Header image for news printout

الأزمة البيئة: المفوّضة السامية يدعو الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان إلى التعبير عن روح قيادة

الدورة الـ48 لمجلس حقوق الإنسان
البند 2: آخر المستجدّات العالمية بشأن حقوق الإنسان
بيان مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشيل باشيليت

في 13 أيلول/ سبتمبر 2021

سيّدتي رئيسة المجلس،
أصحاب السعادة،
أيّها الزملاء والأصدقاء الأعزّاء،

يهمّني أن أطلِعَ المجلس، في كلمتي هذا الصباح، على سلسلة من حالات ومواضيع حقوق الإنسان التي تعني مفوضيتنا. وسأتناول الحالات المحددة التالية خلال هذه الدورة: أفغانستان، وبيلاروس، وكمبوديا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومنطقة تيغري في إثيوبيا، وجورجيا، وميانمار، ونيكاراغوا، والأراضي الفلسطينية المحتلّة، والفلبين، وجنوب السودان، وسري لانكا، والسودان، وسوريا، وأوكرانيا، وفنزويلا، واليمن.

سيّدتي الرئيسة،

البيئة الآمنة والنظيفة والصحية والمستدامة هي أساس الحياة البشرية. ولكن، بسبب الإجراءات البشرية والتقاعس اللاإنساني، تؤثّر الأزمة الثلاثية الأبعاد التي تضرب كوكبنا اليوم، المتمثلة في تغير المناخ والتلوث وتدمير الطبيعة، بشكل مباشر وخطير على مجموعة واسعة من الحقوق، بما في ذلك الحقوق في الغذاء الكافي، وفي الماء، والتعليم والسكن، والصحة، والتنمية وفي الحياة نفسها حتّى.

فقد أطلقت الأشهر الأخيرة العنان لظواهر مناخية متطرّفة وقاتلة هدّدت حياة الناس في كل منطقة من مناطق العالم، منها الحرائق الهائلة في سيبيريا وكاليفورنيا، والفيضانات المفاجئة والجارفة في الصين وألمانيا وتركيا، وموجات الحرارة في القطب الشمالي التي تسبّبت بانبعاثات غير مسبوقة من غاز الميثان، واستمرار الجفاف الذي لا نهاية له انطلاقًا من المغرب والسنغال وصولاً إلى سيبيريا، ما قد يدفع بملايين الأشخاص نحو هوّة البؤس والجوع والنزوح.

وفي موازاة ذك، يتسبب التلوث الذي تغذيه أنماط الاستهلاك والإنتاج غير المستدامة التي تغذّي تغيّر المناخ، في وقوع حالة من بين كل 6 حالات وفاة مبكرة، في حين أن أزمة الانقراض تولّد أيضًا آثارًا مدمرة على حقوق الإنسان وأساليب الحياة.

تضاعف الأزمات المترابطة المتمثلة في التلوث وتغير المناخ والتنوع البيولوجي المخاطر التي تهدّد حياتنا وكوكبنا أصلاً، وتؤدي إلى تفاقم النزاعات والتوترات وعدم المساواة الهيكلية، وإلى إرغام الناس على العيش بشكل متزايد في ظلّ أوضاع هشّة. وفيما تزداد هذه التهديدات البيئية خطرًا، ستشكل التحدي الأكبر الوحيد لحقوق الإنسان في عصرنا.

لقد أمسى هذا الواقع المرير واضحًا كلّ الوضوح. وأكبر قدر من عدم اليقين بشأن هذه التحديات هو ما سيقوم به صانعو السياسات حيالها.

في مدغشقر، يواجه مئات الآلاف من الأشخاص الجوع الشديد عقب عد أربع سنوات من عدم هطول الأمطار، ما دفع برنامج الأغذية العالمي إلى التحذير من "أول مجاعة في العالم ناجمة عن تغير المناخ." ويحتاج ما لا يقل عن 1.14 مليون شخص في المنطقة الجنوبية إلى الأغذية بصورة طارئة، ومن المتوقع أن تتفاقم هذه الأزمة بالنسبة إلى شعب مدغشقر وتنميته.

كما أن تغيّر المناخ يغذّي حالة الطوارئ الإنسانية في دول الساحل، الذي كان أكثر حدة وسرعة في جميع أنحاء إفريقيا من أي مكان آخر، وفقًا لتقرير الشهر الماضي الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. وقد ساهم كلّ من تفاقم التصحر، وفترات الجفاف الطويلة التي تليها فيضانات مفاجئة، والوصول غير المتكافئ إلى الموارد الطبيعية في تضخيم مواطن الضعف القائمة أصلاً، لا سيّما انعدام الأمن الغذائي. وقد تفاقمت هذه الاتّجاهات بفعل ضعف إدارة الموارد الطبيعية، وأنماط الفقر وعدم المساواة التي طال أمدها، وعدم كفاية الوصول إلى الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات بطالة الشباب والتمييز ضد الأقليات والنساء والفتيات، وأجبرت الناس على التشرّد، وأدّت إلى تفاقم النزاعات وعدم الاستقرار السياسي، وغذّت التجنيد من قبل الجماعات المتطرفة العنيفة. في مثل هذه الحالة، يجب أن يكون واضحًا أنه ما من حلّ عسكري بحت للصراعات في المنطقة.

نزح أربعة ملايين شخص عبر منطقة الساحل حتى يومنا هذا، بحسب ما أشارت إليه تقديرات مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، فأمست حالة الطوارئ الإنسانية "أزمة استثنائية"، وفقًا لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.

