Header image for news printout

هل لا تزال حقوق الإنسان تحافظ على أهميّتها؟ أجندة لتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية

بيان مفوّضة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت

تشاثام هاوس، لندن، في 19 تشرين الثانيّ/ نوفمبر 2019

 

حضرة السيدة ماندال المحترمة،
حضرة الأعضاء الكرام،
أيّها الزملاء والأصدقاء الأعزّاء،

اسمحوا لنا أوّلاً أن نشكركم على منحنا فرصة التحدّث إليكم اليوم. هي لحظة مثيرة للاهتمام نناقش خلالها التحديات التي تعيق تنفيذ أجندة حقوق الإنسان، والحلول العديدة التي توفرها هذه الأجندة نفسها لبعض التحديات القائمة.

نودّ أن نستهلّ كلمتنا بموضوع يحرق حاليًّا شوارع العديد من مدن العالم، بكلّ ما للكلمة من معنى وهو عدم المساواة.

عدم المساواة في الفرص، وفي السلطة السياسية، وفي الوصول إلى العدالة والتعليم، ومعاشات التقاعد وغيرها من الخدمات والموارد الأساسية الأخرى. وتشكّل عدم المساواة مصدر عزلة ومظالم وإقصاء وتوتّر اجتماعي وصراع. وتنتج عن سوء الإدارة والفساد والفشل في احترام سيادة القانون وتفشّي التمييز. وتولّدها انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما أنّها تقوّض التنمية.

وتغذّي عدم المساواة انعدام الأمن والتطرّف. وتؤدي إلى الهجرة غير الطوعية. وتزيد من تأثّر الكثيرين بانعكاسات تغيّر المناخ، وتوسِّع الفجوة بين من يتمتّع بإمكانيّة الوصول إلى التكنولوجيا ومن لم يشمله هذا التطوّر.

وعدم المساواة قاتلة حتّى: فالفشل في ضمان الوصول المناسب إلى الخدمات الصحية والسكن الملائم والمياه النظيفة والغذاء، يؤدّي إلى مقتل العديد من الناس يوميًّا.

لقد أدركنا الضرّر العميق الناجم عن عدم المساواة عندما التزمنا بخطّة التنمية المستدامة للعام 2030. وفي الواقع، إنّ الهدف 10 من أهداف التنمية المستدامة مكرّس بالكامل للتغلب على أوجه عدم المساواة، ضمن البلدان وفيما بينها، ولكنّه يكلّل حقيقة جميع الأهداف الـ17، عبر شعار "شمل الجميع من دون أيّ استثناء" والوصول أولاً إلى أبعد الناس عن المساواة.

ولكنّ التفاوت الاقتصادي تفاقم في عهد أهداف التنمية المستدامة، حيث ازداد تركّز الثروات كثافة بحسب ما أوردته منظّمة أوكسفام. فقد شهدت ثروات أصحاب المليارات في العالم ارتفاعًا صافيًا بمقدار 2,8 مليار دولار في العام 2018، في حين أنّ ثروة نصف البشرية الأفقر أيّ ما يعادل 3,8 مليار نسمة تقريبًا، انخفضت بأكثر من 10 في المائة.

لا يمكن أربعة مليارات شخص الوصول إلى شبكات الأمان أو أيّ نوع من الحماية الاجتماعية. ويعاني أشد الناس فقرًا وتهميشًا في العالم من أسوأ آثار تغيّر المناخ، ومن المحتمل أن يتفاقم هذا التأثير التمييزي الحاد، لأن حالة المناخ تزداد سوءًا.

في العام 2019، اندلعت مظاهرات في شوارع عدد كبير من البلدان: في الجزائر، والأرجنتين، وأذربيجان، والبرازيل، وبوليفيا، وبوركينا فاسو، والكاميرون، وتشاد، وتشيلي، وكولومبيا، والجمهورية التشيكية، وإكوادور، ومصر، وفرنسا، والغابون، وغينيا، وهايتي، وهندوراس، وهونغ كونغ، وهنغاريا، وإندونيسيا، والعراق، وكازاخستان، ولبنان، ومالي، ونيكاراغوا، والنيجر، وروسيا، وصربيا، وسلوفاكيا، وإسبانيا، والسودان، وفنزويلا، وزيمبابوي، بالإضافة إلى المظاهرات لمواجهة تغيّر المناخ التي تعمّ عددًا أكبر من دول العالم.

