماد ضمانات لحقوق الإنسان، وتمحور عملها حول المشاركة والوصول إلى المعلومات والعدالة وسبل الانتصاف.

سيّدي الرئيس،

البند الثالث: علينا أن نحمي من يحمي البيئة بشكل أفضل.

يقدّم المدافعون عن البيئة، بمن فيهم من يدافع عن حقّ الشعوب الأصليّة في الأرض، خدمة كبيرة لبلدانهم، وللإنسانيّة ككلّ. وقد لحظت المفوضيّة والمقرّرون الخاصون الاعتداءات على المدافعين عن حقوق الإنسان البيئيّة في كلّ المناطق تقريبًا، لا سيّما في أميركا اللاتينيّة.

لقد خيّب هذا العنف أملنا، تمامًا كما فعلت الاعتداءات اللفظيّة على الناشطين الشباب مثل غريتا ثونبرغ وغيرها ممّن حشد الدعم للوقاية من أضرار قد تلحق جيلهم. ومطالب المدافعين عن البيئة والناشطين محقّة ومقنعة، وعلينا احترام حقوقهم وحمايتها وإعمالها.

وقّعت مفوضيّتنا الشهر الفائت شراكة معزّزة مع برنامج الأمم المتّحدة للبيئة، تشمل تكثيف تعاوننا لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان البيئيّة في المقر الرئيس وفي مكاتب قطريّة وإقليميّة محدّدة. وتضمن أن نعمل ضمن إطار منظومة الأمم المتّحدة بهدف تحقيق الاتّساق والتماسك بين الإجراءات البيئيّة وحقوق الإنسان. كما تحسّن دعمنا لتنفيذ السياسات البيئيّة القائمة على حقوق الإنسان على المستوى الوطنيّ، بما في ذلك من خلال عمل المؤسسات الوطنيّة لحقوق الإنسان.

يوفّر اتّفاق أميركا اللاتينيّة الإقليميّ بشأن الوصول إلى المعلومات والمشاركة العامة والعدالة في المسائل البيئيّة، المعروف باسم اتفاقيّة إسكازو، أملًا في إحداث التغيير. ويهدف الاتّفاق إلى ضمان حقوق كل شخص في بيئة صحيّة وتنمية مستدامة. كما يشمل أحكامًا محدّدة ومُلزِمة تحمي3 من يدافع عن البيئة، ويضمن الحقوق في الوصول إلى المعلومات البيئية، والمشاركة العامة في صنع القرارات البيئيّة، والوصول إلى العدالة في المسائل البيئية. نحثّ جميع الدول في المنطقة، بما في ذلك الدول الـ15 التي وقعت الاتفاق حتى الآن، على المضي بسرعة في التصديق عليه وتنفيذه. وندعو أيضًا المناطق والدول الأخرى إلى البحث في وضع التزامات مماثلة.

نطلق أيضًا شراكة مع جامعة جنوب المحيط الهادئ، التي تضم 14 حرمًا في جميع أنحاء جزر جنوب المحيط الهادئ، بهدف دعم المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يتحدّون الشركات والحكومات بشكل أفضل لكي تحتلّ القضايا البيئيّة الأولويّة. لقد ساعدنا المدافعين في جميع أنحاء المنطقة على إنشاء شبكة تنسيق ودعم المتبادل.

سيّدي الرئيس،

البند الرابع: الأكثر تضرّرًا في الطليعة

الدول الجزريّة الصغيرة هي من بين أكثر من يعاني بسبب آثار تغيّر المناخ الكارثية، على الرغم من أنّها لم تساهم إلاّ بالقليل القليل في تأجيج المشكلة. في الأسبوع الماضي وحده، ضرب إعصار مدمّر جزر البهاما، ما تسبّب في خسائر فادحة في الأرواح وتدمير مكاسب التنمية الثمينة. وقد تسارعت العاصفة بوتيرة غير مسبوقة فوق محيط أدفأته التغيّرات المناخيّة، فأمست إحدى أقوى أعاصير المحيط الأطلسيّ ضربت الأرض يومًا.