يتطلب حفظ السلام نهج قائمة على حقوق الإنسان. وللمساعدة في هذه الاستجابات، تقوم مفوضيّتنا بتنفيذ مشروع في منطقة الساحل، يركّز بشكل خاص على موريتانيا والنيجر ونيجيريا، ويسعى إلى تحديد الثغرات على مستوى الحماية، التي تواجهها المجتمعات المتأثرة بتغير المناخ والهجرة، وإلى تعزيز قدرات المجتمعات المحلية والوطنية، وأصحاب المصلحة الإقليميين على تحديد التدابير التي ستفي بحقوق هذه المجتمعات المحلية. في موريتانيا، يشمل ذلك التعامل مع العائلات المهاجرة التي فرت من الفيضانات والانهيارات الأرضية في سيراليون في العام 2017، ومجتمعات صيد الأسماك التي انتقلت من السنغال بسبب الشحّ في الأرصدة السمكية. في النيجر، نعمل مع مجتمع ريفي شهد مغادرة أعداد استثنائية من المهاجرين. وأثناء وجودنا في نيجيريا، نبحث عن حلول في مواقع هي في الوقت نفسه مواقع منشأ وعبور ووجهة للمهاجرين الذين يتنقلون استجابة للظواهر المناخية المتطرفة والأراضي المتردية والنزاعات بسبب الموارد.

من الملح في هذا السياق أن تقوم الدول التي تتفاوض حاليًا على الإطار العالمي للتنوع البيولوجي لما بعد عام 2020 بدمج التزامات صريحة بالنُهج القائمة على حقوق الإنسان في إجراءات التنوع البيولوجي.

كما أن عددًا من البلدان في آسيا الوسطى معرض بشكل خاص لتغير المناخ والظواهر المناخية المتطرفة، التي تتفاقم آثارها بسبب أوجه القصور في حماية حقوق الإنسان. ويؤدي حاليًا النقص في المياه إلى عدم كفاية الري وخسارة المحاصيل، وتقويض الأمن الغذائي. يتفاقم الأثر على الأشخاص الذين يعيشون في حالات الفقر بسبب عدم كفاية المشاركة العامة في صنع القرار، لا سيما على المستوى المحلي، وعدم كفاية دعم الدولة للمزارعين، بما في ذلك جهود التخطيط الاستراتيجي على المستويات المركزية والمحلية ومستويات الحكم الذاتي، وضعف المساءلة عن التنمية الريفية والاستجابة للمخاطر. يواجه الأشخاص المتضررون بشكل روتيني تحديات في الوصول إلى الحماية الاجتماعية والخدمات العامة الأخرى والتعبير عن احتياجاتهم.

تسمح هذه العوامل كلها بإطلاق إصلاحات سياسات قد تحدث فرقًا تحوليًا في حياة وآمال الملايين من الأشخاص في جميع أنحاء المنطقة، ما يساهم في حلّ المظالم وفي إبقاء المجتمعات المحليّة والمجتمعات ككلّ على المسار الصحيح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

يُعتَبَر التشرّد بسبب كارثة بيئية ظاهرة خطيرة لا سيّما في آسيا، حيث أفاد مركز رصد التشرد الداخلي أن الصين وبنغلاديش والهند والفلبين شهدت، في العام 2019، مزيدًا من التشرّد الناجم عن الكوارث أكثر من جميع البلدان الأخرى مجتمعة، حيث بلغت نسبته 70 في المائة من الإجمالي العالمي. كما عرضت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في تقريرها الصادر الشهر الماضي توقعات مقلقة لا سيّما في جنوب آسيا.

في بنغلاديش، قدّر أحد التقارير أنّ 17 في المائة من البلاد سيغرق مع حلول العام 2050 بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر، ما يحرم 20 مليون شخص من منازلهم. أمّا جزر المالديف فتعاني أصلاً أضرارًا جسيمة ستزداد سوءًا لا محالة مع ارتفاع مستوى سطح البحر، بما أنّ أكثر من 80 في المائة من مساحة أراضيها تقع فوق مستوى سطح البحر بأقل من متر واحد. بالإضافة إلى ذلك، تشير التوقّعات إلى أنّ ارتفاع المد اليومي قد يؤدّي إلى إغراق المناطق التي يعيش فيها حاليًا أكثر من 48 مليون شخص، في حين أن الفيضانات السنوية ستؤثر في المتوسط على منازل أكثر من 79 مليون شخص، في معظم أنحاء جنوب شرق آسيا، بما في ذلك إندونيسيا وماليزيا وميانمار وتايلاند وفيتنام مع حلول حلول العام 2050.

إنّ الوصول إلى المياه مهدد لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يجب اتخاذ إجراءات فورية من أجل اعتماد سياسات لإدارة البيئة والموارد إدارة أكثر استدامة ومعالجة هذه القضية المستمرة. مع توقع انخفاض معدّل هطول الأمطار في المنطقة بنسبة تتراوح بين 20 و40 في المائة في عالم يزداد حرارة بمقدار درجتين مئويتين، وبنسبة قد تبلغ 60 في المائة إذا وصل الاحترار إلى 4 درجات مئوية، فإنّ هذا التحدّي هائل وطويل الأمد.

