حقوق الإنسان أساسية لبناء العالم الذي نرغب فيه حقا


بيان مفوّضة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت لمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان
10 كانون الاول/ديسمبر 2020

مفوّضة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت. © UN Photo/Antoine Tardy

سيبقى العام 2020 محفورًا في ذاكرتنا إلى الأبد. فهو عام مروّع ورهيب، ترك ندوبًا عميقة في نفوس الكثير من بيننا.

فقد أصابت جائحة كوفيد-19 حوالي 67 مليون شخص على الأقل وتسبّبت بوفاة 1.6 مليون شخص آخرين، مع الإشارة إلى أنّ الجائحة لم تشارف بعد على الانحسار.

كما انعكست آثارها المدمّرة على اقتصادات العالم، وعلى العمالة والدخل والتعليم والصحة والإمدادات الغذائية، فهدّدت ملايين الأشخاص.

وقد أدّت أيضًا إلى تقويض التنمية والجهود المبذولة للتخفيف من حدة الفقر ورفع مكانة المرأة والفتاة.

ولم يُلْقِ العام 2020 بظلاله الوخيمة على جميع المناطق وجميع البلدان تقريبًا فحسب، بل أيضًا على المجموعة الكاملة لحقوق الإنسان التي نتمتّع بها، سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو مدنية أو سياسية. فاستغلّ كوفيد -19 انقسامات مجتمعاتنا وهشاشتها، وفضح فشلنا في الاستثمار في بناء مجتمعات عادلة ومنصفة. كما سلّط الضوء على ضعف الأنظمة التي لم تركّز بشكل مركزي على دعم حقوق الإنسان.

لقد شهدت الأسابيع الأخيرة تقدمًا استثنائيًا في مجال اللقاحات. وهذا دليل على براعة البشر وعزيمتهم في أوقات الأزمات. ولكن اللقاحات وحدها لا يمكنها أن تضع حدًّا للوباء أو أن تعالج الضرر الذي تسبب به.

ولا يقتصر دور الدول على توزيع هذه اللقاحات بشكل منصف على بلدان العالم فحسب، بل عليها أيضًا أن تعيد بناء الاقتصادات، وأن تصحّح الضرر الذي أحدثه الوباء، وأن تعالج الثغرات التي فضحها.

نواجه اليوم ثلاثة سيناريوهات مختلفة لمستقبلنا:

  • يمكن أن نخرج من هذه الأزمة في حالة أسوأ مما كنّا عليه قبل تفشّيها، فنبقى أقل استعدادًا لمواجهة الأزمة التالية التي تهدّد أنظمتنا.
  • أو يمكن أن نكافح بكلّ ما أوتينا من قوة كي نعود إلى "الوضع الطبيعي" الذي كان قائمًا قبل تفشّي الأزمة، مع العلم أنّ وضعنا الطبيعي هو ما أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.
  • أو يمكننا أن نعيد بناء مستقبلنا بشكل أفضل.

ستنقذنا في نهاية المطاف اللقاحات الطبية التي يتم تطويرها من كوفيد-19 إن شاء الله، ولو بعد عدّة أشهر من اليوم. لكنّها لن تمنع أو تعالج الخراب الاجتماعي والاقتصادي الذي نتج عن الوباء، وساهم في تفشّيه.

إلاّ أنّنا نملك لقاحًا ضد الجوع والفقر وعدم المساواة، ولربما أيضًا لقاحًا ضدّ تغيّر المناخ وضدّ العديد من المشاكل الأخرى التي تواجه البشرية، ولكن علينا أن نأخذه على محمل الجدّ.

إنه لقاح قمنا بتطويره في أعقاب الأزمات العالمية المروّعة السابقة، بما في ذلك الأوبئة والأزمات المالية والحربان العالميتان.

اسم هذا اللقاح هو حقوق الإنسان. ومكوناته الأساسية مترسّخة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي نحتفل بذكرى اعتماده الـ72 غدًا، في يوم حقوق الإنسان. لقد أصبح الإعلان العالمي قابلاً للتنفيذ من خلال الالتزامات التي تعهدت بها جميع الدول تقريبًا عبر التصديق على أحد العهدين الدوليين أو على كليهما، والعهدان يشملان جميع المجالات الخمسة لحقوق الإنسان.

كما أدى الإعلان العالمي إلى نشوء معاهدات دولية مهمة أخرى تهدف إلى تحسين حماية حقوق فئات محدّدة مثل الأطفال والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة والعمال المهاجرين، وإلى معالجة أشكال التمييز التي تؤدّي إلى تفاقم عدم المساواة والفقر والنقص في التنمية، وتغذّي بالتالي الدمار الاجتماعي والاقتصادي الناجم عن كوفيد-19.