يعيش معظم سكّان منطقة البحر الكاريبي في المناطق الساحليّة، وقد اعتمد العديد من بلدان المنطقة، بما فيها جزر البهاما ودومينيكا، سياسات تهدف إلى بناء القدرة على التكيّف مع تغيّر المناخ وتدابير تهدف إلى التخفيف من آثاره. ولكنّ أبحاثًا أجرتها اللجنة الاقتصاديّة لأميركا اللاتينيّة ومنطقة البحر الكاريبيّ في العام 2011، أظهرت أنّ ارتفاع منسوب مياه البحر قد يغمر بين 10 و12 في المائة من أراضي جزر البهاما مع حلول العام 2050: هي خسارة لا تقدر بثمن بالنسبة إلى البشرية. لا يمكن الدول الجزريّة أن تبادر إلى العمل بمفردها كي تحلّ مشكلة لا تتسبّب بها وحدها.

تقود دول جنوب المحيط الهادئ الدعوة العالميّة للعمل المناخيّ والعدالة المناخيّة. ونحصل يوميًّا تقريبًا، عبر ممثّلينا في المنطقة، على أدلّة تبرز تأثير تغيّر المناخ على حقوق المجتمعات في المياه والصرف الصحيّ والصحة والغذاء والعمل والسكن اللائق، وما ينجم عنه من نزوح سكّاني. ندعو المجتمع الدوليّ إلى توفير المزيد من الموارد والدعم التقنيّ لبلدان جنوب المحيط الهادئ، وجميع الدول الجزريّة الصغيرة، من أجل التخفيف من آثار تغيّر المناخ، والتكيّف معها والوقاية منها.

تمشيًا مع المناقشات التي دارت في الاجتماع الإقليميّ حول حقوق الإنسان وتغيّر المناخ، الذي انعقد الشهر الماضيّ، نواصل العمل مع حكومات جزر المحيط الهادئ كي نساعدها على تعميم حقوق الإنسان في جميع جوانب جدول الأعمال الخاص بتغيّر المناخ.

سيّدي الرئيس،

البند الخامس: الأعمال التجاريّة حاسمة بالنسبة إلى العمل المناخيّ

كي نتفادى أضرار المناخ في المستقبل ونضمن العدل المناخيّ، يجب أن تشكّل الشركات جزءًا من الحل. وقد جمعت مبادرة الحرص على المناخ، التي يستضيفها الميثاق العالميّ للأمم المتحّدة وبرنامج الأمم المتّحدة للبيئة، أكثر من 400 شركة من جميع أنحاء العالم تعهّدت باتّخاذ إجراءات للتصدي لأزمة المناخ. وتشكّل مساهماتها في الاقتصاد الأخضر والأزرق أساسًا لتحقيق التنمية المستدامة.

ونرحّب أيضًا بالتزامات العديد من البلدان في الأميركيّتين باعتماد خطط عمل وطنيّة خاصة بالأعمال التجاريّة وحقوق الإنسان، تركّز على ضرورة إشراك الشعوب الأصليّة والتشاور معها بطريقة مجدية.

تتحمّل الشركات مسؤوليّة احترام حقوق الإنسان، بما يتماشى مع مبادئ الأمم المتّحدة التوجيهيّة بشأن الأعمال التجاريّة وحقوق الإنسان. ويقع على عاتق الدول التزام إيجابيّ بتنظيم الأعمال التجاريّة بطريقة فعّالة تمنع انتهاك حقوق الإنسان. وعلى الرغم من ذلك، يهدّد دعم الحكومة صناعة الوقود الأحفوريّ، في العديد من البلدان، الأهداف المناخيّة. نذكّر جميع الدول بضرورة تماسك السياسات الوطنيّة والدوليّة التي تعتمدها في سعيها لمعالجة آثار تغيّر المناخ على حقوق الإنسان، بما في ذلك كلّ ما يتعلّق بأنشطة الأعمال التجاريّة.

تُجري حاليًّا المؤسسة الوطنيّة لحقوق الإنسان في الفلبين تحقيقًا في مسؤوليّة 47 شركة مسؤولة عن غالبية انبعاثات غازات الدفيئة التاريخيّة على المستوى العالميّ. وقد أثار التحقيق الكثير من الاهتمام على مستوى مسؤولية الشركات عن الآثار الضارة لتغير المناخ على حقوق الإنسان، وستصدر اللجنة نتائجها في وقت لاحق من هذا العام. وتؤدي المراقبة المتزايدة لامتثال الشركات لحقوق الإنسان من قبل هيئات مثل مجلس الأخلاقيّات التابع لصندوق تقاعد النرويجيّ إلى زيادة الوعي والمسؤوليّة واّتخاذ إجراءات تصحيحيّة عاجلة.