لا يمكن لأي صانع سياسة أينما وجد أن يتجاهل توقعات بهذا القدر من الخطورة ويحمل هذا القدر من الآثار، بما في ذلك النزوح. وستحمل آثارًا اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية متتالية تؤثر على كل المجتمعات في جميع أنحاء العالم من دون أيّ استثناء.

يقوم مكتبنا الإقليمي في المحيط الهادئ بتنبيه أصحاب المصلحة بشأن ضرورة اعتماد إجراءات مناخية عالمية وإقليمية ووطنية فورية، بما في ذلك العمل بطريقة أكثر حزمًا من أجل حماية الفئات الأكثر ضعفًا. لقد بذلنا أيضًا جهودًا مشتركة من خلال برنامج الأمن البشري في سياق الهجرة بسبب تغيّر المناخ في منطقة المحيط الهادئ، الذي يهدف إلى دعم إطار عمل سياسي إقليمي جديد لمنطقة المحيط الهادئ بشأن التنقل الناجم عن تغير المناخ، سواء كان تشرّدًا داخليًا أو هجرة عبر الحدود، إجباريًا أو اختياريًا. أشجع جميع دول المنطقة، لا سيما الدول الأعضاء في منتدى جزر المحيط الهادئ، على دعم إعداد إطار عمل إقليمي قائم على حقوق الإنسان للتنقل بسبب تغيّر المناخ بمساعدة الأمم المتحدة.

يُعدّ "الممر الجاف" في أمريكا الوسطى، أو منطقة Corredor Seco، لا سيما في غواتيمالا والسلفادور وهندوراس، مثالًا صارخًا عن أثر تغير المناخ على الفقر والتشرّد وحقوق الإنسان الأساسية. ويؤدي انخفاض معدّلات هطول الأمطار وتزايد الأعاصير إلى أزمات إنسانية سريعة ومفاجئة. وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يُقدر أن حوالى 8 ملايين شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في العام 2021 في شمال أمريكا الوسطى، ويحتاج حوالى 8.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية، أيّ بزيادة قدرها 60 في المائة منذ بداية العام 2020. وقد اقترح البنك الدولي أنّ 3.9 مليون شخص في أميركا الوسطى والمكسيك قد يضطرّون إلى مغادرة منازلهم مع حلول العام 2050، في حال لم يتم اتخاذ أي إجراء لمنع آثار تغير المناخ.

إن استعادة النظم الأيكولوجية للممر الجاف والاعتراف بحقوق سكانه ستدعم سبل العيش وتساعد على منع التشرّد. في هندوراس، دعمت مفوضيّتنا الجهود التي يبذلها مجتمع ريتوكا الرامية إلى تمتعهم بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مواجهة الآثار الخطيرة لتغير المناخ والجفاف. في غواتيمالا، دعمت مفوضيّتنا جملةً من القضايا من بينها التصديق على الاتفاق الإقليمي بشأن الوصول إلى المعلومات والمشاركة العامة والعدالة في المسائل البيئية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، والمعروف باسم اتفاق إسكاسو، الذي دخل حيز التنفيذ في نيسان/ أبريل ويُلزم الدول بحماية المدافعين عن حقوق الإنسان البيئية والحق في بيئة صحية.

عندما يُجبر الناس على الانتقال لأن بيئتهم لم تعد قادرة على توفير حياة كريمة لهم، فإن حثّهم إلى العودة إلى مثل هذا الوضع ليس غير مبدئي فحسب بل هو غير مستدام إطلاقًا. إلى جانب تبني نهج قائمة على الحقوق في التعامل مع التشرّد الداخلي، أحث جميع البلدان على التعاون من أجل توسيع مسارات الهجرة الآمنة والمنتظمة للأشخاص الذين يضطرون إلى مغادرة بلدانهم في سياق التدهور البيئي. يجب النظر في إصدار تأشيرات دخول إنسانية عندما لا يكون التكيف في بلدان المنشأ ممكنًا. ويجب أن تمتثل أي عملية إعادة لمبدأ عدم الإعادة القسرية، وأن تسترشد بالطوعية والسلامة والاستدامة.

سيّدتي الرئيسة،

يعترف قرار المجلس 40/11 بكلّ حزم بمساهمة المدافعين عن حقوق الإنسان البيئية في التمتع بحقوق الإنسان وحماية البيئة والتنمية المستدامة. لكن في العديد من المناطق، يتعرض المدافعون عن حقوق الإنسان البيئية للتهديد والمضايقة والقتل حتّى، في ظلّ إفلات تام من العقاب في الكثير من الأحيان. وفي العديد من البلدان، يبدو أن التحولات الاقتصادية الناجمة عن الوباء أدت إلى تفاقم استغلال الموارد المعدنية والغابات والأراضي، وإلى ما يصاحب ذلك من تهديدات. والشعوب الأصلية التي تُعتبر حقوقها ومعارفها وممارساتها التقليدية ضرورية للجهود العالمية الرامية إلى التصدي للتدهور البيئي، والشابات والفتيات اللواتي يسعين إلى الدفاع عن الحقوق البيئية، هنّ الأكثر تعرضًا لخطر الاعتداء والعنف.