وتبيّن المجموعة المتنوّعة من الأنظمة السياسية والاقتصادات ونماذج الحوكمة والموارد إلى بروز حركة جديدة واسعة النطاق وإلى فشل السياسات والاقتصادات المعاصرة.

وليست المظاهرات حكرًا على المجتمعات التي تعاني أسوأ أوجه عدم المساواة في العالم، بل تنطلق وفقًا لسياقات وأسباب خاصة بها. ولكنّه من الواضح أن عدم المساواة تشكّل أساس هذه المظاهرات بمعظمها.

والعامل الأساسيّ الثاني لهذه المظاهرات هو عدم الرضا عن أداء القيادة وعدم الثقة بها. كما يبرز عجز ديمقراطي، وشعور بأنّ رفاهية الشعب ليست الأولوية القصوى في العديد من الدول. ويغذّي كلّ من الفساد والمحسوبية وتدهور الخدمات العامة، على غرار المياه والصرف الصحي والإسكان والرعاية الصحية، هذا الغضب العارم من السلطة.

أمّا العامل الثالث المشترك فينبع من قناعة الشباب بأنهم يُحرَمون من حقّهم في المشاركة، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، ومن سرقة الأمل منهم. ويؤدي تغيّر المناخ إلى تفاقم عدم المساواة بشكل متزايد. كما يرسّخ التصوّر السائد بأنّ الحصّة التي تعود للشباب عن وجه حقّ قد سُرقت منهم. ولم يعد احترام القواعد والقوانين، والاجتهاد في العمل، ودفع المستحقات يُعتبر كافيًا لتحقيق النجاح. كما يتجلّى خوف متزايد من أن يرث أطفال اليوم وأجيال الغدّ المتعاقبة عالمًا أكثر قسوة ووحشية. ويساهم الاعتقاد السائد بأنّ الهياكل السياسية التقليدية لا تنصت لهذه المخاوف، أو أنّها متواطئة على نهب مستقبل الشباب، في تحطيم كلّ أمل وتماسك اجتماعي.

والعامل الرابع المشترك لمعظم هذه المظاهرات، هو أنّ ردّ العديد من الحكومات الأوّل ركّز على إنفاذ القانون وخنق المظاهرات، بدلاً من الإصغاء إلى ما يقوله المتظاهرون؛ وفي العديد من الحالات، عبر استخدام الشرطة المفرط أو المميت المزعوم للقوة، ومع انتشار أدلّة على ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يساهم في تفاقم غضب الشعب إلى درجة قصوى من الغليان.

غالبًا ما شهدنا المظاهرات تنطلق من نقطة محدّدة ومحدودة. ثم تتضخّم ردًّا على وحشيّة الشرطة، في ظلّ شعور من الحرمان من حقوق الإنسان، وبدفع من أسباب جذرية ومتشابكة، إلى أن تتحوّل إلى تعبير أوسع نطاقًا عن استياء وسخط.

وتجدر الإشارة في هذا الموضع إلى انتشار القيود المفروضة على الحيّز المدني والحريّات الأساسيّة الواسع النطاق. ففي جميع أنحاء العالم، اعتمدت الدول في السنوات الأخيرة قوانين تقيّد بشكل حاد حقوق شعوبها في التجمع والمطالبة بحقوقها. ومنها القيود المفروضة على تمويل المنظّمات، والشروط الصارمة للغاية المفروضة عند تسجيل منظّمات المجتمع المدني وتشغيلها. ويواجه الناشطون أيضًا انتشار المعلومات مضللة والكاذبة بشأنهم، وتشويه سمعتهم واتّهامهم بخيانة الأمّة. كما تتمّ إساءة استخدام النظام القضائي لتبرير مداهمة منظّمات المجتمع المدني مرارًا وتكرارًا ومحاكمتها كمجرمة، لمجرد التعبير عن وجهات نظر سياسية أو التجمع في سياق المظاهرات.