بالإضافة إلى ذلك، أصدرت اللجنة المعنيّة بحقوق الإنسان الشهر الماضي قرارًا تاريخيًّا في قضية بورتيلو كاسيريس ضد باراغواي، وهي قضيّة أصيب فيها العديد من الأشخاص بالمرض، كما توفي شخص واحد بسبب الاستخدام غير المراقب وغير المحدود للمبيدات. وكانت تلك المرّة الأولى التي تكتشف فيها إحدى الهيئات المنشأة بمعاهدات جليًّا أنّ فشل الدولة في الحماية من الأذى البيئي قد ينتهك التزاماتها المتعلّقة بالحق في الحياة والخصوصيّة والحياة الأسريّة. ويشكّل هذا القرار المهم سابقة في إثبات أن الدول ملزمة بموجب القانون الدوليّ لحقوق الإنسان بإجراء تحقيقات في أضرار بيئيّة مماثلة، ومعاقبة المسؤولين وتقديم تعويضات للضحايا.

سيّدي الرئيس،

نودّ أن نلفت انتباه هذا المجلس إلى عدد من حالات حقوق الإنسان الأخرى. تنشر المفوضيّة خلال هذه الجلسة بيانات محدّدة بشأن جمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة، وغزّة، ونيكاراغوا، وأوكرانيا، وفنزويلا واليمن، لذا لن نتناولها في كلمتنا هذه. ولكن، نودّ أن نشير إلى الاتّفاق التاريخيّ الخاص بالإفراج عن السجناء في أوكرانيا والاتّحاد الروسي يوم السبت، الذي أدّى إلى إطلاق سراح العديد من الأشخاص الذين طالبت المفوضيّة بإطلاق سراحهم. ونشجّع كلّ التشجيع جميع الأطراف على الاعتماد على هذا الزخم ووضع حد للنزاع القائم في شرق أوكرانيا.

نثني على الأطراف في السودان لتوقيعهم اتفاقًا سياسيًّا وإعلانًا دستوريًّا في 17 آب/ أغسطس، يمكّن البلاد من الانتقال إلى الحكم المدنيّ والديمقراطيّة. ما يدعو إلى الاحتفال والتهليل. وينطوي الإعلان الدستوريّ على العديد من الإحالات لحقوق الإنسان، ولا سيما شرعة الحقوق والالتزام بإنشاء لجنة تحقيق وطنيّة. كما نرحّب بالالتزام الصريح "بتسهيل مهمّة المفوضيّة السامية لحقوق الإنسان للعمل في السودان". لدينا ممثّل عن مفوضيّتنا في الخرطوم، ونأمل أن تتقدّم المناقشات لإنشاء مكتب للمفوضيّة في البلاد. ونحن مستعدّون كي نقدّم المساعدة التقنيّة للحكومة الجديدة، بما في ذلك على مستوى الإصلاحات القانونيّة التي يفصّلها الإعلان الدستوريّ، والعدالة الانتقاليّة. ومن الضروريّ جدًّا التصدي لتحدّيات الحماية، ودعم المجتمع المدنيّ والمؤسّسات الوطنيّة لحقوق الإنسان، بما في ذلك في دارفور عقب انسحاب العمليّة المختلطة للاتّحاد الإفريقيّ والأمم المتّحدة في دارفور.

في زمبابوي، نشعر بقلق عميق حيال تأثير الأزمة الاقتصاديّة والقمع على المتظاهرين ومجموعات المجتمع المدنيّ. لقد أدى التضخم المفرط إلى ارتفاع أسعار الوقود والطعام والنقل والخدمات الصحيّة، وانعكس انعكاسًا حادًا على السكّان لا سيّما على الفئات المهمشة والطبقة العاملة. نحثّ الحكومة على إيجاد طرق بنّاءة كي تعالج مظالم الناس المشروعة المتعلّقة بالوضع الاقتصادي، وكي تضع حدًّا لقمع المتظاهرين المسالمين عبر استخدام القوة المفرطة. كما نشعر بالقلق حيال تزايد عدد التقارير عن الاعتداءات على المدافعين عن حقوق الإنسان واعتقالهم.