في ما يتعلّق بالبرازيل، أشعر بقلق بالغ حيال الاعتداءات الأخيرة التي تعرّض لها أفراد من شعوب يانومامي وموندوروكو على يد عمال المناجم غير الشرعيين في منطقة الأمازون. كما أن محاولات إضفاء طابع الشرعية على دخول الشركات إلى أراضي الشعوب الأصلية، والحد من ترسيم حدود أراضي السكان الأصليين، لا سيما من خلال مشروع قانون قيد النظر في مجلس النواب، من مصادر القلق البالغ أيضًا. أحثّ السلطات على عكس السياسات التي تؤثر سلبًا على الشعوب الأصلية، والامتناع عن الانسحاب من اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 169، أيّ اتفاقية الشعوب الأصلية والقبلية. كما تبدي مفوضيّتنا قلقها حيال مشروع قانون مكافحة الإرهاب الجديد في البرازيل، الذي يتضمن أحكامًا فضفاضة ومبهمة بشكل مفرط وتنطوي على مخاطر وقوع الانتهاكات، لا سيما ضد الناشطين الاجتماعيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

كما هي الحال في العديد من البلدان الأخرى، لا يزال المدافعون عن حقوق الإنسان البيئية في العديد من دول جنوب شرق آسيا يواجهون التجريم والمضايقة والمراقبة وغيرها من القيود الأخرى غير المبررة المفروضة على حقوقهم. لقد تم اعتقال ناشطين في مجال حماية البيئة بسبب احتجاجهم على امتيازات الأراضي التي أدت إلى إزالة الغابات على نطاق واسع لاستيعاب زراعة الشركات. ويتعلق العديد من المخاوف بالتحديات الهيكلية والمؤسسية والقانونية الطويلة الأمد في الاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية وحمايتها. وحتى في الحالات التي سعت فيها الحكومات إلى الحفاظ على الغابات، فقد أخفقت هذه الجهود في كثير من الأحيان في تحقيق الحفظ المستدام والقائم على حقوق الإنسان المطلوب.

أصحاب السعادة،

إن معالجة الأزمة البيئية الثلاثية الأبعاد التي تضرب عالمنا اليوم، هي ضرورة إنسانية وضرورة لحقوق الإنسان وضرورة لبناء السلام وضرورة للتنمية.

ومن الممكن معالجتها.

تتطلب مكافحة جائحة كوفيد-19 والتعافي منها إنفاق مليارات الدولارات على إعادة بناء الاقتصادات الوطنية ودعمها. وبإمكان الخيارات السياسية أن توجه ذلك الإنفاق نحو اتجاهات خضراء جديدة تعالج عدم المساواة وتحفز الحلول البيئية المبتكرة التي تدعم وتعزز حقوق الإنسان. في الواقع، تعهّدت عدة دول بالتزامات جديدة مهمّة في مجال المناخ في الأشهر الأخيرة. وفي حزيران/ يونيو، تبنى الاتحاد الأوروبي قانونًا جديدًا للمناخ ينشئ التزامًا قانونيًا لتحقيق الحياد المناخي بحلول العام 2050، ويفرض تخفيضًا بنسبة 55 في المائة لانبعاثات غازات الدفيئة على مستوى الاتحاد الأوروبي، عن مستوياتها في العام 1990. لن تكون هذه الغاية بحد ذاته سهلة، لأنّها تعني أنّه على دول الاتحاد الأوروبي التخفيف من الانبعاثات في السنوات الـ8 المقبلة بأكثر مما تم تحقيقه في العقود الثلاثة الماضية. يجب بذل المزيد من الجهود الحثيثة والأكثر طموحًا من أجل الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض بمعدّل 1.5 درجة مئوية.

ويمكن أن يساهم الاستثمار في الانتعاش العادل مساهمة حاسمة في تشكيل مستقبل صحي. لكن هذا التحول لم يجرِ بصورة مستمرّة وحازمة للأسف. من المؤسف للغاية أنه لا يمكن اعتبار إلاّ 18.0 في المائة فقط من الإنفاق المخصّص للتعافي من الجائحة الذي أعلن عنه أكبر 50 اقتصادًا في العالم "أخضر"، بحسب ما أشارت إليه دراسة حديثة أجراها صندوق النقد الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بالتعاون مع جهات أخرى معنية، .

ومن خلال خطة عام 2030 واتفاق باريس وغيرهما من الصكوك الأخرى، اتحدت الدول وراء رؤية تحويلية للتنمية المستدامة محورها الإنسان، وعلى الرغم من ذلك فشل الكثير منها في الاستمرار في تمويلها وتنفيذها.

يجب أن نفرض معايير أعلى لأنّ مستقبلنا المشترك يعتمد على ذلك. تعمل مفوضيّتنا على وضع مبادئ توجيهية جديدة للنهج القائمة على حقوق الإنسان الخاصة بالتعافي والحفظ وتمويل المناخ، وتتعاون مع الدول الأعضاء من أجل دعم الانتقال العادل إلى اقتصاد مستدام قائم على حقوق الإنسان.

تضر البيئة عادة بمن هو أقل حماية، أي أفقر الناس وأكثرهم تهميشًا، وأفقر الدول التي غالبًا ما تتمتّع بقدرة أقلّ على الاستجابة. أشارت دراسة أجرتها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، إلى أنّ أكثر من ثلثي الوفيات الناجمة عن الكوارث المرتبطة بالطقس والمياه منذ العام 1970، سُجِّلَت في أقل البلدان نموًا. كما وجد تقرير صدر الشهر الماضي عن اليونيسف أن البلدان الـ33 المعرضة ’لمخاطر عالية للغاية‘ مناخية وبيئية، مثل تلوث الهواء أو موجات الحر أو الجفاف، تتسبّب مجتمعة بـ9 في المائة فقط من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية ، ولكن حوالى نصف أطفال العالم البالغ عددهم 2.2 مليار يعيشون هناك.

