Header image for news printout

الدورة الثانية عشرة لمنتدى الأمم المتّحدة المعني بقضايا الأقليات
"التعليم واللغات وحقوق الإنسان في مجتمعات الأقليات"
بيان مفوّضة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت


جنيف، في 28 كانون الثاني/ نوفمبر 2019

حضرة رئيس المجلس المحترم،
حضرة المفوّض السامي للأقليّات القومية،
حضرة الرؤساء المشاركين،
أصحاب السعادة،
أيّها الزملاء والأصدقاء الكرام،

يسرّنا أن نشارك في افتتاح الدورة الـ12 لهذا المنصّة الفريدة من نوعها، التي تيسّر الحوار والمشاركة بين أفراد الأقليات وممثلي الدول والمنظّمات الدولية والإقليمية، ومجموعات المجتمع المدني العالمية والمحلية والجهات الفاعلة الأخرى.

كما نرحّب بتركيز هذه الدورة على مواضيع محدّدة، وبتسليطها الضوء على ضرورة احترام الأقليات وإدراج لغاتها وثقافاتها في كل جانب من جوانب التعليم.

تعهّد المقرّر الخاص المعني بقضايا الأقليات الدكتور فرناند دي فارين، برفع تقرير إلى مجلس حقوق الإنسان خلال دورته المنعقدة في شباط/ فبراير، بشأن "التعليم واللغات وحقوق الإنسان في مجتمعات الأقليات" على أن يستند إلى ملاحظات هذا المنتدى وتوصياته. وسيتناول أيضًا عدّة مواضيع أخرى منها الاعتراف بلغات الأقليات وحمايتها وتعزيزها في التعليم، والتدريس بلغات الأقليات، وضمان المساواة في الحصول على التعليم الجيد لأفراد مجتمعات الأقليات، بما يتماشى وخطة التنمية المستدامة للعام 2030.

هذه المواضيع حاسمة. فبيئات التعليم التي تتّسم بالاحترام والتمكين هي بمثابة مفتاح أساسي لتنمية الإنسان الكاملة واتّخاذه قرارات مستنيرة، ومشاركته الكاملة في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.

كما أنّها تمهّد الطريق أمام إدخال تحسينات كبيرة للغاية في مجال الصحة والرفاه التي وغالبًا ما تنسحب على الأجيال المقبلة. ولا تزال الأدلة الدامغة على قدرة التعليم على تحسين الحياة تتراكم، لا سيما بالنسبة إلى الفتيات والنساء.

ولكن بهدف إطلاق العنان لهذه الأدوات الجبّارة، يجب توفير التعليم في سياق يسوده الاحترام. من صفوف الروضة إلى الجامعة، وطوال مدّة التدريب المهني والمحترف اللامتناهية، توفّر البيئة التعليمية مهارات مهمّة للغاية. كما أنّ المحتوى ومناهج التعليم تنقل الكثير من القيم أيضًا.

لكلّ شخص الحقّ في التعليم، بحسب ما تنصّ عليه المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما "يجب أن يستهدف التعليمُ التنميةَ الكاملةَ لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية."

وتشمل هذه الحقوق والحريات حقّ الفرد في تعلّم لغته والتحدث بها وتجسيد ثقافته. هذه هي العناصر الأساسية لتكوين حياة كريمة.

لن ننجح في تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي تنص عليها المادة 26 إذا حرمنا الطلاب والتلاميذ من ممارسة ثقافاتهم وتعلّم لغاتهم.

لا يُشجِّع حاليًّا عدد من البلدان الأطفال من مجتمعات محددة، وغالبًا ما تكون من مجتمعات الأقليّات، على الالتحاق بالمدارس النظامية.

أو أنّهم يحرمونهم من الحقّ في التعلم بلغاتهم. وقد يتعرض هؤلاء للإهانة، أو حتى للمعاقبة في حال تحدّثوا بلغتهم الأم في الملاعب ومناطق الترفيه.

وقد يتم أيضًا رفض معتقداتهم الدينية وعدم احترامها وإنكار قيمة تقاليدهم القديمة.