في تنزانيا، لا يزال القلق يساورنا بسبب تقلّص الحيّز المدني، مع اعتماد تشريع مقيّد للغاية خاص بالمنظمات غير الحكومية في حزيران/ يونيو، يمكّن السلطات مثلاً من مراقبة أنشطة كلّ منظمة غير حكومية وتقييمها كلّ ثلاثة أشهر، مع تمتّعها بصلاحيّات تقديريّة بتعليق عمليّاتها في انتظار جلسة الاستماع. وتقلقنا أيضًا التقارير الأخيرة عن اعتقال واحتجاز صحفيّين حقّقوا في قضايا من مثل الانقسامات السياسيّة داخل الحزب الحاكم، ومعاملة الشركة المحتجزين. وننوّه بالتزام الحكومة المعلّن بكبح الفساد وتوسيع نطاق الوصول إلى التعليم والصحّة. ولكنّنا نذكّر السلطات بأنّ الحق في حريّة المعلومات والتعبير، بما في ذلك النقد، والحقّ في التجمع السلميّ، ضروريّان للحكم الرشيد والتنمية المستدامة.

في بوروندي، تشير التقارير إلى استمرار وقوع عمليات قتل خارج نطاق القضاء وحالات اختفاء قسري واعتقالات تعسّفيّة وتعذيب وسوء معاملة، فضلاً عن قيود صارمة مفروضة على حريّة التعبير وتكوين الجمعيات. وأعربت السلطات خلال المناقشات التي تلت قرار الحكومة في شباط/ فبراير عن إقفال مكاتبنا في البلاد، عن استعدادها للحفاظ على وسيلة بديلة للتعاون مع المفوضية. نكرّر أنّنا على استعداد لمواصلة المشاورات مع الحكومة وفتح قنوات شراكة جديدة من أجل التصدي للتحديات المستمرة التي تواجه حقوق الإنسان.

 

ولقد أحزنتنا حوادث العنف القائم على كراهية الأجانب في جنوب إفريقيا، حيث وردتنا أيضًا تقارير مستمرة وخطيرة عن أعمال القتل القائم على أساس النوع الاجتماعي. ويحق لجميع الناس في جنوب إفريقيا، من مواطنين وأجانب على حد سواء، أن يتمتّعوا بالحقوق الأساسية بموجب الدستور والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وننوّه ببيان الرئيس الأخير، ونحثّ السلطات على التحرك بسرعة كي تضمن حماية الضحايا ومساءلة مرتكبي الجرائم والحد من انتشارها.

سيدي الرئيس،

تواصل مفوضيّتنا المشاركة في الحوار الثنائيّ مع حكومة الصين. لقد نظّم العديد من المظاهرات السلميّة في هونغ كونغ وفقًا للقانون، لكنّ مشاهد العنف المتزايد المرتبط ببعض الاحتجاجات الأخيرة أثار قلقنا. لذلك نناشد المشاركين في المظاهرات أن يحتجّوا بطريقة سلمية ووفقًا للقانون. كما نحثّ السلطات على مواصلة الرد على أعمال العنف بضبط النفس وعدم استخدام القوة المفرطة. ونشجّع الرئيس التنفيذي على مواصلة مبادرتها لإقامة حوار مع شعب هونغ كونغ، ومعالجة مظالمهم. ونودُّ أن نشجّع شعب هونغ كونغ على اغتنام هذه الفرصة والتواصل مع الحكومة بشكلٍ سلميّ وبناء.

أمّا بالنسبة إلى كشمير، فيواصل مكتبنا تلقي تقارير عن حالة حقوق الإنسان على جانبي خط الفصل. ونشعر بقلق عميق حيال تأثير الإجراءات الأخيرة التي اتّخذتها حكومة الهند بشأن حقوق الإنسان لسكان كشمير، بما في ذلك القيود المفروضة على التواصل عبر الإنترنت والتجمع السلمي بالإضافة إلى اعتقال زعماء وناشطين سياسيين محليين. وبينما نحثّ حكومتَي الهند وباكستان على احترام حقوق الإنسان وحمايتها، نناشد الهند على وجه الخصوص التخفيف من القيود المفروضة وحظر التجول، وضمان وصول الناس إلى الخدمات الأساسية، واحترام جميع ضمانات الإجراءات الواجبة لجميع المحتجزين. ومن المهم جدًا أن يشارك شعب كشمير في الإستشارات وفي أيّ عمليات صنع قرار تؤثّر على مستقبلهم.