لقد سلط كوفيد-19 ضوءًا ساطعًا على فشلنا في دعم تلك الحقوق بكلّ ما أوتينا من قوّة، لا بسبب عجزنا عن دعمها فحسب بل أيضًا بسبب إهمالنا أو خيارنا بعدم دعمها.

لقد عكس قرارُ العديد من البلدان بعدم الاستثمار بشكل كاف في الرعاية الصحية الشاملة والأولية، بما يتماشى والحقّ في الصحة، قصرَ نظر رهيب. فهذه الإجراءات الوقائية الحيوية باهظة الكلفة بالتأكيد، ولكن لا بقدر كلفة الفشل في الاستثمار فيها.

كما فشل العديد من الحكومات في المبادرة بسرعة أو بشكل حازم إلى العمل، وبطريقة تكفي لوضع حدّ لتفشّي الوباء. في حين أنّ عددًا من الحكومات الأخرى رفض أخذ الجائحة على محمل الجد، أو أنّه لم يتسم بالشفافية الكاملة بشأن حجم تفشّي الوباء في البلاد.

والمثير للدهشة أنّ بعض القادة السياسيّين لا يزالون حتى يومنا هذا، يقللون من أهمية تأثير الوباء، وتطبيق الإجراءات البسيطة مثل ارتداء الكمامة وتجنب التجمعات. حتى أن بعض الشخصيات السياسية لا تزال تتحدّث بشكل عرضي عن "مناعة القطيع"، كما لو أن خسارة مئات الآلاف من الأرواح هي كلفة يمكن تحملّها بكلّ بساطة من أجل الصالح العام. إن تسييس الجائحة بهذه الطريقة هو أمر غير مسؤول، لا بل يجب إدانته بصورة مطلقة .

والأسوأ من ذلك بعد، هو أنّ الاستجابة للوباء في بعض الأماكن أدّت إلى مزيد من الانقسامات فيما بيننا بدلاً من توحيدنا، حيث تم إغفال الأدلة والعمليات العلمية، فانتشرت نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة، وتمّ التغاضي عنها أو حتّى تشجيعها.

لقد قوّضت هذه الأعمال سلعة ثمينة هي الثقة. الثقة بين الدول وضمنها. الثقة في الحكومة، الثقة في الحقائق العلمية، الثقة في اللقاحات، الثقة في المستقبل. فإذا ما أردنا أن نحقّق عالمًا أفضل في أعقاب هذه الكارثة، تمامًا كما فعل أسلافنا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، علينا أن نعيد بناء تلك الثقة في بعضنا البعض.

لمن المثير للصدمة ولكن لا للاستغراب، أن نشهد الخسائر غير المتناسبة التي تسبّب بها كوفيد-19 على الجماعات والأفراد المهمشين الذين يعانون التمييز، لا سيما المنحدرون من أصل أفريقي، والأقليات العرقية أو قومية أو دينية، والشعوب الأصلية. هذه هي الحال في عدد من أغنى بلدان العالم، حيث سجّل معدل وفيات بعض الأقليات العرقية والإثنية ثلاثة أضعاف معدل وفيات إجمالي السكان.

عندما ضرب كوفيد-19 مجتمعاتنا، كان أعضاء الجماعات التي تعاني التمييز والشعوب الأصلية أكثر عرضة للعدوى بسبب انخفاض أجورهم، وبسبب عملهم غير المستقر في قطاعات محدّدة. ولكنّ العديد من الأشخاص الذين بدأنا فجأة نشير إليهم على أنهم عمّال أساسيّون، من عمّال الرعاية الصحية، وعمال النظافة، وعمال النقل، موظفي المتاجر، منحدرون من هذه الأقليات.

كما أنهم لا يتمتعون بالحماية الكافية بسبب محدودية وصولهم إلى الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، مثل الإجازة المرضية وإعانات البطالة أو التسريح المؤقّت. كما لا يتمتّعون بالإمكانيّات الكافية لحجر أنفسهم إذا ما أصيبوا بالفيروس، بسبب ظروف عيشهم غير الملائمة، ومحدودية وصولهم إلى الصرف الصحي، وعدم قدرتهم على العمل من المنزل. ما يعني أن الفيروس يمكن أن يتفشّى بسهولة أكبر داخل مجتمعاتهم، ومن تلك المجتمعات إلى المجتمع ككلّ.

