Header image for news printout

"لماذا حقوق الإنسان مهمّة إلى هذا الحدّ"
كلمة مفوّضة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشيل باشيليت


كلية كينيدي لشؤون الحكم في جامعة هارفارد

18 تشرين الأول/ أكتوبر 2019

 

يسعدنا أن تُتاح لنا هذه الفرصة كي نتحدّث معكم ونستمع إليكم. أنتم في كليّة كينيدي لشؤون الحكم، تفكّرون يوميًّا في حلول لعدد من أكثر التحدّيات المعاصرة إلحاحًا. ونحن، في مجتمع حقوق الإنسان، بأمسّ الحاجة إلى أفكاركم وآرائكم بشأن بعض القضايا الهامّة التي نواجهها يوميًا.

كيف يمكننا أن نجعل عالمنا أكثر أمنًا؟

ما هي الاستراتيجيات الكفيلة بالقيام بالاستجابات الأوسع نطاقًا، والأسرع، والأكثر فعالية للحالة المناخية العالمية الطارئة؟

كيف يمكن للحكومات والشركات والأفراد مواجهة التحدّيات الناشئة عن العمليات الاقتصادية التي تحكمها العولمة؟

هل يمكن لحريّة التعبير، وحريّة الحصول على المعلومات، وحريّة الفكر والمعتقد، أن تصمد في حقبة يُسمح فيها للشركات والدول بمراقبة الناس بشكلٍ شامل وغير محدود، أم أن نهاية الحقّ في الخصوصية والعديد من حقوق الإنسان الأساسية الأخرى باتت قريبة؟

في عالم يزداد فيه الترابط الوثيق، لمَ بدأ العديد من القادة والمجتمعات المحليّة بالابتعاد عن الحلول القائمة على التواصل والتعاون، لينغمسوا في العزلة والانقسام؟

في عالم تتفاقم فيه أوجه عدم المساواة، كيف لنا أن نحقّق العدالة والكرامة الإنسانية والمساواة لكل إنسان، بصرف النظر عن جنسه أو عرقه أو دينه أو وضعه من حيث الهجرة أو أي خاصية أخرى؟

هي حتمًا أسئلة ملّحة. قد تتحدّد ملامح حياتكم جميعًا هنا اليوم، وحياة أطفالكم، بناءً السياسات التي يصوغها قادة العالم، أو التي يخفقون في صياغتها، إستجابةً لقضايا اليوم.

ونتحمّل جميعًا مسؤولية التأثير على خيارات هذه السياسات.

أنا أتوجّه إليكم من هذا المنبر، ليس بصفتي رئيس دولة وحكومة سابق فحسب، أو كمسؤول في الأمم المتّحدة، بل كأُمٍّ وجدّة أيضًا، كأيّ إنسان عادي يهتم لأمر هذا العالم، شأنكم جميعًا.

نحن نرى في السياسة مجهودًا أساسيًا لتحقيق الأمل والتأسيس البنّاء، إنها مسألة تتّصل بضرورة بذل قصارى جهدنا، لأننا نهتم، ولأنه يتعيّن علينا ذلك. في غمرة هذا الصراع، نحن استراتيجيون متفائلون. ونحن نعلم جيدًا أن السعي إلى إرساء سياسات أفضل لمواجهة هذه التحدّيات العالمية، لا بدّ من ينطلق من إيماننا بقدرتنا الأكيدة على تحقيق النجاح.

لذلك، دعونا نبدأ هذه المناقشة بالتشديد على أمر. نعم، يمكننا التغلّب على كافة التحدّيات. لطالما تعرّض البشر لاختبارات مختلفة، ولطالما نجحت الأجيال المتلاحقة في تقديم الحلول.

لقد مُنحت الدول حقّ التصويت، أو حقّ المشاركة الكاملة، لأعداد كبيرة من الأشخاص الذين كانوا في السابق محرومين من تلك الحقوق، بمن فيهم النساء، أيّ نصف المجتمع. وهو ما كان يحدث في الكثير  من بلداننا. كذلك، نجحت بعض البلدان في انتشال ملايين الناس من براثن الفقر، وتمكينهم من الحصول على التعليم العالي، والرعاية الصحية الجيدة، وقدرٍ أكبر من الكرامة الإنسانية. هي مكاسب هائلة لصالح حقوق الإنسان، ولم تكن لتحقّق من دون تذليل عقبات هائلة على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

لقد عُزّزت مجتمعاتنا، وأُتيحت السُبل أمام المزيد من التقدّم في الميادين كافة.

لذا، وعلى الرغم من صعوبة الأمر، فنحن نؤكّد أنّ الوقت ليس لليأس، وأن الوقت ليس لخيبة الأمل أو الانسحاب.

دعونا الآن نتطرّق إلى هذه التحديّات وكيفية معالجتها.

تغيّر المناخ

يؤثّر تغيّر المناخ على كل منطقة في العالم، وقد يُحدث تداعيات كارثية على حقوق الإنسان في المستقبل القريب. لقد بدأ بالفعل يترتّب على هذه الظاهرة زيادةً حادةً في نسب الجوع حول العالم، إذ ارتفعت هذه النسب هذا العام للمرة الأولى منذ عقد، بحسب ما أفادت به منظّمة التغذية والزراعة - الفاو. فضلاً عن ذلك، تتوقّع منظّمة الصحة العالمية أن يتسبّب تغيّر المناخ في حوالي 250،000 حالة وفاة إضافية سنويًا بين عامي 2030 و2050 من جراء سوء التغذية والملاريا والإسهال والضغط الحراري. وفي العديد من الدول، بدأت الأنماط المناخية الفوضوية وغيرها من المظاهر البيئية الطارئة تُسهم في القضاء على المكاسب التنموية الرئيسية، واستشراء النزاعات والتشرّد والتوتر الاجتماعي، وعرقلة التنمية الاقتصادية، وتفاقُم أوجه عدم المساواة.