وقد أدّت عملية التحقق الأخيرة من السجل الوطني للمواطنين في ولاية آسام شمال غربي الهند إلى ريبة شديدة شكوك وقلق بالغ، إذ تم استبعاد حوالي 1.9 مليون شخص من القائمة النهائية المنشورة في 31 آب/ أغسطس. لذلك نناشد الحكومة ضمان الإجراءات القانونية الواجبة أثناء عملية الاستئناف، ومنع الترحيل أو الاحتجاز، وحماية الأشخاص من انعدام الجنسية.

أمّا في ميانمار، فقد مرَّ عامان منذ أن أدّت الانتهاكات المروعة التي ارتكبها الجيش، بما في ذلك أعمال القتل والعنف الجنسي، إلى نزوح حوالى مليون شخص من الروهينجا إلى خارج البلاد. واليوم تشهد ولاية راخين صراعًا جديدًا بين ما يُعرَف بجيش أراكان وتاتماداو، وكما تسجّل موجة جديدة من انتهاكات حقوق الإنسان والنزوح، ما ينعكس سلبًا على مجتمعات راخين وروهينغيا العرقية ويجعل عودة اللاجئين والنازحين داخل البلاد أكثرَ صعوبة. كما أن التصعيد الأخير للاشتباكات في ولاية شان والصراعات الطويلة الأمد في ولاية كاشين تتسبّب أيضًا بالنزوح والمعاناة الإنسانية وتقوّض عملية السلام.

ويستمع لمجلس خلال هذه الجلسة إلى التقرير النهائي لبعثة تقصي الحقائق، ونثني عليه لأنه أعطى العالم صورة واضحة عن خطورة وحجم الانتهاكات التي ارتُكبت في جميع أنحاء ميانمار. إن الحاجة إلى المساءلة ملحة وعاجلة، ويسرنّا أن ننوّه بآلية التحقيق المستقلة لميانمار، التي أنشأها المجلس في قراره التاريخي رقم 39/2، وأعلنها الأمين العام في آب/ أغسطس عقب بياننا، وسيقوم رئيس الآلية بإطلاعكم على الخطوات التي تم اتّخاذها بهدف تعزيز عمل بعثة تقصي الحقائق الجبّار من خلال تجميع قضايا للملاحقة الجنائية.

نحثّ الحكومة على التعاون مع الآليات الدولية التي أُنشئت من أجل ضمان العدالة وتعزيز الإنتقال الديمقراطي في ميانمار. ونرحّب باعتماد ميانمار قانون الطفل التاريخي في شهر تموز/ يوليو، الذي يجعل القانون ممتثلًا إلى حد كبير لاتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات منظمة العمل الدولية.

وفي كمبوديا، على الرغم من الاعتراف بتعاون السلطات المستمر مع مفوضيّتنا، لا نزال نشعر بالقلق حيال الضغط المستمر على أعضاء وأنصار حزب المعارضة السابق الذي تم حلّه في النهاية عام 2017. ومنذ بداية هذا العام، استجوبت الشرطة والمحاكم أكثر من 130 شخصًا، وما لا يقل عن 22 من أعضاء المعارضة أو مؤيديها محتجزون حاليًا بسبب مجموعة من التهم الجنائية أو الإدانات، سواء أكانت تتعلق بشكل مباشر أو غير مباشر بآرائهم السياسية. ويجب أن يرتكز الحقّ في التنمية على مشاركة الجميع في صنع القرار، بما في ذلك المنتقدون. لذلك نشجّع الحكومة على اتّخاذ خطوات تضمن حوارًا حقيقيًا واحترام الحريات الأساسية.

نواصل في أفغانستان رصد حالة حقوق الإنسان، والخسارة الفادحة التي يلحقها الصراع المسلح بالمدنيين، لا سيما مع استعداد البلاد للانتخابات الرئاسية هذا الشهر. وقد سجّلت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان في تموز/ يوليو أكثر من 1500 ضحية وهو أعلى رقم شهري سجّل منذ بدء وقوع الخسائر في صفوف المدنيين في العام 2009. ومع ذلك، لانزال نأمل أن محادثات السلام ستنهي هذا الصراع الوحشي. ومن أجل سلام دائم  لا بدَّ من أن يكون احترام حقوق الإنسان للأفغان وحمايتها، ولا سيّما النساء، جوهرَ جميع الاتفاقات السياسية.

