من بنين إلى فلوريدا: النضال العالمي للدكتورة جواني بيوا في سبيل تعليم المرأة


منذ طفولتها، أدركت جواني بيوا المكانة التي قد يوصلها إليها التعليم. ففي سن التاسعة من عمرها، شارفت على الموت أثناء تعرضها لنوبة ربو. لكنها نقلت إلى المستشفى على عجل، وكانت محظوظة بالبقاء على قيد الحياة. وقالت "لم أقدر أن أتنفس. ما أتذكره بالضبط أنني استيقظت وكنت ممتنة جداً للدكتور الشاب الذي علم ما الأدوية الواجب إعطاؤها لي وحرص على ألا أفارق الحياة. فأيقنت في وقت مبكر للغاية أنني أريد أن أصبح طبيبة وأساعد الناس".

الدكتورة جواني بيوا ©

وترعرعت جواني وتابعت تعليمها في كوتونو، بنين، البلد الذي تشكل فيه نسبة الأشخاص القادرين على القراءة والكتابة ثلث البالغين فقط. لكن والدي جواني أراداها أن تتغلب على هذه الصعاب. وقالت "آمن والدي بقوة التعليم وبقوة دعم الفتيات. وآمنا بالوقوف في وجه القيود الاجتماعية التي تمنع النساء أو الفتيات من إظهار هويتهن الحقيقية". أضافت "لقد تربيت في كنف أمٍّ تمتاز بأنها امرأة قوية جداً وأبٍ يمدني بدعم كبير. وتمَّ تلقيني المزج بين المثابرة والجرأة في تحقيق الأمور. وجعلني ذلك أدرك أن المرأة قادرة، والفتاة قادرة. والشابات بدورهن قادرات".

وحققت جواني التي تبلغ حالياً 29 عاماً فقط، وهي أول خريجة جامعية ضمن أسرتها، حلمها في أن تصبح طبيبة. كما باتت أحد مغيري قواعد اللعبة في مجال حقوق الإنسان، إذ تمَّ تعيينها في العام الماضي كواحدة من قادة الأمم المتحدة الشباب من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وهي تعمل الآن على استكمال نيل شهادة الدكتوراه في مجال الصحة العامة في جامعة جنوب فلوريدا. وبوصفها مدافعة عن حقوق الإنسان، ينصب تركيزها على التعليم وصحة المرأة.

وفي سن المراهقة، تعرضت جواني لخسارة صديقتها العزيزة نتيجة مضاعفات تلت قيامها بعملية إجهاض غير آمنة. وشكلت هذه الصدمة العامل التحفيزي الأساسي الذي قادها إلى توجيه مهنتها الطبية نحو التركيز على الصحة والحقوق الإنجابية للمرأة. 

وتطول لائحة الإنجازات التي حققتها جواني اليوم: فقد ظهرت على لائحة ميليندا غيتس للنساء الست الأكثر تأثيراً في ما يتعلق بموضوع الوصول العالمي إلى منع الحمل، وهي أحد قادة منظمة Women Deliver، وأحد المحافظين على أهداف التنمية المستدامة التي التزمت بها Gates Foundation وتمَّ منحها جائزة امرأة العام من قبل منظمة ONE CAMPAIGN. وهي عضو في المجلس الاستشاري العالمي في Merck for Mothers، وهي مبادرة تشجع صحة الأمهات؛ وفي عمر 26 عاماً فقط، كانت أول وأصغر مدافعة ضمن البعثة الرسمية لحكومة بنين، والتي دخلت في مفاوضات الأمم المتحدة بشأن قضايا مثل التنمية والصحة على المستوى الدولي. 

مسيرة وليدة الصدفة

بالرغم من أن مسيرة جواني كي تصبح مدافعة بارزة عن حقوق الإنسان لم تأت نتيجة مجرد الحظ فحسب، إلا أنها تشدِّد على أن ̓الصدفة' شكلت عاملاً أساسياً لإيصالها إلى ما هي عليه اليوم. وقالت "أنت لا تعلم أبداً الباب الذي ستفتحه أو ستغلقه، وأي باب يوجد خلفه".