لا تجعل هذه القيود المفروضة على الحيز المدني أيّ شخص أكثر أمانًا، بل تسمح بأن يبقى الظلم متفشّيًا عبر إسكات الناس، كما يولّد توترًا اجتماعيًا متزايدًا وتجبر الناس على الخروج إلى الشارع.

يدرك الناس تمامًا أنّهم يتمتّعون بالحقّ في التجمع السلمي للتعبير عن آرائهم، والدخول في حوار مع السلطات.

ويرغب الناس في أن تدعم الحكومات حقوقهم ورفاههم، وأن تحقّق مصلحة الجميع وليس مصلحة حفنة من الناس. هم يطالبون بالشفافية والشمولية، ويريدون إسماع أصواتهم وآرائهم.

يشكّل استخدام القوة غير الضرورية وغير المتناسبة ضد أشخاص يطالبون سلميًّا بحقوق الإنسان التي يتمتّعون بها، أو يعبرون عن آراء تنتقد السلطة، انتهاكًا لحقوق الإنسان. كما أنّه يعقّد الخروج المستدام من الأزمة من خلال زيادة التوتّر، ما يعني أنّه يؤدي أيضًا إلى نتائج عكسية على أرض الواقع.

بصفتنا وزيرًا سابقًا للدفاع ورئيس دولة، ندرك تمامًا التحدّيات التي تواجه التعامل مع التهديدات الأمنية. ونرى أنّه على العديد من السلطات أن تتذكّر أنّ الهدف من تدخلاتها هو حفظ السلام والأمن.

اسمحوا لنا أن نؤكّد على ثلاث نقاط أساسيّة في هذا الإطار.

أوّلاً، عند الاحتجاج على انتهاكات حقوق الإنسان وتجاوزاتها، يؤكّد المتظاهرون اليوم وبكلّ وضوح على أنّه لا يمكن تقديم حلول مستدامة تعالج مظالمهم الأساسية، إلا من خلال نهج قائم على حقوق الإنسان.

وبصفتنا مدافعين عن حقوق الإنسان ومن صانعي السياسات سابقًا، ندرك عاملَي هذه المعادلة. وتبيّن جليًّا تجربتنا الخاصة وتجربة العديد الآخرين أنّ أفضل خطوة أولى نحو معالجة المظاهرات والمعارضة هي أن تتجنّب السلطات الردّ المتسرع القائم على القمع العنيف وأن تعالج بدلًا من ذلك الأسباب الكامنة من خلال الدخول في حوار شامل وحرّ. هذا بالضبط ما تطلبه وتدعمه أجندة حقوق الإنسان.

ويتعلّق الكثير من المطالب الأخيرة بعدم المساواة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ولكن بما أنّه لا يمكننا أن نطالب بهذه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من دون رفع الصوت والتعبير عن الرأيّ والتجمع والاحتجاج، فهي في جوهرها تتعلّق بالحقوق المدنية والسياسية أيضًا.

هذه هي نقطتنا الثانية. علينا أن نتناول الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية بصورة شاملة ومتكاملة. لربّما أدّت تدابير اقتصادية إلى مظاهرات اليوم، ولكنّها تردم أيضًا الانقسامات الطائفية والسياسية التقليدية وتثير قضايا مختلفة ومتنوّعة واردة في أجندة حقوق الإنسان، ما يؤكّد على عدم قابليّة تلك الحقوق للتجزئة.

نقطتنا الثالثة هي أنّنا نؤكّد باستمرار على عدم قابلية الحقوق للتجزئة، ونعتبر أنّ العديد من البلدان المرتفعة والمتوسّطة الدخل لم تعتبر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حقوقًا بكلّ ما للكلمة من معنى ولم تأخذها على محمل الجد. فهي في الواقع التزامات قانونية بموجب القوانين والمعاهدات الدولية، ويجب على الدولة أن تضمن وصول الجميع إليها. والدول ملزمة بزيادة الموارد المتاحة إلى أقصى حدّ كي تحسّن حياة جميع الأفراد الذين يعيشون فيها.