سيدي الرئيس،

في سوريا، لا يزال التصعيد العسكري المستمر يؤثر بشدّة على المدنيين والخدمات الصحية والمدارس، لا سيما في جنوب إدلب وشمال حماة. ومنذ إطلاق الحملة الحالية في 29 نيسان/ أبريل، قُتل أكثر من ألف مدني، بمن فيهم 300 طفل على الأقل، لا سيّما بسبب الغارات الجوية التي شنتها القوات الحكومية وحلفاؤها، ولكن أيضًا بسبب هجمات شنّتها جماعات مسلّحة من غير الدول. ومنذ بداية شهر أيار/ مايو، سجل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية 600.000 حالة نزوح أخرى. وكذلك سجل حالات ضرر أو تدمير لـ51 مستشفى وعيادة ونقطة إحالة سيارات الإسعاف حتى الآن من هذا العام، حيث وقع حادثان تعرض فيهما المرفق نفسه للقصف بشكل متكرر، ما أسفر عن خسائر إضافية بين فرق الإنقاذ والمسعفين.

أمّا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فيُعتبر التوسع المستمر للمستوطنات في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، غير قانوني بموجب القانون الدولي، ويؤثر تأثيرًا شديدًا على حقوق الإنسان للفلسطينيين. نشعر بقلق بالغ حيال المستويات العالية جدًا من عنف المستوطنين، وإخفاق إسرائيل في توفير الحماية الكافية للفلسطينيين من هذه الهجمات، أو في محاسبة الجناة. وقد ازدادت عمليات هدم المنازل في الآونة الأخيرة، ضمن إطار التخطيط الإسرائيلي لتقسيم المناطق الذي ينطوي على الكثير من التمييز ضدّ الفلسطينيين. فقد نزح 481 شخصًا على الأقل حتى هذا اليوم من هذه السنة، نتيجة عمليات الهدم، فتجاوز عدد النازحين الـ472 الذي سجّله العام 2018. وتؤدي جميع أعمال عنف المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء القسري إلى خلق بيئة تُجبر الفلسطينيين على مغادرة منازلهم. وفي هذا السياق، نلحظ بقلق أيضًا عددًا من النداءات الأخيرة التي وجهها المسؤولون الإسرائيليون لضم الضفة الغربية بأكملها أو جزء منها.

ما زال القلق يساورنا حيال التقارير التي تفيد بعمليات قتل وجرح غير مشروعة بحق فلسطينيين على أيدي قوات الأمن الإسرائيلية في جميع أنحاء الأراضي المحتلة، بالإضافة إلى غياب المساءلة بالكامل عن حالات الاستخدام المفرط المحتمل للقوة. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال مفوضيّتنا تشعر بالقلق من أن استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان، بما في ذلك حظر السفر المتزايد والبيانات والتقارير التي تنزع الشرعية وعمليّات الاستجواب والاعتقال وسوء المعاملة، من قبل إسرائيل والسلطة الفلسطينية والسلطات الفعلية في غزة، ما أدى إلى تقليص الحيّز المدني أكثر فأكثر. ونعرض آخر المستجدات بشأن الوضع في غزّة في وقت لاحق من هذا الصباح، بحسب ما ينصّ عليه قرار المجلس رقم 40/13.

وفي الجزائر، خلال الأشهر الستة الماضية، دعت الاحتجاجات الجماهيرية السلمية باستمرار إلى تشكيل حكومة جديدة أكثر استجابة وشفافية وأكثر خضوعًا للمساءلة. وفي هذا الصدد، نشجّع المسؤولين على اعتبار هؤلاء المتظاهرين المسالمين شركاء في بناء أنظمة تشاركية لصنع القرار، من خلال إطلاق حوار وطني يشملهم وجميع شرائح المجتمع.

سيدي الرئيس،

تقلقنا السياسات المعتَمَدة حاليًا في الولايات المتحدة والمكسيك وبعض دول أميركا الوسطى التي قد تعرّض المهاجرين إلى أخطار متزايدة، من انتهاكات حقوق الإنسان واعتداءات، وقد تستهدف الأشخاص الأكثر ضعفًا. كما نشعر بالقلق حيال استمرار احتجاز الأطفال المهاجرين في مراكز مختلفة من الولايات المتحدة والمكسيك، ما يتعارض مع المصالح الفضلى للطفل، وهو مبدأ أساسي في القانون الدولي.