ومن أهم المداخلات الأساسية التي ظهرت فيها لأول مرة مؤتمر تمَّ عقده في إحدى السفارات في بنين عندما كان عمرها 21 عاماً، وكانت لا تزال طالبة في مجال الطب. فبعد أن كانت مستعدة للذهاب لممارسة رياضة الركض، تمَّ استدعاؤها للحضور في اللحظة الأخيرة. وكان الخيار الماثل أمامها أن تعود إلى المنزل وتبدِّل ملابسها وتفوِّت عليها المؤتمر أو أن تذهب وهي ترتدي ملابسها الرياضية المخصصة للركض. وقالت "أعلم أنني كنت أبدو غريبة، لكنني لم أكترث للأمر فحسب. وقدمت عرضي وشاركت خبرتي وكان هذا كل شيء".

وأبدى الحاضرون، بما في ذلك سفراء ونواب وزارء رفيعو المستوى، إعجابهم بجرأتها. وتمَّ استدعاء جواني عقب الحدث من أجل متابعة إنشاء منظمة شبابية. وفي عام 2010، أسَّست رابطة بنين للقادة الشباب التي تركز على قضايا الصحة والقيادة وريادة الأعمال للشباب والمساواة الجنسانية.

وبعد عام واحد فقط، حققت المنظمة نصراً مهماً في ما يتعلق بمواجهة العنف القائم على الجنسانية في بنين: فقد جمعت عدداً من التواقيع الكافية للمساهمة في حملة ترمي إلى دفع حكومة بنين إلى اعتماد قانون لمناهضة العنف القائم على الجنسانية.

التعليم من أجل التغيير

فيما تبحر جواني نحو المستقبل، من الواضح أن من شأن رؤيتها وإنجازاتها مساعدتها على المضي قدماً بخطة حقوق الإنسان في مجالات الصحة وتمكين المرأة وتعليمها. وقالت "يكمن هدفي الأسمى في أن أساهم بطريقة مجدية للغاية في بناء جيل من الشابات المثقفات، ممن لديهن مهارات قابلة للتوظيف، ويتمتعن بصحة سليمة، ويعشن في بيئة حيث يتلقين الدعم من نساء ورجال آخرين، وحيث بمقدورهن التعاون مع الرجال من أجل بناء مجتمع".

وتشكل وفيات الأمهات إحدى القضايا التي تشعر جواني بإمكانية التصدي لها بشكل ملموس من خلال تعزيز التعليم للنساء والفتيات. وقالت "إذا كانت امرأة مثقفة، فهي تعلم أنها تحتاج في الشهر الأول من حملها إلى زيارة ورؤية طبيب نسائي. وفي حال كانت مستقلة مادياً، فهي قادرة على تحمل كلفة استشارة ذاك الطبيب. ويستطيع الطبيب المذكور حينئذ أن يتأكد من بقائها بصحة جيدة ومن كونها أقل عرضة لخطر لمواجهة أي إشكال خلال حملها ومن أن يكون لديها طفل سليم البنية".

وترغب جواني أيضاً في أن تأخذ وقتها للتركيز على حياتها الشخصية. وهي تتحدث عن الأطفال الذين تأمل في إنجابهم يوماً ما في المستقبل. وقالت "سأقدم إليهم القيم التي علمني إياها والدي. وسواء كانوا فتيات أم صبياناً، سأبيِّن لهم أنهم يملكون العديد من القدرات وانهم قادرون على تحقيق أي شيء يريدون. فمن الضروري أن يعلموا من هم، ومن الضروري أن تكون لديهم بعض القيم، ومن الضروري أن يؤمنوا بأنفسهم. سأعلمهم أنه لا يجب أن يسمحوا للعالم الخارجي بأن يحدِّد هويتهم".

5 آذار/مارس 2019

أنظر أيضاً