علينا أن نسترجع روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يفرض احترام جميع الحقوق، بما فيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بغض النظر عن النظام الاقتصادي أو السياسي في كلّ دولة.

لقد تحدثنا مرارًا وتكرارًا عن عدم المساواة والمظاهرات، ونعتبر أنّ الوقت قد حان كي ننظر إلى التحديات المتفاعلة الأخرى التي تؤجّج المظاهرات.

اسمحوا لنا أن نبدأ بتغير المناخ. إن القضايا المثارة في هذا السياق أكبر ممّا توحي به ملايين المسيرات.

منها التوظيف، والبنية التحتية، وأنظمة النقل، والزراعة، والصحّة، واختفاء الأحياء والمدن، وتشريد الناس، وحتى النزاعات المتفاقمة: فقد بدأت أضرار المناخ تتفشّى فعلاً. أمّا فيما يتعلق بتفاقم أوجه عدم المساواة، والجوع، والصحّة، والبنية التحتية، والتنمية الاقتصادية، والصراعات، والتشرد، والتوترات الاجتماعية، والعقبات التي تحول دون إعمال حقوق الإنسان بأوجهها المختلفة كلّ الاختلاف، فتؤكّد أنّ لتغير المناخ تأثير أكيد على كل بلد في العالم.

ليس الفشل في معالجة حالات الطوارئ المناخية بشكل مناسب مجرد خطأ فادح أو تعثّر في السياسة فحسب، بل يشكّل إخلالاً في مسؤولية كل حكومة تجاه شعبها.

لا يزال الوقت سانحًا للعمل. ويمكن مبادئ حقوق الإنسان، وقانون حقوق الإنسان، أن يعزّزا ويساهما في عمليّة صنع السياسات الدولية والإقليمية والوطنية في مجال تغّير المناخ. كما يمكنهما أن يروّجا للسياسات التي تزيد من قدرتنا على الصمود والتكيف مع أضرار المناخ، وأن يحميا المجتمعات الأكثر ضعفًا، وأن تمكّنانا من الاستفادة من مهارات كل فرد من أفراد المجتمع وأفكاره.

إنّ معالجة القضايا القائمة، والوقاية من الأضرار المناخية حيثما يكون ذلك ممكنًا من خلال التخفيف الفاعل من تغيّر المناخ، وتعزيز المجتمعات فتتكيّف مع تغيّر المناخ وتحقّق الازدهار في مواجهته، لحاسمة للغاية بالنسبة إلينا جميعنا. ويجب أن نتأكّد من أنّ الدول والشركات وجميع الجهات الفاعلة الأخرى تتّخذ تدابير فعّالة تمنع تغيّر المناخ، وتساعد الجميع، لا سيّما الأكثر ضعفًا، على التكيّف مع تغيّر المناخ، وتحمي الحقوق في سياق العمل المناخي.

الهجرة

الهجرة من القضايا الأخرى التي جذبت الكثير من الاهتمام في خلال الأسابيع القليلة الماضية، وهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمسألة عدم المساواة والمظاهرات. فقد أدّت وفاة 39 مهاجرًا في شاحنة مبرّدة في إسيكس إلى موجة عارمة من التعاطف طبعت النفوس مقارنة مع عناوين الصحف التي عادةّ ما تصف بطريقة مختلفة عشرات المهاجرين المسافرين عبر الحدود بدون تأشيرة صالحة. وعلى الرغم من إجراء الشرطة تحقيقًا فوريًّا في الحادثة، لم يؤدِّ ذلك حتى الآن إلى معالجة أيّ من القضايا البارزة ذات الصلة.