إن المحن الاجتماعيّة والاقتصاديّة الشديدة التي يسبّبها تغيّر المناخ وغيره من العوامل الأخرى، هي ما يدفع العائلات على مغادرة بلدها الأم، فضلاً عن انعدام الأمن والفساد وعوامل أخرى بعيدة المدى. وتُعتبر السياسات والممارسات التي تهدف إلى منع المهاجرين بدنيًا من الوصول إلى دولة المقصد ودخولها، أو إلى إعادتهم بدون ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، بكلّ بساطة من الحوافز التي تشجّعهم على المغادرة. ولن تنجح تلك السياسات، ولا ما يسمى بسياسات "عدم التسامح إطلاقًا" بكبح جماحهم، لكنها بالمقابل ستضغط على العائلات اليائسة كي تتّخذ طرقًا أكثر خطورة، حيث قد تتعرض للعنف الجسدي والإتجار بالبشر والعنف الجنسي وجرائم أخرى.

وحتى هذا اليوم من هذا العام، تم ترحيل 35000 طالب لجوء على الأقل إلى المناطق الحدودية المكسيكية بانتظار جلسات الاستماع. وقد وثّقت مكاتبنا القطرية في المكسيك وغواتيمالا وهندوراس ارتفاعًا في حجم عمليّات احتجاز المهاجرين وترحيلهم. كما لاحظنا حالات الانفصال الأسري في سياق الحرمان التعسفي من الحرية، وغياب التقييم الفردي، والحرمان من الوصول إلى الخدمات والمساعدة الإنسانية، والاستخدام المفرط للقوة ضد المهاجرين. ولا يمكن اعتبار اتّفاقات "إعادة" الأشخاص إلى هذه البلدان أو البلدان الأخرى قانونية إذا لم يتم التمسك بالقانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية والتقييم الفردي، ومصالح الأطفال الفضلى، وضمانات الإجراءات القانونية الواجبة.

في الولايات المتحدة، وهي دولة مبنية على ترحيبها بالمهاجرين، أدّت سلسلة من الإجراءات الأخيرة إلى خفض حماية العائلات المهاجرة بشكل كبير. ولا نزال منزعجين جدًا من هذه السياسات، لا سيّما الفصل المستمرّ بين الأطفال المهاجرين عن والديهم، واحتمال وجود قاعدة جديدة تسمح باحتجاز الأطفال لأجل غير مسمى، على أساس وضعهم الإداري فقط. لا شيء يمكنه أن يبرّر إلحاق مثل هذه الصدمة العميقة بأي طفل.

وفيما يتعلّق بمنطقة البحر الأبيض المتوسط، نحثّ الاتّحاد الأوروبي على اتّخاذ إجراءات أكثر صرامة وفعالية تهدف إلى نشر عمليات البحث والإنقاذ ودعم أعمال الإنقاذ التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية. كما نوصي بشدة الاتحاد الأوروبي باعتماد ترتيب مشترك قائم على حقوق الإنسان من أجل نزول جميع الأشخاص الذين يتم إنقاذهم في البحر في الوقت المناسب، وهي آلية تعمل بشكل سريع ومستدامة على المدى الطويل وتعكس الالتزامات والتضامن الدوليين لجميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وفي الأشهر الأخيرة، أدّت الإجراءات التي اتخذتها عدة بلدان في أوروبا لتجريم عمل سفن الإنقاذ الإنسانية وطائرات البحث أو إعاقته أو وقفه، والانخفاض الحاد في عدد سفن البحث والإنقاذ التي تديرها الدول الأوروبية، إلى عواقب مميتة على البالغين والأطفال الذين يبحثون عن السلامة. وبحلول شهر تموز/ يوليو، أبلغت المفوضية عن وفاة أكثر من 900 مهاجر في البحر المتوسط، ولربما يكون هناك عدد وفيات غير موثّق. لقد طاف العديد من القوارب في البحر لأسابيع، بحثًا عن ميناء لجوء للمهاجرين المنهكين والمصدومين الذين تم انقاذهم. واعترض خفر السواحل الليبيين عددًا لا يحصى من المهاجرين وأعادوهم قسرًا إلى ليبيا، حيث حقوقهم وحياتهم حتّى في دائرة الخطر.

يقلقنا تجاهل اليائسين المميت هذا. ونحيي المنظمات والناشطين في مجال حقوق الإنسان الذين يواصلون العمل للدفاع عن حقوق المهاجرين في هذه الظروف الصعبة. كما نعرب عن دعمنا عمل العديد من المحاكم والهيئات القضائية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي المبني على المبادئ، التي تستمر في دعم القوانين الوطنية والدولية بشأن الحماية الضرورية للأشخاص أثناء التنقل، على الرغم من حملات التشهير والتهديد حتّى التي يطلقها السياسيّون في بعض الحالات.