إنّ استغلال الجهات الفاعلة في البلدان المتقدمة على مرّ التاريخ وعقود من الممارسات الاقتصادية غير المستدامة تعزّز هذه الحقائق إلى حد كبير. لذلك، أكدت الدول مرة جديدة قبل ست سنوات في باريس، أنه على البلدان المتقدمة أن تزود الاقتصادات النامية بمزيد من المساعدة المالية والتقنية في مجال العمل المناخي. وهذا مفتاح تحقيق الهدف 17 من أهداف التنمية المستدامة بشأن تنشيط الشراكة العالمية.

تتطلب التزامات الدول في مجال حقوق الإنسان أن تتعاون من أجل الإعمال حقوق الإنسان على الصعيد العالمي بصورة تدريجية، ومن الواضح أن ذلك يشمل التمويل الكافي من قبل من بإمكانه تحمل تكاليف التخفيف من تغير المناخ والتكيف معه والخسائر والأضرار التي يتسبّب بها. في مفاوضات مؤتمر الأطراف 26 بشأن المناخ، ستدعو مفوضيّتنا والعديد من الشركاء بكلّ حزم إلى اتخاذ إجراءات مناخية أكثر طموحًا وشمولاً وقائمة على الحقوق، وأحث الدول الأعضاء في هذا المجلس بشكل خاص على التعبير عن روح قيادة في هذا الصدد.

لا يمكننا أن نتغاضى عن ارتفاع نسبة تعرض النساء والفتيات لمخاطر المناخ والأضرار البيئية التي تشكلت أيضًا على المستويات الاقتصادي والاجتماعي والثقافي على مدى عقود وأجيال. إلى جانب التأثير غير المتناسب لكوفيد-19 على النساء والفتيات، يقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن 118 امرأة تتراوح أعمارهن بين 25 و34 عامًا سيعيشن في فقر مدقع مقابل كلّ 100 رجل مع حلول نهاية هذا العام، على أن يرتفع هذا العدد إلى 121 النساء مقابل كل 100 رجل مع حلول العام 2030 . هذا واقع لا يمكن تحمله على مقياس أي من حقوق الإنسان.

سيّدتي الرئيسة،

يحمي قانون حقوق الإنسان الحق في المشاركة والوصول إلى المعلومات والوصول إلى العدالة. ويضمن حقّ جميع الناس في الاستفادة من العلم وتطبيقاته، والمشاركة بشكل عادل في فوائد التنمية، ويتطلب منا حماية الشروط الأساسية اللازمة للحياة، بما في ذلك المناخ الآمن والمستقر، والهواء النظيف والمياه، والتنوع البيولوجي الصحي والنظم الأيكولوجية الصحية، وبيئة غير سامة. تشكّل خطة التنمية المستدامة لعام 2030 المترسّخة في حقوق الإنسان، خارطة طريق للحلول التي يمكن أن تساهد في شفاء كوكبنا وضمان ازدهار البشرية.

يلزم نداء الأمين العام للعمل من أجل حقوق الإنسان جميع هيئات الأمم المتحدة بالعمل معًا من أجل مساعدة الدول على معالجة هذه القضايا وغيرها من القضايا الحاسمة بالنسبة إلى بيئتنا. ستواصل مفوضيّتنا العمل مع شركائنا في جميع أنحاء منظومة الأمم المتحدة وخارجها لتقديم الدعم بشكل عاجل. لقد كان نداء العمل بمثابة حافز حاسم لتعميق شراكة المفوضية السامية لحقوق الإنسان مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ويسعدني أن أعلن أننا سنطلق برنامجًا مشتركًا للحقوق البيئية في الأشهر المقبلة من أجل تعزيز حماية المدافعين عن حقوق الإنسان البيئية والحيّز المدني، ودمج حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في بيئة صحية، في جميع المفاوضات وعمليات الأمم المتحدة ذات الصلة، والمساهمة في بناء القدرات الوطنية لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها.

كما تؤدّي هيئات المعاهدات دورًا معياريًا بالغ الأهمية في هذا المجال. عقب البيان المشترك الشديد اللهجة بشأن حقوق الإنسان وتغير المناخ الذي صدر عن خمس لجان في العام 2019، ستتواصل لجنة حقوق الطفل مع الدول والخبراء ومئات الأطفال بهدف إعداد تعليق عام حول حقوق الطفل والبيئة.كما تتابع اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على التعليقات العامة حول التنمية المستدامة وحول الأراضي.

كما أنّ عددًا من مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان تستجيب للحاجة الملحّة إلى العمل. خلال المؤتمر السنوي التي عقده التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في كانون الأوّل/ ديسمبر من العام الماضي، ركّز على تغير المناخ والتزم بإجراءات عملية لدعم العمل المناخي القائم على الحقوق وتحسين الرصد والإبلاغ عن هذه القضايا. تعمل مفوضيّتنا بالتعاون مع جهات أخرى، تحت مظلة النداء للعمل، مع المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان لدعم تحقيق هذه الالتزامات.