لماذا يموت بعض الناس عند محاولتهم عبور حدود يعبرها الكثير منّا يوميًّا بسهولة نسبيًا؟ ما الذي حوّل رحلة هؤلاء الأفراد الـ39 إلى رحلة محفوفة بالمخاطر إلى هذه الدرجة؟

هناك حاليًّا حوالى 272 مليون مهاجر دولي حول العالم. وقد تمّ تشويه سمعة الكثيرين منهم وشيطنتهم، وهم يعاملون كالمجرمين، ويُحتجزون تعسفًا، ويُفصلون أحيانًا عن أطفالهم. كما تُبنى الجدران والحواجز، على أساس فكرة أنّ إغلاق قنوات الحركة الآمنة والمنتظمة، وتحويل رحلات المهاجرين عمدًا إلى رحلات أكثر خطورة، يثنيهم عن مغادرة ديارهم.

لكن عندما يواجه الناس العنف والاضطهاد والحرمان واليأس، لن تثنيهم أيّ أجراء أو تدبير آخر عن التحرّك والانتقال إلى مكان أكثر أمنًا.

في العقد الماضي، شهدنا صانعي السياسة في البلدان المختلفة يثيرون العداوات عمدًا ضد المهاجرين، لأنّ الغضب العارم الذي يولدونه قد يوجّه عناوين الصحف وأصوات الناخبين.

وبمجرد وصول هؤلاء القادة إلى السلطة، قام بعضهم ببناء حواجز مميتة أمام حركة المهاجرين.

لكنّ المهاجرين هم أشخاص مثلكم ومثلنا، ومثل آبائنا وأجدادنا. اسمي ميشيل باشيليت لأنّ أحد أجدادي انتقل من فرنسا إلى تشيلي. وأنا متأكّدة من أن العديد منكم يمكنه أن يجد مهاجرًا من بين أسلافه.

يذكّرنا "الاتّفاق العالمي من أجل الهجرة"، الذي تبنته أغلبيّة ساحقة من الدول الأعضاء في الأمم المتّحدة في العام 2018، بضرورة احترام حقوق الإنسان لجميع المهاجرين وحمايتها وإعمالها في جميع الأوقات."

كما يشكّل مصدر إلهام كي نتعاون تعاونًا دوليًّا أوثق ونعالج أوجه عدم المساواة العالمية والتدهور البيئي والأسباب الجذرية الأخرى، التي تجبر الناس على مغادرة ديارهم. ويُعتَمَد التعاون وسيلةً للحدّ من عدم المساواة وحماية حقوق جميع الأشخاص أثناء التنقل وضمان المزيد من الحريّات والفرص.

تترافق القومية المتفاقمة في العديد من البلدان، التي تغذيها كراهية الأجانب، مع العنصرية الواضحة وغيرها من أشكال التمييز، بما في ذلك الهجوم على حقوق المرأة وحقوق المثليات والمثليّين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية وحاملي صفات الجنسين.

أمّا فيما يتعلّق بحقوق المرأة، فقد تم إحراز تقدم ملحوظ، حيث يعتبر عدد أكبر من الحكومات حقوق المرأة من حقوق الإنسان، ويعتبرها مع المساواة بين الجنسين من الأهداف المشروعة.

شاركنا الأسبوع الماضي في قمة نيروبي، حيث اجتمعت الحكومات والأمم المتّحدة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والأطراف المعنيّون الآخرون لإنجاز الأعمال غير المكتملة لجدول أعمال المؤتمر الدولي للسكان والتنمية. وقد كُلِّلَت القمة بالنجاح، وحشدت أكثر من 1200 التزام من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك مليارات الدولارات في شكل تعهّدات من شركاء في القطاعين العام والخاص.

كما شكّلت القمة أيضًا مكانًا مهمًّا لرفع صوت المجتمعات المهمّشة التي تمكّنت من التواصل مع القادة وصنّاع القرار، والمضي قدمًا في إعمال الحقوق والصحة للجميع. كما أظهرت القمّة عزمًا جماعيًا على تحقيق وعد أجندة المؤتمر الدولي للسكان والتنمية بكامل إمكاناتها، من أجل تحقيق الصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، بحسب ما يؤكّده "إعلان نيروبي".

على الرغم من ذلك، شهد العالم تعبئة ضد أهداف القمّة في الفترة التي سبقت انعقادها، كما أنّ بعض الدول أعرب عن عدم موافقته على نتائجها. وشهدنا مرّة جديدة كيف أن بعض الحكومات والعديد من مجموعات الضغط تعيق حقوق المرأة بدلاً من أن تسعى إلى تحقيقها.