على مدى الأشهر الـ11 الماضية، أمسى الفقراء أكثر فقرًا، وعاش من يعاني أصلاً التمييز المُمَنهَج أسوأ أشكاله على الإطلاق.

لقد تمّ إهمال الأطفال في المنازل التي لا تتوفر فيها إمكانية الوصول إلى الإنترنت أو أجهزة الكمبيوتر فتأخّروا في تحصيلهم العلمي، أو اجبروا على ترك المدرسة نهائيًا، وقد تضرّرت من ذلك الفتيات بشكل خاص. فيما يتعلّق بالأمن الاقتصادي الأساسي والعمالة والتعليم والسكن والغذاء، أثّر الوباء تأثيرًا مدمّرًا واسع النطاق لدرجة قد يكون من المستحيل بالنسبة إلينا أن ندرك هول الكارثة التي تسبّب بها.

لو تم توفير الحماية الاجتماعية والاقتصادية الكافية لنسبة أعلى بكثير من سكان العالم، في البلدان الفقيرة والدول الغنية على حدّ سواء، ولو طبقنا لقاح حقوق الإنسان، لما كنا اليوم في هذه الحالة المترديّة إلى هذا الحدّ. لقد أظهر كوفيد-19 بشكل بارز أن عدم المساواة والتمييز لا يؤذيان الأفراد المتأثرين بهما بشكل مباشر وغير عادل فحسب، بل يولّدان أيضًا موجات من الأزمات تضرب المجتمع بأسره.

لقد برزت هذه الحقيقة جليًا عندما تسلّل فيروس كورونا المستجدّ عبر مؤسسات غير مهيأة وغير مجهزّة لدرجة تثير الصدمة، مثل دور رعاية كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، ودور الأيتام ومهاجع المهاجرين والسجون. هو سبب قاهر إن صحّ التعبير، لبناء مؤسّسات اكثر تنظيما وتقديم بدائل إضافية للسجون.

تعرّض مَن هو أساسيّ لإنقاذ الأرواح، لخطر التقاط العدوي من دون أيّ مبرّر، في ظلّ النقص في الكمامات والملابس الوقاية، وتفشي الوباء عبر المؤسّسات المذكورة. ويشكل العاملون الصحيون حوالى 2 أو 3 في المائة فقط من السكان ولكنّهم، على الرغم من ذلك، شكّلوا حوالى 14 في المائة من حالات كوفيد-19 التي تم الإبلاغ عنها إلى منظمة الصحة العالمية.

وتأثير الوباء على النساء كارثي بشكل خاص، بسبب الزيادة المروعة في العنف الأسري في جميع أنحاء العالم، ولأن نسبة كبيرة من النساء يعملن في القطاع غير الرسمي وفي مجال الرعاية الصحية، ولأن الكثير منهن أجبرن على الانسحاب من سوق العمل من أجل رعاية الأطفال الذين لم يعودوا قادرين على الذهاب إلى المدرسة، وكبار السن والمرضى. وفي بعض المناطق، تتعرّض حقوق المرأة لخطر التدهور إلى ما كانت عليه منذ عقود، بما في ذلك بسبب الوصول المحدود إلى الحقوق الجنسية والإنجابية.

إذا أردنا أن نتعافى بشكل أفضل، علينا أن نمنح المرأة دورًا أكبر تؤدّيه على مستوى صنع القرار وتحديد الأولويات. وفي عالم لا يضمّ إلاّ عددًا قليلًا من البلدان بقيادة نساء، ليس من قبيل الصدفة أنّ العديد من البلدان التي يُعتَبَر أنها تعاملت مع الوباء بشكل أكثر فاعلية من غيرها، هي في الواقع بقيادة نساء.

والتمييز أيضًا من سمات العام 2020 الأساسية، وقد سلّط عليه الضوء جليًا الظلم العنصري ووحشية الشرطة خلال مقتل جورج فلويد والمظاهرات العالمية التي تلت هذه الحادثة. وفي العديد من البلدان، شهدنا استمرار الظلم العنصري والعنصرية المُمَنهجة، ما أعاد إلى الواجهة قضايا القمع العنصري التي لم تعالج بشكل كامل بعد، والمطالبة بتغييرات هيكلية بعيدة الأمد.