ونواصل أيضًا عملنا من أجل مساعدة الدول على النهوض باقتصاد قائم على حقوق الإنسان، يستثمر في الصحة والحماية الاجتماعية وغيرها من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية، ويدعم التنمية المستدامة خدمةً لصالح الناس وكوكبهم. وسنبذل كلّ جهد ممكن من أجل تعزيز عملنا في مجال الأعمال التجارية وحقوق الإنسان على المستويين الإقليمي والقطري، ومع الشركات وأصحاب المصلحة المتأثرين بهدف بناء القدرة على مواجهة المخاطر التي يتعرض لها الأشخاص بسبب الأنشطة التجارية الضارة، بما في ذلك تلك المتعلقة بتغير المناخ والتدهور البيئي.

سيّدتي الرئيسة،

إلى جانب مناقشة الأزمات البيئية الملحة التي تواجه البشرية، أود أيضًا أن ألفت انتباه المجلس إلى عدد من المواقف المحددة والسريعة الحركة.

في ما يتعلّق بتشاد، تتضمن خارطة الطريق الرسمية للمرحلة الانتقالية التي اعتمدتها الحكومة الانتقالية في تموز/ يوليو أحكامًا بشأن حوار الوطني، ودستور جديد واستفتاء دستوري، وإصلاحات قانونية جذرية والانتخابات الوطنية مع حلول أيلول/ سبتمبر 2022. وتشير أيضًا إلى التخطيط لتحديد وضع حقوق الإنسان في تشاد كخطوة نحو اعتماد سياسة وخطة عمل وطنية لحقوق الإنسان. وتشير إلى إنشاء لجنة للتحقق من حالات الاحتجاز غير القانوني أو التعسفي، والتصديق على المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان. هذه إشارات مشجعة في بلد يواجه تهديدات خطيرة ومتنامية مرتبطة بالصراع والمناخ، بما في ذلك النشاط المتطرف العنيف والاشتباكات العنيفة بين المزارعين والرعاة. وتبقى مفوضيتنا على أهبّ استعداد لمساعدة السلطات على تنفيذ التزاماتها في مجال حقوق الإنسان.

في ما يتعلّق بمالي، يستمرّ النشاط المتطرف العنيف والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتجاوزات بلا هوادة، عقب الانقلاب الذي وقع في أيّار/ مايو، وهو الثاني خلال 10 أشهر، وتمتدّ لتطال المناطق التي لم تتأثر سابقًا جنوب البلاد. وبين كانون الثاني/ يناير وحزيران/ يونيو، تعرّض ما لا يقل عن 948 مدنيًا للقتل والإصابة بجروح والاختطاف على أيدي الجماعات المسلحة أو للاختفاء على أيدي قوات الدفاع والأمن المالية. ويشكل إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب عاملاً هامًا يساهم في إدامة هذا الوضع المتدهور.

أتابع عن كثب الوضع في غينيا، شأني شأن الأمين العام، وأشعر بالأسف حيال تعريض الشعب لانتقال السلطة بطريقة غير ديمقراطية مرّو جديدة. يستحقّ شعب غينيا، تمامًا كما شعب مالي وتشاد، وشعب كلّ دولة في الواقع، حكمًا سليمًا يمارسه ممثلون اختارهم الشعب لتلبية احتياجاتهم ومعالجة مخاوفهم. وأؤكد أنّه على سلطة الأمر الواقع الجديدة في غينيا، على جميع المستويات، وفي جميع قطاعات الخدمة العامة، بما في ذلك الجيش، أن تحترم التزامات البلد بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.

أشعر بقلق بالغ حيال التدهور الكبير في حالة حقوق الإنسان في جمهورية أفريقيا الوسطى. ففي الفترة الممتدّة بين شباط/ فبراير وحزيران/ يونيو 2021، وثق موظفونا ارتفاعًا بنسبة 76 في المائة في الحوادث والانتهاكات، بما في ذلك عمليات القتل التي ارتكبت غالبيّتها الجماعات المسلحة، وارتفع عدد الضحايا الموثقين بنسبة 88 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من العام 2020. وتشكل الأنماط طويلة الأمد للإفلات من العقاب مصدر قلق بالغ في البلاد، ويرجع سبب ذلك جزئيًا إلى ضعف المؤسسات الوطنية والافتقار إلى أنظمة عدالة مستقلة وفعالة. استأنف عدد من المحاكم عمله، وأعيد نشر القضاة، لكن انعدام الأمن لا يزال يجبر العديد من الموظفين القضائيين على الفرار لأسباب تتعلق بالسلامة. ومع ذلك، فإن المحكمة الجنائية الخاصة تعمل وتتطلب دعمًا ماليًا أكبر.

في هايتي، أدى الزلزال الذي ضرب البلاد الشهر الماضي إلى تفاقم أزمة حقوق الإنسان المتفشية أصلاً على نطاق واسع. أشجع جميع الجهات الفاعلة المشاركة في جهود إعادة الإعمار على التركيز على ضرورة بناء قدرة أكبر على الصمود في البلاد، مع إحراز تقدم مستدام في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وإيلاء اهتمام خاص للنساء والفتيات. يسلّط اغتيال الرئيس مويس الضوء جهرًا على انعدام الأمن المتفشي في البلاد. نبدي قلقنا البالغ حيال استمرار الاعتداءات على العاملين في القضاء والمدافعين عن حقوق الإنسان.