ونشهد أيضًا في العديد من الدول محاولات لسنّ قوانين أو تعديل سياسات بهدف التحكم بحريّة المرأة في اتّخاذ قرارات بشأن حياتها أو تقييدها، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر بشأن الصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية. يبدو أن هاجسًا متجدّدًا للسيطرة على قرارات المرأة الخاصة بجسدها وحياتها وتقييدها، يبرز من جديد.

يتعين علينا أن نتّحد كي نضع حدًّا لهذا الظلم، ونعبّئ كافة الموارد ونواجه بحزم ونمضي قدمًا.

الأمر سيّان بالنسبة إلى الاعتراف بالمساواة وحقوق المثليات والمثليّين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية وحاملي صفات الجنسين. لقد شهدنا تقدمًا في هذا المجال في العديد من البلدان في العقد الماضي، ولكنّ هذه التطورات تواجِه أيضًا وبشكل متزايد الكثير من النكسات. ومن الضروري أن ندافع ونحمي مجتمعات المثليات والمثليّين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية وحاملي صفات الجنسين من العنف والتمييز.

لذا نرى أنّ كلّ هذه العمليّات الجديدة تؤدي إلى العداء والانقسام، في حين أنّ رفض التعاون العالمي ينتج عن العزلة والاستياء من القيادة، وهو من العوامل الأخرى التي تدير حركات المظاهرات اليوم.

ومن جديد، يزيد هذا الواقع من الضرورة الملحّة لمعالجة فكرة أنّ الدولة ومؤسساتها لا تسمع ولا تهتم بحياة الناس العادية وبوصولهم إلى ما يجدر به أن يكون حقوقهم.

واسمحوا لنا أخيرًا بأن نتناول دور وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الأدوات الرقمية الأخرى في سياق هذا المشهد الجديد.

علينا أوّلاً أن ندرك دور وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيات الجديدة عامةً، ولكن أيضًا وعلى وجه التحديد دورها في بروز هذه المظاهرات.

تلعب التكنولوجيا دورًا أساسيًا في تيسير الوصول إلى المعلومات وتعبئة الناس وجمعهم، وهي من النتائج الإيجابية للغاية. فقد ازدادت قدرة الناس اليوم على مشاركة المعلومات وتلقيها والالتقاء حول قضية ما، وما يزيد بطبيعة الحال من الضغوط على من يتّخذ القرارات لضمان مساءلة الحكومة. وإمكانات التقنيات الناشئة للمساهمة في خطّة العام 2030 متعدّدة الأشكال بشكل غير مسبوق.

يمكن أن يشكّل الطابع الفوري لعالمنا الرقمي وترابطه الموثوق قوة جبّارة للتنظيم والتعبير عن الرأي.

إنّ هذه المنصّات الجديدة في الواقع مهمّة للغاية، بحيث لجأ العديد من الدول إلى حظر التطبيقات أو حتى حجب الإنترنت لوضع حدّ لموجة المظاهرات.

لكن لا يمكننا التغاضي عن أنّ تكنولوجيا المعلومات تساهم في القوى التي تغذي المظاهرات. فالكراهية والتضليل منتشران في كل مكان، وتأثيرهما المقلق على مجتمعاتنا، وخطابنا، وحياتنا هائل. ويتم استخدام المنصات نفسها التي تربط من يرغب في مكافحة عدم المساواة لارتكاب أفظع الجرائم.

وفي الوقت نفسه، خلقت التكنولوجيا أيضًا سبلاً غير مسبوقة تعتمدها الدول لمراقبة المنتقدين واستهدافهم، مثل الصحفيّين والمدافعين عن الحقوق. كما يتيح تطبيق التعرّف على الوجه وتتبع الهواتف المحمولة أمام الدول فرصًا جديدة كي تتعقّب المتظاهرين، ما يؤدّي إلى تفاقم أعمال الانتقام.