نذكّر جميع صانعي السياسات بأن الحمض النووي لكل إنسان يشمل مساهمات من أشخاص من أصول أخرى، والأمر سيّان بالنسبة إلى تراثنا الثقافي وازدهارنا الاقتصادي. ويحقّ للدول إن تحدّد ما إذا كان يحقّ للمواطنين بأن يدخلوا أراضيها ويبقوا فيها. ولكن يجدر تنفيذ جميع تدابير إدارة الهجرة مع احترام كامل حقوق الإنسان للجميع. فهم لا يختلفون عنّا وعنكم، وليس بأي حال أقل قيمة أو استحقاقًا منّا ومنكم.

سيّدي الرئيس،

 في كازاخستان، قوبلت موجة من الاحتجاجات السلمية منذ مارس باعتقال أكثر من 4000 شخص. وقد لحظنا بعض الدلائل الإيجابية على تزايد قبول المسؤولين المظاهرات السلمية، ونشجع المجلس الوطني للثقة العامة المنشأ حديثًا على إشراك مجموعات المجتمع المدني التي تدعو إلى المزيد من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لا يفضي الاستمرار في احتجاز السجناء الذين يعتبرون سياسيين، وحظر تجمعات المعارضة، إلى حوار حقيقي ومفتوح. لذلك نشجع السلطات على إصلاح القوانين المستخدمة لخنق المعارضة، بما في ذلك التحديد الفضفاض لمصطلح الكراهية والتشهير، وتجريم التشهير، والتصاريح المقيِّدة للتجمعات السلمية، واللوائح المقيِّدة للمنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية والمنظمات الدينية.

ولا نزال نشعر بالقلق حيال عمليات التوقيف المكثفة وعمل الشرطة في الاتحاد الروسي، حيث سبقت الانتخابات المحلية التي جرت أمس في موسكو أسابيع من الاحتجاجات، نتجت عن استبعاد العديد من مرشحي المعارضة. وتم اعتقال أكثر من 2500 شخص في مظاهرات جرت في تموز/ يوليو وآب/ أغسطس. وحُكم حاليًا على خمسة أشخاص بالسجن، بينما يواجه آخرون تهم جنائية. نؤيد دعوات المجلس الرئاسي لحقوق الإنسان إجراء تحقيقات في مزاعم الاستخدام المفرط للقوة من قبل الشرطة، ونحثّ السلطات على دعم حرية التعبير والحقّ في التجمع السلمي والحق في المشاركة في الشؤون العامة.

أصحاب السعادة،

لقد أظهرت بلداننا أكثر من مرّة في العقود الأخيرة أنها تستطيع التغلب على تحديّات حقوق الإنسان الهائلة. وقد أدار تخطّى عدد منها، وبلدي الأم من بينها، الديكتاتورية وأنشأ ديمقراطيات نابضة بالحياة. كما مكّن الكثير منها أشخاصًا سبق لهم وعانوا التمييز والاضطهاد، بمن فيهم النساء، من اتّخاذ خياراتهم الأساسية بحرية. بينما حرّرت بلدان أخرى، في فترة زمنية قصيرة للغاية، ملايين الناس من براثن الفقر، وعززت وصولهم إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسيّة.

لدينا اليوم العديد من الإنجازات التي تحققت بعد جهد جهيد وعلينا حمايتها، ولدينا أيضًا قضايا جديدة يجب أن نناضل من أجلها. ولكن على الرغم من أن هذه المهام ستكون صعبة، كلّنا قناعة بأننا نستطيع تحقيقها. يمكننا أن ننهي استهلاك الوقود الأحفوري، وأن نتّخذ خطوات أخرى تحدّ من تغيّر المناخ. يمكننا أن نتصدّى للتمييز الهيكلي وأن ندعم العدالة. يمكننا أن ننهض بالحقّ في التنمية من خلال الدفاع عن حقّ الجميع في المشاركة في صنع القرارات. مع قدر كافٍ من التصميم والشراكة، يمكننا أن نتّخذ الخطوات اللازمة لتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وبالتالي تعزيز مجتمعاتنا وبناء مستقبل أفضل لنا جميعًا.

شكرًا سيدي الرئيس.