اقتصادات الأمم جمعاء، النسيج المؤسسي والسياسي والاجتماعي والثقافي لكل دولة، حقوق الإنسان في كل مجتمع، كُلها ستتأثر حتمًا.

التفاؤل الاستراتيجي لا يعني زرع الأوهام، بل إنها مسألة وضوح. وعلى الرغم من هذا الواقع القاتم، ومن أن نافذة فرصة العمل آخذة في الانغلاق، فما زال الوقت متاحاً للعمل.

نحن نعيش في عصر يشهد ابتكارات هائلة. نُهجٌ أكثر عمقًا في استخدام الموارد الطبيعية والمتجدّدة، سياساتٌ تحمي المجتمعات المهمّشة وتمكنّها، بما فيها مبادرات مختلفة للحماية الاجتماعية، استراتيجيات أفضل من قبل الشركات على امتداد سلاسل التوريد الخاصة بها، كُلها حلول من شأنها أن تعود بفائدة كبيرة على البيئة وتعزّز إمكانية تحقيق قدرٍ أكبر من الكرامة والحقوق الإنسانية.

في مجال تغيّر المناخ، يمكن لقانون حقوق الإنسان ومبادئ حقوق الإنسان أن يسهموا في إلهام ودعم عملية وضع السياسات على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية. يمكنهم تعزيز السياسات التي تزيد من قدرتنا على الصمود في وجه الآثار الضارة لتغيّر المناخ والتكيّف معها، سياسات كفيلة بحماية المجتمعات الأكثر هشاشةً، وسياسات تتيح لنا الاستفادة من مهارات وأفكار كل فرد من أفراد المجتمع.

العمل المناخي الفعّال يتطلّب مشاركةً هادفةً وواسعة النطاق. السياسات المناخية الفعّالة هي تلك التي تمكّن المرأة، والسكّان الأصليين، وغيرهم ممّن يعيشون في المناطق المعرّضة للمخاطر، وهم في أغلب الأحيان من أفراد المجتمعات المهمّشة والتي تتعرّض للتمييز. وليتحقّق ذلك، يتعيّن على الحكومات أن تعترف بالعوامل الهيكلية التي تزيد من هشاشة هذه المجتمعات في مواجهة تغيّر المناخ، وأن تعمل على إشراكهم في البحث عن حلول، وأن تكرّس الموارد لدعم حقوقهم.

قبل بضعة أشهر فقط، تحدّثت المفوّضة الساميّة السابقة ماري روبنسون، في هذا المكان نفسه، عن تغيّر المناخ. وكما أشارت حينها، فإن النساء من أكثر الفئات تعرضًا للأذى الشديد، ولكن ما زال بمقدورهن المساهمة في صياغة أفضل السياسات المناخية.

ويسري الأمر نفسه على الشعوب الأصلية. فعلى الرغم من أن التدمير البيئي والأضرار المناخية يدفعون بسكّان هذه الشعوب إلى الفرار من أراضيهم، فإن المعرفة التي يتمتّع بها أجدادهم وحسن إدارتهم للموارد الطبيعية سمحتا بصمود الكثير من الغابات والموارد الأخرى. الطرق التقليدية في التعامل مع الحرائق، ونظم الإنذار المبكر بأحوال الطقس، وحصاد مياه الأمطار، والأساليب التقليدية في الزراعة، والإدارة البحرية الساحلية، هي أمثلة على المساهمات المحتملة لهذه الشعوب.

واليوم ما يشجعّنا على االعمل هو تزايد الاعتراف بالحقّ في التمتّع ببيئة صحية ومستدامة في أكثر من 100 قانون وطني وإقليمي، وهو ما يحدّد العلاقة بين البيئة وحقوق الإنسان. بالنسبة لكل واحد منّا، فإنّ الحقّ في بيئة صحية لا تقلّ أهميّة عن الطعام الذي نأكله، أو الماء الذي نشربه، أو حريّة الفكر التي نعتزّ بها. ويجب أن نكون قادرين على مساءلة أولئك الذين يزرعون العقبات أمام الحصول على هذا الحقّ.

أوجه عدم المساواة

دعونا الآن ننتقل إلى موضوع آخر، لكن من دون أن نبتعد كثيرًا. إن إحدى الخصائص التي تتّصف بها التحدّيات الحالية تكمن في ترابطها الوثيق، شأنها شأن أي نظام إيكولوجي. لا يمكن معالجة قضايا تغيّر المناخ، أو التحرّكات الواسعة للأشخاص، أو تصاعد التوترات والنزاعات، أو التنمية المستدامة، ما لم نعمل بموازاة ذلك على معالجة أوجه عدم المساواة. بل ونؤكّد لكم أن ما من إنجازات فعلية ستتحقّق في هذه المجالات ما لم نحرص، في الوقت نفسه، على دعم وتعزيز طائفة كاملة من الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية.