وقد تسبّبت المضايقات وحملات التصيد والترهيب والأكاذيب في تلويث أجزاء من الإنترنت. ويمكنها أن تشكّل أيضًا تهديدات حقيقية في العالم الواقعيّ، مع الإشارة إلى أنّ تأثيرها غير متناسب على النساء والأقليات والمدافعين عن حقوق الإنسان.

إنّ الردّ ردًّا مناسبًا على هذا السلوك عبر الإنترنت لمعقّدٌ، لكنّه من الجلّي أنّ حقوق الإنسان يمكنها أن تساهم في هذا المسعى. ولا يتمثّل المضي قدمًا في حظر المفاهيم المعرّفة تعريفًا غامضًا مثل خطاب الكراهية، لأنّنا بحاجة إلى نُهج وعتبات أكثر دقّة لتحديد ما هو المحتوى المحظور. وفي هذا الموضع أيضًا، قد يشكّل قانون حقوق الإنسان أداة مفيدة وعالمية.

يتطلّب العديد من القضايا الأخرى إدارة أكثر فعالية للمشهد الرقمي. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك، نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي لتقييم الناس وتصنيفهم، واستخلاص استنتاجات حول خصائصهم البدنية والعقلية، وتخصيص مزايا الحماية الاجتماعية، وتوقّع حالتهم الطبية في المستقبل، ومدى ملاءمتهم للوظائف، وحتى احتمال ارتكابهم مخالفة. وتطلّب هذه القضية، شأنها شأن القضايا الأخرى، مزيجًا أكثر تعمّقًا من التنظيمات والسياسات والحوافز من أجل معالجة آثار التحوّلات الرقمية على حقوق الإنسان.

لا يمكننا ببساطة أن نسمح للمشهد الرقمي بأن ينظر إلى نفسه على أنه فضاء غير خاضع للحوكمة ولا يمكن إدارته، وعلى إنه ثقب أسود لا يمكن أن تسبره حقوق الإنسان.

لا شكّ في أنّ رد فعل الهيئات الناظمة المفرط بهدف كبح الخطابات واستخدام الإنترنت من قضايا حقوق الإنسان المهمّة للغاية. ويقوم العديد من الدول بتحديد ما يمكن للأشخاص الوصول إليه وتقييد حريّة التعبير والنشاط السياسي عبر الإنترنت، بحجّة محاربة الكراهية أو التطرف في معظم الأحيان.

يجب أن نتأكّد دومًا من أنّ الأطر التنظيمية والأنظمة التي تهدف إلى تنظيمها تمتثل للقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويجب أن نضمن دومًا أنّ الثورة الرقمية تخدم الشعب، وأنها تتوافق مع المبادئ الأساسيّة على غرار الشفافية والإنصاف والمساءلة والمراقبة وجبر الضرر.

ما يعني تخطّي المبادئ والتوجيهات الأخلاقية المبهمة التي وضعتها بعض الشركات. فالإطار الدولي لحقوق الإنسان متطوّر تطوّرًا مناسبًا مبدئيًّا على مستوى المخاطر التي تهدّد حقوق الإنسان في مجال الأعمال التجارية ويمكنه البناء على الأطر الأخلاقية. ويوفّر ضوابط للسلطة وأساسًا متفقًا عليه، وهو عملي وقانوني وعالمي، ليكون بمثابة أساس للدول والشركات كي تعدّ ردودها في العصر الرقمي.

قد يبرز موضوع جديد في هذا السياق، فالعديد من التحديات التي تناولناها اليوم تشكل تهديدات كبيرة لحقوق الإنسان وتثير المظاهرات. هي مجموعة من القضايا المنفصلة، ولكنها مترابطة، وتقيّد قدرتنا على البحث عن حلول وإنشاء مجتمعات متناغمة وسلمية. ولحقوق الإنسان دور أساسي تلعبه في توليد مساحات جديدة للحوار وصياغة السياسات التي تتيح لنا مواجهة تلك التحديات وتصحيح الأخطاء المرتكبة.