أرحب بالتشريع الذي تم اعتماده الشهر الماضي في الجمهورية التشيكية، الذي يمكّن النساء والرجال من الحصول على تعويض عن تعقيمهم بشكل غير مشروع وبدون موافقتهم. فلأكثر من 45 عامًا، وحتى العام 2012، أُجبر مئات الأشخاص، لا سيّما نساء الروما، على التعقيم. كلّي ثقة في أنّ هذا الاعتراف البالغ الأهمية سيحمل بشائر خير لبذل الحكومة المزيد من الجهود الرامية إلى مكافحة التمييز ضد الروما.

ألحظ باهتمام كبير خطة العمل الوطنية الجديدة التي اعتمدتها الصين هذا الشهر بشأن حقوق الإنسان لفترة 2021-2025، بما في ذلك تركيزها على تغير المناخ والبيئة والخصوصية الرقمية وممارسات الأعمال المسؤولة. وأتطلع إلى استكشافها بدقّة بحثًا عن المجالات الممكنة للمشاركة والتعاون. يؤسفني عدم تمكني من اطلاعكم عن التقدم المحرز في السعي إلى وصول مجدٍ إلى منطقة كسينجيانغ أويغور المتمتعة بالحكم الذاتي. في غضون ذلك، تقوم مفوضيّتنا بوضع اللمسات الأخيرة على تقييمها للمعلومات المتاحة بشأن مزاعم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في تلك المنطقة، بهدف الإعلان عنها مع حلول نهاية العام.

تستمر القيود التي تفرضها السلطات الهندية على التجمعات العامة، والانقطاع المتكرر المؤقت للاتصالات، في جامو وكشمير، في حين لا يزال مئات الأشخاص رهن الاحتجاز لممارستهم حقهم في حرية التعبير، ويواجه الصحفيون ضغوطًا متزايدة بشكل مستمرّ. إنّ الاستخدام المستمر لقانون (منع) الأنشطة غير المشروعة في جميع أنحاء الهند أمر مثير للقلق، في ظلّ تسجيل أعلى نسبة حوادث في جامو وكشمير. وفيما أقر بجهود الحكومة لمكافحة الإرهاب وتعزيز التنمية في المنطقة، فإن مثل هذه التدابير التقييدية قد تؤدي إلى انتهاكات حقوق الإنسان وتفاقم التوترات والشعور بالاستياء.

آمل أن تتخذ الحكومة الجديدة في نيبال خطوات مبكرة لاستعادة استقلال اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، من خلال عملية شفافة تتماشى مع مبادئ باريس. إن التزام السلطات بمنح الأولوية لتعديل قانون العدالة الانتقالية يشكّل فرصة لمقاربات جديدة لتنشيط العملية، بالتشاور مع الضحايا وبما يتماشى مع المعايير الدولية.

إنّ عدم محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان ضد المتظاهرين، والأصوات المنتقدة الأخرى في اعلراق، يسهّل تكرار مثل هذه الجرائم. يثير الإفلات من العقاب، والاعتداءات العنيفة المستمرة ضد الأشخاص الذين انتقدوا عمليات الاغتيال والاختطاف والتعذيب وغيرها من الانتهاكات الجسيمة، مخاوف جدية قبيل الانتخابات التي تجري الشهر المقبل. يعرض تقريرنا المشترك الأخير مع بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق روايات موثوقة عن التعذيب في العديد من أماكن الاحتجاز، ما يثير مخاوف من عدم احترام الضمانات التي من شأنها أن تمنع التعذيب. ليس التعذيب ليس غير قانوني وغير قائم على المبادئ فحسب، بل هو يغذي خطابات المتطرفين العنيفين، وأحث على اتخاذ إجراءات عاجلة لوضع حد لهذا الوضع. أوصي أيضًا بتنفيذ قانون الناجين اليزيديين بشكل سريع وكامل، الذي صدر في آذار/ مارس وينص على تقديم التعويضات وتوفير الرعاية وإعادة تأهيل للناجين من الجرائم المستهدفة التي ارتكبها تنظيم داعش، وقد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية. بعد مرور سبع سنوات، لا يزال العديد من اليزيديين في عداد المفقودين، ولا يزال الناجون يواجهون تحديات هائلة، مع بقاء العديد منهم في مخيمات النزوح. في إقليم كردستان، لحظت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق استمرار الحواجز التي تعيق حرية التعبير وحرية الإعلام، بما في ذلك محاكمة الصحفيين بتهم مشكوك فيها وبدون مراعاة الأصول القانونية الواجبة.

في تونس، حيث سعت المفوضيّة مدة عشر سنوات إلى دعم التزام الناس بالديمقراطية والعدالة والكرامة، أثار تعليق الرئيس للبرلمان وإقالة رئيس الوزراء أسئلة مؤسسية في مجال حماية حقوق الإنسان حماية فاعلة في المستقبل. في حين أن بذل الجهود لمكافحة الفساد مهمة، تبقى الإجراءات القضائية المستقلة، مع الاحترام الكامل لضمانات المحاكمة العادلة، ضرورية لحل مثل هذه الادعاءات ضد الأفراد. بالإضافة إلى ذلك، أشجع أي تدابير إصلاحية ترمي إلى احترام مبدأ الفصل بين السلطات احترامًا كاملاً. تُعَدّ حرية التعبير، بما في ذلك الحق في انتقاد السلطات، وحرية الإعلام أساسيتين لأي مجتمع سليم ويجب ألا يتم تآكلهما. وتواصل مفوضيّتنا تقديم المساعدة في مجال إجراءات العدالة الانتقالية، وتعمل على تعزيز تطلعات الشعب التونسي إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحريات الأساسية، بما في ذلك من خلال دعوة المجتمع الدولي لمواصلة دعمه.