دعونا نلقي نظرةً على أوجه عدم المساواة. وكما أوضح الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريس، تنحصر نصف ثروة العالم في يد أشخاص قد لا يتجاوز عددهم عدد الجالسين حول طاولة مؤتمرات. وفي المقابل، يُحرم أربعة مليار شخص من إمكانية الوصول إلى شبكات الأمان أو أي من نُظم الحماية الاجتماعية الأخرى، ويُضطر أكثر الناس فقرًا  وتهميشًا في العالم للعيش في ظل أسوأ ما يحدثه التقشّف والظلم وتغيّر المناخ والفقر من تداعيات.

اليوم، في أنحاء العالم كافة، تتفاقم أوجه عدم المساواة في الدخل، والثروة، وامكانية الوصول إلى الموارد وإلى العدالة، وهو امتهان واضح لمبادئ المساواة والكرامة وحقوق الإنسان لكل فرد في هذا العالم. هي المآل السيء للتمييز، وسوء الإدارة، والفساد، وغياب سيادة القانون، وضعف المؤسسات أو إنحيازها. هي حَصيلة انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية بقدر ما هي حَصيلة انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

تُعدّ أوجه عدم المساواة محرّكًا رئيسيًا للكثير من الاتجاهات العالمية التي تشكّل مصدر قلق بالغ لمكتبنا وللأمم المتحدة ككل. وكثيرًا ما يُشار إلى النزاع المسلّح بوصفه أحد الأسباب الجذرية للهجرة غير الطوعية. لكن، المرّة تلو المرّة، نتأكّد أن النزوح القسري والنزاع كلاهما ناتج عن عدم المساواة والعوامل الكامنة وراءهما، بما فيها الفقر، والتمييز، والقمع، والعنف، وسوء الإدارة، وتغيّر المناخ، وانتهاكات الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

كذلك،  من شأن أوجه عدم المساواة أن تُفضي إلى تقويض السلام والأمن من خلال تأجيج المظالم والتطرّف والنزاعات.

إن إيجاد الحلول للقضايا المتشابكة التي تصنع أوجه عدم المساواة وتعمقّها يحتلّ جانبًا أساسيًا من خطّة الأمم المتّحدة للتنمية المستدامة لعام 2030، وهي فرصة فريدة وغير مسبوقة للقضاء على الفقر المدقع بالإستناد إلى خطة تعاونية عالمية حقيقية. وهذه الخطوة تستلزم بدورها عملاً شاملاً لتعزيز المجموعة الكاملة من الحقوق، بما في ذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية، كي تعمل بالتآزر.

خلال الـ 12 سنة القادمة، بمقدور المجتمع الدولي أن ينهي الفقر المدقع والجوع، ويكفل تنمية أوسع نطاقًا وأكثر شمولًا، ويضع العالم على مسار يسوده سلام أعمّ، وعدالة أكبر، وأضرار أقل.

لكن إحراز التقدّم في أجندة 2030 بدأ يتعثّر. ونحن لا تمضي قُدمًا نحو بلوغ هذه الأهداف، وسنتحدّث بعد لحظات عن بعض الأسباب المحتملة الكامنة وراء هذا التراجع في الالتزام. لكن إسمحوا لنا أولاً أن نتطرّق بإيجاز إلى مجموعة أخرى من التحدّيات المعقّدة التي بدأت تلوح في الأفق.

المشهد الرقمي

في يومنا هذا، بات النظام الإيكولوجي الرقمي يؤثّر على جزءٍ كبيرٍ ومتزايد من حياتنا.

هذا أمر إيجابي للغاية من نواحٍ كثيرة، حيث يمكن للأدوات الرقمية ان تعود بمنفعة كبيرة على العمل المتعلّق بحقوق الإنسان.

إستُخدمت تدفقات البيانات لتعقّب ومكافحة عمليات الاتجار بالبشر واستغلالهم، بما في ذلك الممارسات الشبيهة بالرق المعاصر في سلاسل الإمداد التجارية. كذلك، إن تفاقم خطاب الكراهية وغير ذلك من مؤشّرات ارتفاع التوتّر على شبكة الإنترنت، قد يشكلّ إنذارًا مبكرًا لوقوع أحداث عنف وشيكة . كما أنّ الرصد الدقيق  لهذه الظواهر من شأنه مساعدة الرسميين على التحرّك بسرعة لمنع اندلاع أي أعمال عنف.

غير أن الجانب المظلم للمشهد الرقمي بات يتضّح شيئًا فشيئًا. لقد تحوّلت شبكة الانترنت تدريجيًا إلى مساحة متاحة للتهديدات التي تطال المدافعين عن حقوق الإنسان. ويتعرّض الأشخاص للاعتداء أو الإيذاء على يد جهات خاصة بسبب أنشطتهم الداعمة لحقوق الإنسان على شبكة الإنترنت.

وفي كل منطقة، تلجأ الحكومات أدوات المراقبة الرقمية لتعقّب واستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والأشخاص الذين يُعتبرون من المنتقدين، بمن فيهم المحامون والصحفيون والناشطون في مجال حقوق الأرض أو البيئة، والأشخاص الذين يطالبون بالمساواة لأعضاء مجتمع المثليّين والمثليّات ومغايري الهويّة الجنسانيّة وحاملي صفات الجنسَيْن.