كما أشرنا أعلاه، لا يقتصر الأمر على العدالة فحسب بل يتعلّق بالمصلحة الذاتية، وبصقل مجتمعات قادرة على الاستمرار والازدهار في ظلّ الاضطرابات وحقبة صعبة للغاية.

علينا أن نعيد بناء ثقة الرأيّ العام في المؤسسات المشتركة، ولا يمكن لأي أداة تسويق أن تحقّق ذلك، بل نحتاج إلى جهود حقيقية كي نحقّق ما يعتبره الناس حقوقهم.

تربطنا قوّة الحقوق الأساسية فيما بيننا كبشر، بغض النظر عن نوعنا الاجتماعيّ وعرقنا ومعتقدنا وميلنا الجنسي وجنسينا ووضعنا على مستوى الهجرة وأي عامل آخر. لقد أثبتت هذه القيم والمبادئ الأساسية أنها ضرورية للحفاظ على السلام المتبادل والازدهار والتنمية المستدامة. كما يمكنها أن توجّه صانعي السياسات نحو اعتماد سياسات أفضل بينما نتصدّى معًا لتهديدات تحدق بنا.

قد تشكّل ردودنا على المظاهرات الجماهيرية على أساس حقوق الإنسان أساسًا منتجًا للغاية كي نسير معًا نحو حلول مستدامة. وتقع على عاتق الحكومات التزامات قانونية بدعم حقوق محدّدة والتركيز على هذه النقطة يمكن أن يولّد ضغطًا لإطلاق مناقشات حقيقية ومحترمة مع المنتقدين والمتظاهرين تيسّر التغييرات السياسية الإيجابية والفاعلة.

لكلّ حالة من حالات الاحتجاج هذه جذورها وسياقها وعِبَرها. ولكنّنا نعتبر أنّها تُنتِج جميعها عددًا محدودًا من توصيات يجب على جميع المسؤولين في كل مكان أن يبقوها في الحسبان.

  • اصغوا بكلّ احترام وانتباه إلى الأصوات المنتقدة. غالبًا ما نشجّع صناع السياسات على النظر إلى الناشطين على أنهم حلفاؤهم، حيث يمكن أن تؤدي تحاليلهم ومشاركتهم إلى تغييرات إيجابية.
  • تجاوزوا القياسات المجرّدة لمتوسّط التقدم الوطني، على غرار الناتج المحلي الإجمالي، وانتقلوا نحو المؤشرات الأوسع للعدالة الاجتماعية والرفاه على جميع مستويات المجتمع.
  • أديروا اقتصادات عادلة، وحقّقوا تنمية مستدامة وشاملة. فخطّة العام 2030 تسعى إلى تحقيق النمو الاقتصادي الذي يعزّز المزيد من الحرية والرفاه والعدالة والحقوق. ولأول مرة في تاريخ البشرية، أصبحنا نتمتّع اليوم بالقدرة على إنهاء الفقر المدقع وتعزيز الحماية الاجتماعية الشاملة والتغطية الصحية الشاملة بفضل التقدّم في الصحة والاقتصادات والعديد من المجالات الأخرى. فكلفة عدم إنجاز أيّ تقدّم باهظة جدًّا وتتخطّى كلفة إحراز التقدّم.
  • اضمنوا ممارسات محترمة للشرطة: تُعتَبَر وحشية الشرطة تعبيرًا عن ازدراء الحكومة لشعبها. وقد تعقّد موقفًا صعبًا أصلاً وتجعله أسوأ.
  • أقضوا على التمييز. ما من فائدة لقوانين وممارسات وعقليات تمنع الناس من التمتّع بحقوقهم والمساهمة مساهمة كاملة في مجتمعاتهم. التمييز مؤذٍ للمجتمع ككلّ، وهو غير عادل إلى أقصى الحدود، والإهانات والذل الناتجان عنه يولّدان معاناة دائمة واستياء لا متناهي.
  • أخيرًا وليس آخر، ابنوا حوكمة ردّها سريع ومبنيّة على المشاركة وشفافة وخاضعة للمساءلة. من الصعب تحقيقها ولكنّها أساسيّة وحيوية.

وشكرًا.