يجب أن يُعِدّ التعليم الطلاب إلى مواجهة العالم وإمكاناته، ويجب أن تشكّل كلّ مؤسسة تعليمية واحة من الكرامة والاحترام والتمكين. ولا يجب أن يمسي التعليم أبدًا وسيلة لفرض قواعد ثقافة معيّنة ومعتقداتها على أخرى.

يُزعَم في بعض الأحيان أنّ توفير الخدمات بلغات الأقليات يشجع الانقسامات ويهدّد التماسك الاجتماعي، أو حتى الأمن القومي.

ولكن في الواقع، لا يولّد احترام الطلاب إلا احترامًا أكبر منهم. فالمؤسّسات التعليمية التي تتبنى ثقافات طلاّبها ولغاتهم المختلفة تخرّج طلابًا يدركون أنّه مرحّب بهم في الثقافة الأكبر، ويتمتعون بإنجازات تعليمية أقوى واحترام أمتن للذات.

على التعليم أن يمكّن الشباب من إدراك حقوقهم والتمتع بها وممارستها، ومن العيش بطريقة تحترم حرية الآخرين.

سيّدي الرئيس،

على الرغم من ارتفاع عدد الأطفال الذين يمكنهم الاستفادة من التعليم بشكل ملحوظ، بقي أكثر من 258 مليون طفل ومراهق في العام 2018 خارج المدرسة، منهم 59 مليون في سن الدراسة الابتدائية. والعديد من هؤلاء الأطفال المحرومين من فرصة التعليم هم من الأقليات التي تعاني من التمييز الشديد والإقصاء، مع الإشارة إلى أنّ عددًا غير متناسب منهم من الفتيات.

هذا انتهاك واضح لحقوقهم الأساسية كبشر ويؤدي إلى نتائج عكسية، ويحرم المجتمع من الاستفادة من تنميتهم الكاملة.

ونشعر بقلق بالغ حيال ضرورة الحفاظ على التنوع الثقافي واللغوي في مجتمعاتنا وحمايته.

يُعتَبَر اليوم أكثر من 40 في المائة من لغات العالم الـ6,000 مهدّد بالانقراض. ما يعني أن ثقافات بأكملها، وبمخازنها المعرفية الواسعة تحتضر بما أنّ اللغة هي وسيلة حيوية لنقل الثقافة.

نحن بحاجة إلى سياسات وبرامج تعليمية تحافظ على التنوع الثقافي، ما يفيد المجتمع ككلّ.

علينا أيضًا أن نحترم عمل المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يواصلون الكفاح من أجل احترام لغات الأقليات والسكان الأصليين على الرغم من التخويف والعنف الممارسّين ضدّهم. نودّ أن نؤكّد على أهميّة المساحات التي تخصّصها الأمم المتّحدة للحوار والتبادل، على غرار المنتدى المعني بقضايا الأقليات، حيث يمكن الأطراف المعنيين أن يشاركوا ويساهموا بطريقة حرة ومنفتحة، بمنأى عن التخويف والانتقام من أي نوع.

أصحاب السعادة،

يهدف "إطار العمل الخاص بالتعليم حتّى العام 2030" الذي وضعته اليونيسكو إلى تعزيز الهدف 4 من أهداف التنمية المستدامة، بما في ذلك عن طريق تمكين أنظمة التعليم من خدمة جميع المتعلّمين، بمن فيهم الفتيات وأفراد الأقليات العرقية واللغوية والشعوب الأصلية والأشخاص ذوي الإعاقة. كما يحثّ على توفير التمويل الكافي وإشراك المجتمعات من أجل ضمان تعليم الأقليّات لغتهم الأمّ، ويقترح استخدام التكنولوجيات الرقمية استخدامًا مبتكرًا لتحقيق هذا الهدف.

سيتمكن المعلّمون والأساتذة وناشطو المجتمع المدني والمسؤولون والشباب المشاركون في المنتدى من مناقشة هذه المواضيع وغيرها في اليومين المقبلين.

هذه القضايا حيوية. وعلينا أن نستخدم قوّة التعليم المضاعفة كي نربّي أجيالاً جديدة تفهم وتدرك تمامًا أجندة حقوق الإنسان، لأنّها الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها أن نبني عالمًا تسوده التنمية المستدامة والسلام الدائم.

وشكرًا.