ومجموعة هائلة من إجراءات المراقبة وجمع البيانات والرصد عبر الإنترنت، من قبيل سجلّ التصفّح، وتاريخ عمليات الشراء، وسجلّ البحث، وبيانات الموقع، والبيانات المالية، والبيانات الصحية وما إلى ذلك، تصُبّ في بنوك ضخمة من البيانات المتعلّقة بكل إمرأة ورجل وطفل. وقد تتضمّن بنوك البيانات هذه معلومات مفصّلة عن آرائنا، وطبيعة علاقاتنا، وخلفيتنا الاجتماعية، ومعلوماتنا الطبية، ووضعنا المالي، إلى آخره.

كذلك، قد تعمد الحكومات أو بعض الجهات الفاعلة الخاصة إلى فرز هذه البيانات ومعالجتها وتقييمها لأسباب جمّة، ومن دون أيّ مساءلة، أو إشراف ملائم على تبعات ما تقوم به، وحتى من دون أن نعلم بحقيقة ما يجري أو بوجود هذه البنوك من البيانات.

وفي الكثير من الحالات، فإن اللجوء إلى مثل هذه التقنيات الرقمية للقيام بحملات مكثّفة وواسعة النطاق من المراقبة قد يتّخذ حجمًا وطبيعةً يتعارضان بشكل واضح مع الحقّ في الخصوصية والحقّ في حرية الرأي والتعبير وغير ذلك من الحقوق.

واليوم، في ميادين شتّى مثل الأحكام الجنائية، وما يُسمّى بـ"الأمن التنبؤي"، والطب، والتمويل، والجوانب الرئيسية من الحماية الاجتماعية، تُصدر عمليات تجريها الآلات توقّعات حول سلوك الناس وإصدار قرارات لها تأثير هائل على حياتهم.

لكن إلى أيّ مدى يمكننا الوثوق بهذه النتائج ؟ ليس كثيرًا.

أن جودة الأنظمة تتوقف على جودة البيانات التي تغذّيها، لكن غالبًا ما تنطوي البيانات على عيوب. وفي الكثير من الأحيان، تتّسم التوقّعات القائمة على الذكاء الاصطناعي بالإعتباطية وبافتقارها إلى العدل، كما أنها تُسهم في مفاقمة التمييز المنهجي المتأصّل في المجتمع. هذه النتائج ليست حتمية، لكنها تحدث بالفعل وستزداد وتيرتها وحدّتها، ما لم نُسارع إلى تدارك الأمر.

هل يُطبّق ما يكفي من الرقابة أو الشفافية في ما يختصّ باستخدام هذه البيانات الضخمة؟ كلا، هذا لا يحدث.

وفي هذا السياق، يثير استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة الكثير من التساؤلات الجديدة والأساسية حول موضوع المسؤولية. دائمًا ما تضطلع الدولة بدور الفاعل الرئيسي في دعم حقوق الإنسان، إلا أن للشركات الخاصة في هذه الحالة مسؤولية تصميم وتصنيع الأدوات اللازمة لجمع البيانات، والقيام بالمراقبة، فضلًا عن صيانة وامتلاك نظام التشغيل حيث تُخزّن هذه المعلومات. سنعود إلى مسألة الدور الرئيسي للقطاع الخاص بعد قليل، لكن كان لا بدّ من الإشارة إليه هنا.         

في بعض البلدان، تُجمع كمّيات هائلة من البيانات من خلال المراقبة لاستخدامها في استخلاص النتيجة الشخصية التي تؤهّل الأشخاص للحصول على الفرص والخدمات أو لحرمانهم منها. في سياقات أخرى، هذا قد يشبه استخدام السجّل الائتماني. ولكن هل تقف الأمور عند هذا الحدّ؟ فعلى مستوى العالم يُصبح للبيانات، بمجرّد جمعها، ما يشبه الحياة الافتراضية الخاصة بها، والتي يمكن استخدامها لأغراض تتخطّى نطاق الهدف الأصلي أو المعلن.

وهذا التفاعل القائم بين الذكاء الاصطناعي وتراكم البيانات المتعلّقة بشخصياتنا وخياراتنا يذهب إلى أبعد من ذلك حين يتم استغلاله من قبل الجهات الفاعلة الخاصة أو العامة للتلاعب بأفكارنا وتغيير خياراتنا.

ما نستعرضه الآن ليس بسيناريو خيالي. سواء كنّا نتحدّث عن الانتخابات الرئاسية للولايات المتّحدة الأمريكية، أو استفتاء بريكست في المملكة المتحدة، أو الانتخابات الأخيرة في البرازيل وكينيا، حيث نُشرت استطلاعات رأي زائفة وغيرها من المعلومات المضللة على نطاق واسع، فقد أخذنا نشهد ازديادًا في التقارير التي تُفيد عن استخدام برامج الروبوتات وحملات التضليل في وسائل التواصل الاجتماعي بغية التأثير على آراء وخيارات الناخبين.

يبدو أن شبكة الإنترنت بدأت تتحوّل تدريجيًا إلى ساحة يتم استغلالها لأغراض الدعاية من قبل بعض القوى البالغة التعقيد التي تنشط على المستوى الوطني أو مع سكان الدول الأخرى، سواء كانت حركات التطرّف العنيف، أو جهات فاعلة خاصة، أو سلطات الحكومية.

