مضايقات واحتجازات وعمليّات قتل تستهدف الصحفيّين: هم لا يزالون في دائرة الخطر


مضايقات مستمرّة. احتجاز غير مشروع. تهديد وتخويف. لقد أمست الصحافة بطريقة أو بأخرى على مرّ السنوات الـ12 السابقة (أيّ منذ العام 2006 حتّى العام 2017) من المهن الخطيرة للغاية.

رجلان يغطّي وجهَيْهما قناعان يقفان على مقربة من مظاهرة. لقد قُتِل أكثر من 1,000 صحفيّ وإعلاميّ في غضون 12 شهرًا، ما أدّى إلى إطلاق نداءات متكرّرة لحماية الصحفيّين بشكل أفضل. ويُبرِز تقرير أعدته اليونسكو، وتناول الاتّجاهات العالميّة المرتبطة بسلامة الصحفيّين، ارتفاعًا في عدد الصحفيّين الذين قُتلوا حول العالم. وتشهد أيّامنا هذه مرحلة خطيرة تهدّد سلامة الصحفيّين، حيث قُتِل 530 صحفيًا، ولم يواجه إلاّ 10 في المئة فقط من المسؤولين عن أعمال القتل هذه، شكلاً من أشكال تحقيق العدالة.

وفي كلمة ألقاها أمين عام الأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريس لمناسبة اليوم الدوليّ لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضدّ الصحفيّين، أشار إلى أنّ 88 صحفيًّا قُتَلوا هذا العام حتى يومنا هذا.

أمّا مجلس حقوق الإنسان فقد اعتمد من جهته قرارًا بشأن سلامة الصحفيّين، بسبب قلقه المتزايد حيال "جميع انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات المرتكبة بحقّ سلامة الصحفيّين والعاملين في وسائل الإعلام، بما في ذلك القتل والتعذيب والاختفاء القسريّ والاعتقال التعسفيّ...". ويركز القرار على تهيئة بيئة مؤاتية للإعلام، ويدعو القادة السياسيّين إلى الامتناع عن تشويه سمعة الصحفيّين ودعم الانتقادات الدوليّة الموجّهة إلى القادة السياسيّين الذين يسعَون من دون أيّ كل أو ملل إلى تقويض الثقة في الصحفيّين.

كما يدعو القرار الدول إلى اغتنام اليوم الدوليّ لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضدّ الصحفيّين ، الواقع فيه 2 تشرين الثانيّ/ نوفمبر 2018، لإطلاق مبادرات عمليّة تؤمّن حماية أفضل للصحفيّين كلٌّ في بلده.

وعلى الرغم من العديد من آليات الوقاية والحماية والمراقبة ورفع الشكاوى المعتمَدة، لا يزال الصحفيّون يُستهدفون بمعدلات تنذر بالخطر. وتَرِدُ يوميًّا تقريبًا تقارير عن هجمات تستهدف صحفيّين في مكان ما في العالم. فآخر هذه القضايا، وهي قضيّة الصحفي والناقد السعوديّ جمال خاشقجي الذي قُتل في القنصليّة السعوديّة في تركيا، يسلّط الضوء مرّة جديدة على المخاطر التي يواجهها العديد من الصحفيّين.

لكن ليست عمليّات القتل وحدها ما تؤثر على الصحفيّين فحسب. فقد تجلّى ارتفاع في حالات الاحتجاز غير المشروع، والاعتقالات والتهديدات المستمرة كما أنّ المضايقات آخذة في الارتفاع.

منال غربي هي صحفيّة إذاعيّة في تونس. عندما غطّت الثورة التونسيّة في العام 2011، وجّهت مجموعةٌ من المستمعين إلى الإذاعة حيث تعمل، وابلًا من المضايقات والضغوط، وحتى عبر الإنترنت، بسبب إعدادها تقارير عن عمل الطلاب وغيرهم من النشطاء خلال الثورة. وأثناء إضراب أحد المدرّسين، أثار حديثها مع زميل لها عن بعض الأنشطة غضبَ الأساتذة. فتظاهروا أمام محطة الراديو، مطالبين المحطة الإذاعيّة بمعاقبة الإعلاميَّيْن.

وقالت غربي: "وبّختني إدارة الإذاعة مرارًا وتكرارًا ومنعتني من التعبير عن رأيي، كما أنّها منعتني عن تناول عدد من المواضيع خلال بثّي برامجي."

ولكن يمكن الصحافيّون أن يقاوموا ويتعلموا كيف يحمون أنفسهم بشكل أفضل، على حدّ تعبير خولة شبح، وهي صحفيّة ترأس حاليًّا وحدة الرصد في النقابة الوطنيّة للصحفيّين التونسيّين، التي تراقب الهجمات على الصحفيّين في تونس وتسلط الضوء عليها.

وتابعت قائلة: "أرى أنّ رصد الهجمات على الصحفيّين يساعد في حمايتهم والتدخل لمصلحتهم، من خلال توفير المشورة والمساعدة القانونيّة الملائمة وفي وقتها، وفي اعتماد مؤشّرات خاصة بسلامة الصحفيّين، واقتراح حلول عمليّة تضمن سلامتهم. كما يلعب التدريب دورًا مهمًّا في إطلاع الصحفيّين على حقوقهم".

وقد شاركت شبح في حلقة تدريبيّة تناولت رصد حريّة تعبير الصحفيّين وسلامتهم، وشاركت في تنظيمها مفوضيّة الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان في تونس. وخلال التدريب، تعلم الصحفيّون كيف يرصدون انتهاكات حقوق الإنسان عبر استخدام معايير حقوق الإنسان المحليّة والوطنيّة والدوليّة. كما تعلموا كيف يبلّغون عن هذه الانتهاكات ويسلّطون الضوء عليها بشكل أفضل.

وحلقة تدريب الصحفيّين التونسيّين من المشاريع القليلة التي ذكرها التقرير الأخير الذي رُفِع إلى مجلس حقوق الإنسان وتناول سلامة الصحفيّين ، وقد شكّلت مثالًا على ما يمكن القيام به لضمان سلامتهم. كما أشار التقرير إلى أن العمل على المستوى المحليّ والإقليميّ يحقّق أفضل النتائج عند اعتماد آليات خاصة بسلامة الصحفيّين.

أمّا غربي، التي شاركت أيضًا في الحلقة التدريبيّة الخاصة برصد حريّة تعبير الصحفيّين وسلامتهم، فقد أشارت من جهتها إلى أنّها شهدت تحسنًا على مستوى حماية الصحفيّين في بلادها. فقد سُنَّت قوانين جديدة أشدّ صرامة ساهمت في حمايتهم، بالإضافة إلى انتشار المزيد من الأماكن الخاصة برفع الشكاوى. لكنّها تؤكّد أنّه يمكن كلّ صحافيّ أن يستفيد أكثر إن تعرّف بشكل أفضل على حريّة الصحافة وحقّ الصحفيّين في الحماية والسلامة.

وتابعت قائلة: "يمكن هذا التدريب أن يوفّر للصحفيّين فرصة للتعامل مع القضايا القائمة حاليًّا بطريقة مختلفة والأهم بطريقة أكثر جدوى، بالإضافة إلى حصولهم على وجهة نظر مغايرة. كما يمكنّهم من التمييز بين الإساءات وحدود حريّة التعبير، لا سيّما في سياق البلاد الحالي. ويعرض التدريب أيضًا عليهم الهيئات المختلفة التي يمكن أن يلجؤوا إليها والإجراءات التي يجدر اعتمادها عند انتهاك أيّ من الحقوق."

2 تشرين الثاني/نوفمبر 2018

أنظر أيضاً