وفي البلدان التي تشهد صراعًا، ولّد كوفيد-19 سلسلة إضافية من الكوارث المتعدّدة الأوجه في مجال حقوق الإنسان. ففي اليمن، تعصف أزمات مستمرّة منذ خمس سنوات في البلاد، تغذّيها الصراعات والانتهاكات والمرض والحصار ونقص التمويل للمساعدة الإنسانية، في ظلّ تفشّي الفقر وسوء الإدارة والنقص في التنمية، وهي تدفع البلاد بلا رحمة نحو مجاعة معمّمة. لم نتوانَ عن إطلاق التحذيرات حول ما سيحدث في اليمن في الأشهر المقبلة، لكنّ العالم المشتت لا يبذل أيّ جهد يُذكَر لمنع هذه الكارثة التي يمكن تجنبها.

كما قوّض الوباء الحقّ في حرية التعبير والتجمع والمشاركة في الحياة العامة. لا بسبب القيود المبررة على التنقّل للحدّ من تفشّي الفيروس، بل بسبب تصرفات بعض الحكومات التي تستغل الوضع لإسكات المعارضة والانتقاد السياسي، بما في ذلك عن طريق اعتقال الجهات الفاعلة في المجتمع المدني والصحفيين. ويبدو أن البعض قد استخدم أيضًا المخاوف والقيود المرتبطة بكوفيد-19 لترجيح كفّة الانتخابات لصالح الحزب الحاكم.

ومساهمة المجتمع المدني في النجاة من الوباء والتعافي منه بشكل أفضل بمجرد انحساره، أساسيّة لأقصى الدراجات. وليس تقييد هذا النوع من المساهمات إلاّ سبيلاً حتميًا لتقويض هذا التعافي، عبر القضاء على عدد من العلاجات الأساسية.

فقد تركتنا الجائحة مكشوفين وضعفاء ومعرّضين للخطر. وفي مقابل ذلك، قدّمت لنا أيضًا، في ظلّ الدمار الذي أحدثته، رؤى واضحة حول كيفية تحويل الكارثة إلى فرصة لإعادة تحديد أولوياتنا وتحسين آفاقنا لمستقبل أفضل.

المكون الأساسيّ الذي نحتاج إليه لبناء هذا المستقبل هو الإرادة السياسية حتّى في ظلّ مواردنا المستنزفة. والإرادة لوضع أموالنا حيث تشتد الحاجة إليها، لا حيث نريدها، بل حيث نحتاج إليها. الإرادة لمكافحة الفساد، لأنه في العديد من البلدان، حتى في البلدان الفقيرة للغاية، هناك المزيد من الأموال المتاحة، ولكنّنا نفقد مبالغ طائلة منها عندما تذهب مباشرة إلى جيوب قلّة قليلة. نحتاج إلى معالجة عدم المساواة، بما في ذلك عبر الإصلاحات الضريبية التي يمكن أن تساهم في تمويل تحسينات اجتماعية واقتصادية أساسيّة.

وفي مقابل ذلك، على الدول الأكثر ثراءً أن تساعد البلدان الفقيرة على النجاة من هذه الأزمة والتعافي منها بشكل أفضل. إن إصلاح نظام التعددية المتداعي، أساسي لإدارة التعافي. وممّا لا شكّ فيه أنّ العمل يجب أن يبدأ على المستوى المحلّي، ولكنّ القادة في الدول القوية بحاجة إلى أن يعترفوا مرة أخرى بأن عالمنا لا يمكنه، اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن يواجه التحديات العالمية إلا عبر التعاون العالمي.

فبكلّ بساطة، تقوّض الاستجابات القومية الضيقة التعافي الجماعي. وأوّل اختبار لنا بهذا الشأن هو قدرتنا على ضمان وصول اللقاحات والأدوات الجديدة الخاصة بكوفيد-19 إلى كل من يحتاج إليها. لقد أكّدت الجائحة مرارًا وتكرارًا أنه ما من أحد بمنأىً عن العدوى إلى أن يصبح الجميع من دون أيّ استثناء بمنأى عنها.

هل سننتهز هذه الفرصة لنبتكر طرقًا جديدة فنتعافى من الوباء بشكل أفضل؟ هل سنطبق بشكل صحيح لقاح حقوق الإنسان الذي يمكن أن يساعدنا على بناء مجتمعات أكثر مرونة وازدهارًا وشمولية؟ هل سنتّخذ الخطوات الضرورية الفورية لمكافحة أكبر خطر يهدّد وجودنا جميعنا وهو تغير المناخ؟

فلنأمل ذلك. لأنه إن لم نفعل ذلك، لا سيّما فيما يتعلق بتغير المناخ، فإن العام 2020 سيشكّل بكلّ بساطة الخطوة الأولى نحو المزيد من الكوارث.

لقد تم تحذيرنا جميعنا.

10 كانون الاول/ديسمبر 2020

أنظر أيضاً