نحن بأمسّ الحاجة إلى إدماج ضمانات احترام حقوق الإنسان ضمن كافة العمليات الآلية وأنظمة الذكاء الاصطناعي، منذ ابتكارها. وهو ما يتطلّب إجراءات محدّدة من جانب الدول، بما فيها قوانين وأطر تنظيمية، وكذلك من جانب الشركات. كما يقترن ذلك بضرورة العمل في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو ما يتجاوز حدود المبادئ التوجيهية الأخلاقية للشركات ومدونات قواعد السلوك، ويتسّم بنطاق أوسع بكثير وبقدر أكبر من الدقة والشرعية العالمية.

الأعمال التجارية وحقوق الإنسان

تُشكّل الدول الجهات الفاعلة الرئيسية المسؤولة عن إعلاء حقوق الإنسان. غير أن الأعمال التجارية تتحمّل أيضًا مسؤولية التعامل مع المخاطر المحدقة بحقوق الإنسان وأيّ تأثيرات سلبية على أنشطتها، ومنع حدوثها ومكافحتها، وذلك تمشيًا مع مبادئ الأمم المتّحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان.

إن التزام الشركات ببذل العناية الواجبة في ما يتعلّق بحقوق الإنسان يهدف بشكلٍ أساسي إلى إدارة المخاطر التي يتعرّض لها الأشخاص. والجدير بالذكر أن تطبيق هذه العناية الواجبة من شأنه أن يعزّز أيضًا الإدارة السليمة للمخاطر المؤسسية بشكل عام. وإنّه لمن الصائب، بل من الذكي، أن تحرص الأعمال التجارية على تلبية توقعات المستهلكين، والموظّفين والمستثمرين والمنظّمين. ومن منظور أوسع، تسهم هذه الخطوات في تهيئة بيئة ملائمة لازدهار الأعمال التجارية المسؤولة من خلال تعزيز الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون.

غالبًا ما تَتّخذ الغالبية العظمى من القرارات الصادرة عن مجالس إدارة الشركات بُعدًا يتّصل بحقوق الإنسان. قد تؤثّر هذه القرارات مثلًا على رواتب العمال والمورّدين، أو سلامتهم، أو مستقبل المجتمعات التي تتمتّع أراضيها ومواردها بقيمة تجارية. كذلك، يمكن لهذه القرارات أن تسهم في توجيه طلب المستهلكين نحو المنتجات المستدامة المصدر أو، على العكس، المُنتجة بطريقة غير أخلاقية. وربما، وراء كل مُنتَج قصة ترتبط بحقوق الإنسان.

ما من أحد يقترح أن اعتماد ممارسات تجارية أفضل سينتهي إلى حلّ كل قضيّة من قضايا حقوق الإنسان. ولكن لايجاد حلول فعّالة لتغيّر المناخ وأوجه عدم المساواة والتحديّات الرقمية، لا بدّ من جهات فاعلة في قطاع الأعمال تحرص على المبادرة، والمشاركة، وتحمّل المسؤوليات الملقاة على عاتقها، وهو ما يستلزم مزيجًا ذكيًا من التدابير التنظيمية والطوعية.

القومية والتمييز

إن كافة القضايا التي استعرضناها إلى الآن تطرح بعض الأسئلة الأساسية حول مستقبلنا، أو بتعبير أدقّ، حول مستقبلكم أنتم.

أنتم، أكبر جيل من الشباب شهده العالم منذ عصور، تقفون الآن عند منعطف خطير في مسار الإنسانية. وفي هذه المرحلة الدقيقة، حيث يطغى التعقيد والتشابك المتزايد بين القضايا المختلفة، يختار بعض القادة أن يتحولّوا عن الجهود التعاونية والعالمية الرامية إلى إستنباط الحلول.

في مجتمعات عديدة، تتصاعد القومية، مصحوبة بمظاهر العنصرية البارزة، والتمييز وكراهية الأجانب.

كذلك، لا يسعنا إلا أن نلاحظ حجم العداء ضد النساء والأقليات العرقية أو الدينية والمهاجرين على بعض المنصّات الإكترونية حيث تستفحل الكراهية والإنعزالية، وسرعة تحوّل هذه المواقف إلى جزءٍ من الخطاب العام الأوسع نطاقًا.

وقد لا تتوقّف هذه الممارسات عند هذا الحدّ، بل تذهب إلى تشويه السياسات العامة، مع كل ما قد ينجم عن ذلك من عواقب أكثر خطورة وإثارةً للقلق.

على سبيل المثال، في ما يتعلّق بحقوق المرأة، حيث تمّ إحراز تقدّم هائل، ليس قيد حياتي فحسب، بل خلال حياة أصغر شخص في هذه الغرفة أيضًا.

في تقريبًا كل مؤسسة ومكان عمل في هذا البلد،  كما في الكثير من البلدان حول العالم، يتزايد عدد النساء في المناصب القيادية. وباتت مشاكل عديدة تستحوذ على اهتمام أكبر بكثير وتُصنّف من المسائل المتّصلة بالسياسة العامة، من قبيل القضايا التي كانت في السابق تُعدّ "خاصة" مثل العنف المنزلي، أو تُقبل بوصفها "طبيعية" مثل العنف الجنسي في حالات النزاع والتحرّش الجنسي في أماكن العمل، أو يُنظر إليها على أنّها "عديمة الأهمية" مثل إجازة الأمومة والأبوة. وأمست الحكومات تتعامل أكثر فأكثر مع حقوق المرأة كحقوق إنسانية، كما يتمّ الاعتراف بهذه الحقوق وبالمساواة بين الجنسين كأهداف مشروعة لا غنى عنها.