في لبنان، تؤثّر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المترابطة تأثيرًا خطير وعميقًا على حقوق الإنسان. ويتسبب انقطاع التيار الكهربائي والوقود في تقويض الخدمات الأساسية بشكل خطير، بما في ذلك عمل المستشفيات والمدارس ومرافق المياه. ويستمر الفقر في تسجيل معدّلات مرتفعة، حيث قُدِّر في آذار/ مارس أنّ 78 في المائة من السكان اللبنانيين يعيشون في فقر، و36 في المائة منهم في فقر مدقع. كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات الأساسية بنسبة 670 في المائة بين نيسان/ أبريل 2019 ونيسان/ أبريل 2021. وفي هذا السياق، تشكل التوترات بين المجتمعات المحلية وداخلها مصدر قلق متزايد. وفي حين أن لبنان يستحق الثناء على استقباله أعدادًا كبيرة من اللاجئين السوريين، فإنهم يواجهون اليوم أوضاعًا إنسانية مأساوية. يساورني القلق حيال استمرار ورود تقارير عن عمليات احتجاز سوريين وترحيلهم من دون مراعاة الأصول القانونية الواجبة وضمانات عدم الإعادة القسرية، وحيال المشقة والضعف اللذين يواجههما العمال المهاجرون، و75 في المائة منهم من النساء، وقد تفاقما بسبب نظام الكفالة.

في ما يتعلّق بالأراضي الفلسطينية المحتلة، أستنكر استمرار قوات الأمن الإسرائيلية في الاستخدام المفرط والمتزايد وغير المبرر كليًا للقوة ضد المدنيين الفلسطينيين. فقد قتلت القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية هذا العام، 54 فلسطينيًا، من بينهم 12 طفلاً، أي بمعدّل يتخطّى ضعف عدد القتلى في العام 2020 بأكمله. وأصيب أكثر من 1,000 شخص بالذخيرة الحيّة. من الواضح أن اللجوء المنتظم إلى القوة المميتة يتعارض مع المعايير الدولية. كما أشعر بقلق بالغ حيال الحملات القمعية التي شنتها حكومة دولة فلسطين على المعارضة في الأشهر الأخيرة. فخلال الاحتجاجات التي أعقبت عمليّة قتل الناشط نزار بنات المروّعة في حزيران/ يونيو، استخدمت قوات الأمن الفلسطينية القوة غير المبررة ضد المتظاهرين السلميين. كان أحد العاملين في المفوضية يراقب الاحتجاجات فتعرّض للضرب شأنه شأن الكثيرين. وتشير اعتقالات عشرات الناشطين في آب/ أغسطس إلى أن القمع يتعمّق. أدعو السلطات إلى ضمان سلامة المتظاهرين واحترام الحريات الأساسية.

في ما يتعلّق بإيسواتيني، يساورني القلق حيال التقارير التي تفيد باستخدام القوة المفرطة وغير المبررة ضد الأشخاص الذين تظاهروا سلميًا من أجل الإصلاحات الديمقراطية في الأشهر الأخيرة. بالإضافة إلى حالات القتل والضرب، قوبلت الاحتجاجات أيضًا بعمليات اعتقال واحتجاز تعسفية جماعية، كالت أيضًا عددًا من الأطفال. أحث على إجراء تحقيقات مجدية وعلى المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان هذه. وعلى نطاق أوسع، أشعر بالقلق حيال القيود التشريعية المفروضة على الحيّز المدني، وحيال استخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد المنتقدين والمتظاهرين. كما أن استمرار احتجاز المتظاهرين بدون توجيه التهم إليهم أمر مثير للقلق. ومن شأن المزيد من الاحترام للحريات الأساسية أن يشجع المزيد من الثقة في السلطات، بما في ذلك في سياق الجهود الحكومية الرامية إلى إطلاق حوار وطني. يجب تقييم الأسباب الجذرية لهذه الأزمة تقييمًا واضحًا، بما في ذلك عدم المساواة وأوجه القصور في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وتبقى مفوضيّتنا على أهب استعداد لتوفير الدعم في هذا المجال.

في ما يتعلق بزامبيا، أرحب بانتقال السلطة بطريقة سلمية الشهر الماضي، وبالتزام الحكومة الجديدة المعلن بتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون من خلال نهج متنوع وشامل. إن السياسات المتجذّرة في حقوق الإنسان، بما في ذلك الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحق في التنمية، تساعد البلاد على معالجة القضايا الحرجة مثل الفقر وعدم المساواة.

أصحاب السعادة،

أصدر الأمين العام الأسبوع الماضي خطة مركزة لمعالجة الأزمات التي تواجه كوكبنا وتأمين قدر أكبر من السلام والرفاه لشعوبنا. تعبّر الخطّة المشتركة عن جهود التضامن والتفكير طويل الأمد الذي يفي بمبادئنا ويمكنه إعادة بناء ثقة الناس في المستقبل. إن التزامات الاثني عشر التي تنصّ عليها تبشر بالأمل في عالم ينجح في التعامل مع التهديدات وحلها بتوجيه من المبادئ وممارسة التبصّر والتضامن، بدلاً من الانزلاق من أزمة إلى كارثة.

الخيار بين أيدينا.

شكرًا سيّدتي الرئيسة.