حقّ الإنسان في ظروف عمل آمنة وصحيّة


أعلن مقرّر الأمم المتّحدة الخاص المعنيّ بالمواد والنفايات الخطرة باسكوت تونكاك قائلاً: "لا يزال للأسف حقّ جميع العمّال في ظروف عمل آمنة وصحيّة من الامتيازات أكثر منه حقًّا من حقوق الإنسان العالميّة على الرغم من الاعتراف به على المستوى العالميّ منذ أكثر من 50 عامًا، والتقدم المحرَز في مجالات العلوم والطبّ والتكنولوجيا، والجهود المبذولة في بعض البلدان والمجالات المحدّدة."

عمال يستريحون في موقع لتدمير السفن شمال جاكرتا، في إندونيسيا، 20 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2009. © الوكالة الأوروبيّة للصور الصحفيّة/ جمعيّة الدول الغربيّة للتجريف

وأكّد على أنّ تقديرات منظّمة العمل الدولية تشير إلى أن 2,7 مليون عامل يموتون سنويًّا بسبب ظروف العمل غير الآمنة والتعرّض لمواد ونفايات خطرة، على الرغم من أنّ ظروف العمل الآمنة والصحية من حقوق الإنسان المعترف بها عالميًا.

ففي العام 2007، توفيت يومي هوانغ وهي في طريقها إلى المستشفى في سيارة أجرة والدها، بعد خمس سنوات من بدئها بالعمل بكلّ فخر في مصنع للمنتجات الاستهلاكية، ومن المحتمل أنّها كانت تتعرض يوميًّا لمواد سامة بدون موافقة جديّة منها. وتوفيت يومي بعد 20 شهرًا من إصابتها بسرطان الدم، وهي لا تزال في الـ23 من عمرها.

ومنذ وفاة يومي، بذل والدها كلّ ما في وسعه كي يضمن عدم وقوع المزيد من الضحايا. وفي خلال سعيه إلى منع تكرار الانتهاكات، رفض أكثر من مرّة عروضًا كبيرة قدّمتها إليه الشركة لتعوّض عن الخسارة التي أصابته. وبعد حملة استمرت 11 عامًا أطلقها السيّد هوانغ وغيره من المدافعين عن حقوق الإنسان من أجل تحقيق العدالة والمساءلة، وافقت الشركة على تدابير التعويض والوقاية وإعمال حق أكثر من 200 عامل في الحصول على علاج فعّال. وأكّد المقرّر الخاص على أنّ النتيجة تشكّل خطوة إيجابية، ولكنّها لا تعني إلّا شركة واحدة فقط في قطاع واحد وفي بلد واحد.

وتابع قائلاً: "لا شكّ في أنّ العمال هم الأكثر تعرضًا للمواد السامة. فهم أوّل من يتعرّض لها وأكثر من يتعرّض لها. ومن بين العمال مَن هم أكثر عرضة للخطر وأقل عرضة للحماية، مثل مَن يعمل في قطاعات معيّنة، أو يعيش في الفقر، أو من هو في سنّ الإنجاب، ومن يتعرّض أطفالُه أيضًا للمواد السامة."

وفي هذا الإطار، أشار إلى حالة إيفيت، التي عملت يوميًّا في قطاع التكنولوجيا المتقدّمة في بلد صناعي، وتعاطت مع مادة مجهولة أُطلق عليها اسم "المادة اللزجة الخضراء"، ولم يبلّغها صاحب العمل مطلقًا بالمخاطر المعروفة للتعرض لهذا المزيج الكيميائي على الصحة الإنجابية. وعندما بلغ طفل إيفيت الرابعة من عمره، كان لا يزال غير قادر على المشي أو النطق لأن نموّه العصبي قد تأثّر بشكل لا عودة عنه. وقد أصبح اليوم أبنها في عقده الثالث، ولا يزال يواجه إعاقات كان من الممكن الوقاية منها.

وتقرير المقرّر الخاص ثمرة 25 عامًا من الأبحاث ضمن إطار ولايته الخاصة بحقوق الإنسان والمواد الخطرة. ويحدّد 15 مبدأً على الدول أن تعتمدها كي تضع حدًّا لتعرّض العمال للمواد الخطرة. وتعتمد هذه المبادئ على مبادئ الأمم المتّحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، واتفاقيّات منظمة العمل الدوليّة والاتفاقات البيئية المتعدّدة الأطراف بشأن السموم والمواد الخطرة.

وقد نصّ قرار اعتمده مجلس حقوق الإنسان في دورته الثانية والأربعين على توصيات التقرير، وشجّع الدول والشركات والجهات الفاعلة الأخرى على تنفيذ مبادئ تونكاك الـ15 من خلال أطرها القانونية والسياسية، ومبادراتها وبرامجها، فتعزّز الاتّساق بين حقوق الإنسان ومعايير الصحّة والسلامة المهنيّتَين. واعترف القرار أيضًا بأنّه من واجب الدول أن تمنع تعرّض العمّال للمواد السامة، وأنّه من مسؤوليّة الشركات أن تقوم بالمثل.

وتركّز سبعة من مبادئ تونكاك على الوقاية. فأكّد المقرّر الخاص قائلاً: "لكلّ عامل الحق في الحماية من التعرّض في العمل لمواد خطرة كما هو بارز في حالة إيفيت. ولحماية العمال أثر مضاعف، إذ نحمي أيضًا أسرهم ومجتمعاتهم وبيئتهم. وفي ممارسة هذه الواجبات والمسؤوليّات، يُعتَبَر القضاء على المخاطر أمرًا بالغ الأهمية، كما هي حال حماية العلوم الذي يتم اتّخاذ القرارات على أساسها."

وتم إعداد المبادئ من 8 إلى 11 على أساس العلاقة بين حقّ الإنسان في العمل الآمن والصحي وحقّ العمال في المعلومات والمشاركة والتجمع. ويؤكد تونكاك على أنّه "لكلّ عامل الحقّ في المعرفة، بما في ذلك معرفة آثار تعرّضه للمواد، والإجراءات المتّخذة لمنع تعرّضه لها وحقوقه فيما يتعلق بمثل هذا التعرّض". ويضيف أنّ "العمال يجدون القوّة في الأعداد. والحقّ في العمل الآمن والصحي لا ينفصل عن حريّة تكوين الجمعيّات، والحقّ في التنظيم والحقّ في التفاوض الجماعي."

وتتناول المبادئ الأربعة الأخيرة حقّ العمال في الحصول على علاج فعّال، حيث يجب أن يتمتّع العمال وأسرهم ومجتمعاتهم بإمكانيّة الوصول الفوري إلى علاج مناسب وفعال، على أن يكون متاحًا منذ وقت التعرّض للمواد الخطرة". ولكنّ بعض الآثار لا يمكن معالجتها أو العودة عنها. لذا شدّد المقرّر الخاص على أنّ "عدم تعرّض العمال لمزيد من المواد الخطرة أساسي لضمان عدم التكرار."

كما أعرب تونكاك عن قلقه من أنّ أرباب العمل لا يزالون يرفضون الاعتراف بالعمل الآمن والصحي على أنّه حقّ من حقوق الإنسان، وأنّه بعد مرور 50 عامًا على اعتراف الأمم المتحّدة العالمي به، ليس بعد من المبادئ والحقوق الأساسية في العمل التي اعتمدها منظّمة العمل الدولية.

23 تشرين الأول/أكتوبر 2019

أنظر أيضاً