فضلًا عن ذلك، انخفض معدّل وفيّات الأمهات إلى النصف وكثُر إستخدام وسائل منع الحمل وتوافرها. كذلك، تعيش النساء لفترة أطول، وبتنا ننعم بصحّة أحسن وتُتاح لنا فرص أكثر لتطوير مهاراتنا، وبشكلٍ عام، أصبحت خياراتنا أوسع.

لكن تبقى العديد من القضايا العالقة التي تستدعي المعالجة. فما زالت النساء أفقر من الرجال، وتُتاح لهن  فرص أقلّ، وإمكانية أقل للوصول إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم، وحرية أقل في اتّخاذ خياراتهم الخاصة ورفع صوتهم. ومع ذلك، لا بدّ من الاعتراف بالتقدّم الهائل المُحرز في مجال إعمال حقوق المرأة.

دعونا نتوقف الآن أيضًا لنذكّر بأن نشاط المرأة قد ساهم في تحقيق تقدّم هائل في مجال حقوق الإنسان للجميع، وفي كافة الحركات الناشطة من أجل كرامة الإنسان والمساواة في جميع أنحاء العالم.

ونحن نستوحي يوميًا من النساء والفتيات الناشطات اللواتي يدافعن عن حقوق الإنسان في أنحاء العالم كافة.

لكن، مجدّدًا، ما زال التحدّي يزداد صعوبة.

من المقلق للغاية أن نلاحظ أنّ بدلاً من المضيّ قدماً، تحاول بعض الحكومات، كما العديد من جماعات كسب التأييد، زرع العقبات أمام إعمال حقوق المرأة.

نلاحظ اليوم أن كل من الإنعزالية والانقسام بدأ يكتسب أرضية كبيرة في عدد من الدول، وكثيرًا ما شهدنا على نشوب هاتين المشكلتين من الضغوط المُمارسة ضد حقوق المرأة، والعودة إلى القوانين والمواقف الاجتماعية كنا نظنّ أنّنا خلّفناها وراءنا.

وفي الكثير من الدول، نرى محاولات تهدف إلى إصدار قوانين أو إجراء تغييرات في السياسات لوضع ضوابط أو قيود على حرية المرأة في اتّخاذ قرارات بشأن حياتها، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، قرارات بشأن صحتها وحقوقها الجنسية والإنجابية. يبدو أن ثمّة هاجس متجدّد بالسيطرة على قرارات النساء في ما يتعلّق بأجسادهن وحياتهن أو بتقييدها.

علينا أن نجتمع ونقف صفًا واحدًا لإنهاء هذا الظلم. علينا أن نحشد الجهود، علينا أن نقف بحزم ونتّخذ موقفًا صارمًا، علينا أن نمضي قدمًا ونحرز تقدّم.

متى تعرّضت المرأة للتمييز، متى تعرّضت الأقليات العرقية أو الدينية للتمييز، متى تعرّضت الشعوب الأصلية التمييز، عندها سيقع الضرر على المجتمع بأسره، ويسيطر الكبت على الناس كافة، ويستشري الفقر في حياتنا جميعًا.

يساورنا قلق بالغ إزاء ظهور خطاب الكراهية والصد والعنصرية ضد حقوق الأقليات العرقية والدينية في بعض البلدان. مجدّدًا، يبرز الترابط الوثيق بين هذه الاتجاهات والانقسامات ومساعي الشيطنة التي تجهد الحركات القومية على تغذيتها اليوم. ففي جميع أنحاء العالم، كثيرًا ما نرى سياسيين وقادة رأي مدّعين يتوقون إلى شيطنة بعض أضعف فئات المجتمع وأكثرها تهميشًا، طمعًا بتحقيق مكاسب سياسية.

هذا اعتداء مباشر على صميم برنامج حقوق الإنسان، وهو تحقيق المساواة لكل فرد ٍمن البشر.

في العديد من البلدان، نشهد اليوم إعادة إحياء للعنف والمواقف المعادية للسامية وللمسلمين. نحن نشهد ما يبدو أنه إحياء لعنصريةٍ لا تخجل من الظهور علانية.

صحيح أن الاعتراف بالمساواة وبحقوق لأعضاء مجتمع المثليّين والمثليّات ومغايري الهويّة الجنسانيّة وحاملي صفات الجنسَيْن في بلدان عديدة قد خطى خطوات جبارة خلال العقد الماضي، إلا أن المساعي الرامية إلى لجم هذا التقدّم آخذة  في التزايد. لذلك، من الأهمّية بمكان أن ندافع ونحمي أفراد هذه الجماعة من العنف والتمييز. إن الحؤول دون تعرّض الأشخاص للقتل أو الإعدام على يد العملاء الحكوميين بسبب هويتهم أو هوية من يحبون لا يجوز أن يُشكّل موضوعًا خلافيًا. يحقّ لأعضاء مجتمع المثليّين والمثليّات ومغايري الهويّة الجنسانيّة وحاملي صفات الجنسَيْن أن يتمتّعوا بنفس الحقوق ونفس الحماية، كأيّ شخص آخر.

وكما أشرنا آنفًا، إن الروايات العامة حول الهجرة واللجوء تنطوي أيضًا على الكثير من المعلومات المضلّلة، فضلاً عن المواقف العنصرية والمعادية للأجانب.

الهجرة

في الوقت الراهن، يحوي عالمنا قُرابة 272 مليون مهاجر دولي. تُبنى في وجهم الجدران والحواجز لإبقائهم بعيدًا. يُشَيطنون، يُعاملون كمجرمين، يُحتجزون بشكلٍ تعسّفي في ظروف مروّعة، بل ويفصلون أحيانًا عن أطفالهم.

لتفادي مثل هذه التدابير، ولتفادي الاعتداءات الجسدية والانتهاكات المتكرّرة التي يتعرّضون لها أثناء ترحالهم، يُضطر عشرات الملايين من المهاجرين للتنقّل والعيش بأكثر الطرق خفاءً. مهمّشون وغير مسجّلون، يعيش ويعمل الكثير من المهاجرين لسنوات وعقود تحت وطأة ظروف من الضعف الشديد والتمييز وسوء المعاملة. وبالفعل، لقد علمنا هذا العام بأن أكثر من 2400 مهاجر لقوا حتفهم خلال رحلات محفوفة بالمخاطر يقومون بها بحثًا عن الأمان والكرامة. والرقم الحقيقي هو حتمًا أكثر بكثير.

ما من دولة ملزمة بقبول كل شخص يصل إلى حدودها، بيْد أن البشر جميعهم ملزمون بالتعاطف والاعتراف بإنسانيّتنا المشتركة.  

الأشخاص اليائسون الباحثون عن الأمان والكرامة هم ضحايا، وليسوا بمجرمين. هم أناس مثلنا تمامًا، متعبون ومحتاجون.

الكثير منهم يتنقّل لأنه لا يملك خيارًا آخر. إنّ إنكار هذه الحقائق لن يجلب الأمن لأحد، بل من شأنه أن يزيد شدّة ونطاق معاناة أفراد كُثر، وأن يُفاقم الفقر والتظلّمات والتوتّرات في العالم بأسره.

وفي هذا السياق، إن الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظّمة والنظامية، الذي تمّ اعتماده بتوافق ساحق للآراء بين الدول الأعضاء في عام 2018، يذكّرنا بضرورة حماية المهاجرين" في مراحل مختلفة من الهجرة من خلال احترام حقوقهم الإنسانية وحمايتها وإعمالها".

ويُلهمنا هذا الإتفاق إلى مزيد من التعاون الدولي في سبيل مكافحة أوجه عدم المساواة، والتدهور البيئي وغير ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان التي تُجبر الناس على الفرار من ديارهم. إنه اتفاق يُطالب بالتعاون الدولي للحدّ من أوجه عدم المساواة، وحماية حقوق جميع الأشخاص أثناء التنقّل، وضمان قدر أكبر من الحرية والفرص للجميع.

على المستوى الشخصي، فقد تعلمّت الكثير من الأمور خلال منصبي كرئيس دولة ورئيس للحكومة، أحد هذه الأمور بسيط للغاية، قد قلت ذلك من قبل لكن دعوني أكرره هنا: نادراً ما فصلت فجوة عميقة بين مصلحة الإنسانية والمصلحة الوطنية لبلدي.

وإذا ما بدت سياسة ما وكأنها تخدم مصلحة ضيقة على المدى القصير، لكنها تضرّ بمستقبل البشرية على المدى البعيد، فإنّ هذه السياسة هي حتمًا غير مجدية.

أحيانًا، نسمع برفضٍ لحقوق الإنسان تحت ذريعة أنها "عالمية"، وهو ما لا يصُبّ في المصلحة الوطنية للحكومات ذات سيادة. ولكن كيف يمكن تعزيز مصالح أي دولة إستنادًا إلى سياسات تضرّ برفاه البشرية جمعاء؟

لا يمكننا حلّ مشاكلنا بمعزل عن الآخرين. لإيجاد حلول مستدامة وفعّالة للقضايا العالمية المعقدّة، من قبيل تغيّر المناخ والهجرة والأوبئة والنزاعات العابرة للحدود، لا بدَّ من حلولٍ تعاونية، لا بدَّ من حلولٍ تصون حقوق الإنسان.

الحقّ في المساواة في حماية القانون. حقّ الشخص في الحياة والحرية والأمن. الحقّ في التعليم والرعاية الصحية والطعام والمأوى والضمان الاجتماعي. الحقّ في عدم التعرّض لأي شكلٍ من أشكال التمييز. الحقّ في حرية التعبير والحقّ في الخصوصية. الحقّ في حرية الفكر والوجدان والدين. الحقّ في احترام الأصول القانونية الواجبة والخضوع لمحاكمة عادلة. الحقّ في عدم التعرّض إلى التعذيب، أو الاحتجاز غير القانوني أو التعسّفي.

قوة هذه الحقوق، وغيرها من الحقوق الأساسية، تجمعنا معًا كبشر، بصرف النظر عن الجنس أو العرق أو المعتقد أو الميل الجنسي أو الجنسية أو الوضع من حيث الهجرة أو أي عامل آخر. تكتسي هذه القِيَم والمبادئ الأساسية ضرورة قصوى للحفاظ على سلامنا المتبادل، والازدهار، والتنمية المستدامة.

اليوم، وفي جميع أنحاء العالم، يثشارك العديد من الشباب الشجعان بمسيرة من أجل الدفاع عن الحرية والبيئة. يتعيّن على صانعي السياسات أن يستمعوا إلى مطالبهم. يمكن للقادة، ونحن ولا نعني بذلك القادة السياسيين فحسب، بل القادة الاجتماعييين وعالم الأعمال أيضًا، تعزيز مشاركة الشباب وانخراطهم. يمكن ذلك، بل ينبغي ذلك، حيث أن ملامح حياة هؤلاء الشباب سترتسم من خلال القضايا التي تطفو اليوم إلى الواجهة.

شخصيًا، وبصفتي المفوضة السامية، أنا مصمّمة كل التصميم على العمل مع الدول، وهي الجهات الفاعلة الرئيسية المسؤولة عن دعم حقوق الإنسان، لإعادة الزخم إلى هذا التوافق. وبمعزلٍ عن نوع الحكومة أو النظام الاقتصادي الذي تعتمده، فإن كافة الدول الأعضاء ملزمة باحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية.

أنّ هذا الاحترام لحقوق الإنسان يُمثّل قطعًا واجبًا أخلاقيًا، ولكنها أيضًا طريقة واقعية وعملية جدًا، بل ربما الطريقة الوحيدة، لتحقيق تنمية وسلام مستدامين حقًا.

في الختام، إسمحوا لنا أن نقول التالي. اليوم، يواجه العالم الكثير من التحدّيات الصعبة. تحدّيات أكبر من أن يتحملّها بلد واحد بمفرده. تحدّيات لا تقيّدها حدود. تحديات هائلة، مثل تغير المناخ، تهدّد البشرية جمعاء،  وحقوق الإنسان بمُجملها. تحدّيات متراكبة بإحكام، مترابطة بشكل وثيق تمامًا كترابط أقدار جميع البشر الذين يتشاركون هذا الكوكب.

كيف لنا أن نتخطّى هذه التحدّيات؟ كما تعلمون، ما من حلٍ واحد بسيط، ولكن قد نتفّق على نهجٍ متسقٍ وموحّدٍ، مجموعة من المبادئ الإرشادية التي ترتكز على إجماع واسع، وهو نهج سبق أن أثبت جدواه لصانعي السياسات على مدى عقود.

لا بدّ من مساحات أوسع وأكثر أمانًا للمشاركة المدنية ومن تعزيز والانخراط في العمل المدني. وضمن هذه المساحات، حيثما كان ذلك ممكنًا، لا بدّ من توحيد الجهود والسعيّ الحثيث من أجل صياغة سياسات أفضل. لا بدّ من ممارسة الضغوط لفرضها.

ينبغي أن نتوقّف عن العمل وكأننا في صوامع، كمجموعات منعزلة لمناصرة المرأة، أو مناصرة اللاجئين، أو مناصرة السكّان الأصليين. في الواقع، يجب أن نتوقّف عن العمل في صوامع كمدافعين عن حقوق الإنسان. على العكس من ذلك، علينا إيجاد قضية مشتركة مع الأشخاص الذين يعملون في مجال البيئة وتغيّر المناخ والتنمية المستدامة.

علينا بناء شراكات جديدة، مع الشركات، مع النقابات، مع الجماعات الدينية، مع المعلمين وغيرهم، بغية توسيع الدائرة الجماهيرية المطالِبة بالنهوض بحقوق الإنسان.

في ظل الاهتمام المتزايد الذي يلقاه المشهد العالمي والرقمي الجديد في العالم من حولنا، من الضروري أن يقوم أشخاص مثلكم، في مؤسسات مثل هذه، بتحليل دقيق لأكثر الأساليب نجاحًا في الاستجابة لاحتياجات الناس. هذا ينطبق على الصعيد العالمي، ولكن أيضًا على الصعيدين الوطني والمحلي: الحوكمة الرشيدة والنشاط الفعّال، كلاهما يتطلّب بحثًا متواصلًا عن أساليب جديدة واستراتيجيات جديدة وشراكات جديدة وطرق عمل جديدة.

لا تشكّل حقوق الإنسان شاغلاً أساسيًا لخبراء السياسة. لكنها شريان الحياة، والقوة الحيوية التي تدعم كل ديمقراطية ومجتمع سليم. أنها تصيغ الحلول.

من خلال ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان في أنفسنا ومجتمعاتنا، يمكننا مواجهة تحدّيات وشكوك السنوات القادمة بشكلٍ أفضل. هم البوصلة التي توجهنا وسط المجهول.

يجب أن نعمل سويًا، محامو حقوق الإنسان، وخبراء معلوماتية، ومهندسون، وممثلو شركات وناشطون وهيئات حكومية وحكومية دولية. التوصّل إلى اتفاق بين هذه المجموعات المتنوعة ليس بالأمر اليسير، ولكن لا بدّ من التحرّك إلى الأمام في هذا المجال.

الأهمّ من كل ذلك، أنا أحثّكم على عدم الاستسلام لليأس. إبحثوا داخل أنفسكم، تعرّفوا على قيمتكم ومبادئكم وآمالكم. وتصرّفوا وفقًا لذلك. تصرّفوا بإسم العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون. دافعوا عن حقوق الإنسان، وشاركوا في الدعوة إلى استحداث حلولٍ مسؤولة تقوم على حقوق الإنسان لمواجهة تحدّيات هذا العصر الجديد.

وشكرًا.