الاعتراف بالتشيليين من أصل أفريقي: من الإنكار إلى الافتخار


"عندما كنت فتاة، اعتدت جعل شعري المجعد أملساً كل يوم"، هذا ما قالته أزينيث باييز، فيما كانت مستغرقة في استعادة ذكريات سنوات شبابها التي أمضتها في أريكا، مسقط رأسها في شمال تشيلي. وأضافت "آنذاك، لم تكن لدينا أدوات تسريح الشعر التي يملكها المراهقون الآن، لذلك كنت أستخدم مكواة ثياب قديمة. كنت لأفعل أي شيء من شأنه وقف التنمر الذي أتعرض له".

مجموعة من المنحدرين من أصل أفريقي من منطقة أريكا وباريناكوتا، في تشيلي، يرقصون أمام القصر الرئاسي لامونيدا في سانتياغو بهدف التعريف عن أنفسهم، آب/أغسطس 2008 © الصورة من وكالة الصحافة الفرنسية/كلاوديو سانتانا لكن في كل مرة كانت تحاول جعل شعرها أملساً، صار أجعداً أكثر فأكثر. وحدث الأمر ذاته في ما يتعلق بهويتها المنحدرة من أصل أفريقي، إذ لم يتمكن أحد من وقف تألقها.

وعلى غرار أزينيث باييز، كانت لدى أشخاص وأسر آخرين في محيط وادي أزابا احتفالاتهم وقصصهم وعاداتهم الفريدة التي مارسوها بشكل سري. وبوصفهم منحدرين من أصل أفريقي، كان أصلهم المشترك مصدراً للوحدة فيما بينهم جميعاً. وقال كريستيان باييز الذي يقود بالتعاون مع أزينيث المنظمة غير الحكومية Lumbanga "بدأنا نبحث عن بعضنا البعض وننظم حركة من أجل المطالبة بحقوقنا". وهم تعرضوا لحملات من التشكيك والتحقيقات، لكنهم قرروا المضي بمقاومتهم الثقافية لبلوغ مرحلة جديدة.

من العار إلى النشاط

تعتبر منظمتا Lumbanga وOro Negro (الترجمة الإسبانية لما معناه "الذهب الأسود") من أهم المنظمات غير الحكومية المعنية بشؤون التشيليين من أصل أفريقي. فقد عملتا عن كثب من أجل دعم حقوق التشيليين المنحدرين من أصل أفريقي. لكن كان عليهما أن تثبتا وجودهما.

وتشير المنظمتان إلى ما لا يعد ويحصى من الرحلات التي قامتا بها إلى عاصمة تشيلي سانتياغو، الواقعة على بعد أكثر من ألفي كليومتر عن مقرهما، وإلى الاجتماعات مع السلطات والمسيرات في الشوارع وعمليات التفاوض الفاشلة. وقالت مارتا سالغادو، القائدة البارزة من Oro Negro "قال لنا البعض إننا غير موجودين، فيما عاملنا البعض الآخر مثل الغرباء. لقد كان يصعب على كثيرين رؤيتنا بمثابة مواطنين إخوة لهم".

وفي المدرسة، تلقَّن النائب المولود في أريكا لويس روكافول أنه لا يوجد تشيليون ببشرة سوداء اللون. وقال "واظبنا على إجلال آبائنا المؤسسين ذوي الملامح الأوروبية، فيما تجاهلنا دور مجتمعات الشعوب الأصلية والمنحدرين من أصل أفريقي ومساهماتها في تاريخنا"، موضحاً "منذ قرون مضت، تمَّ إحضار شعوب من أفريقيا إلى أرضنا ضد إرادتنا وكانت هذه الشعوب مهمة لما تحولت إليه منطقتنا الآن".

وشهد روكافول على نضال المجتمع التشيلي من أصل أفريقي وقرر دعم قضيتهم. وقام برعاية مشروع قانون يرمي إلى الاعتراف قانونياً بالتشيليين من أصل أفريقي كشعب قبلي وإلى تقدير ثقافتهم وعاداتهم. وبعد طريق طويلة شقَّها عبر الكونغرس، تمَّ التوقيع عليه كقانون في 16 نيسان/أبريل 2019.

وقالت بيرجيت جرستنبرغ، ممثلة مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لأميركا الجنوبية "نحتفل باعتماد هذا القانون الذي يعترف أيضاً بنضال الناشطين التشيليين من أصل أفريقي لجعله ممكناً". وأوضحت أهميته الخاصة في إطار العقد الدولي للمنحدرين من أصل أفريقي (2015 – 2024)، الذي يشجع اعتماد تدابير ملموسة لدعم هذه الجماعة من السكان، بما أنهم يعانون غالباً أشكالاً متعددة أو شديدة أو متقاطعة من التمييز.

أضافت جرستنبرغ "يشكل هذا القانون إنجازاً مهماً في ما يتعلق بالاعتراف، أحد دعائم العقد، ويضع الأسس الرامية إلى دعم العدالة والتنمية لصالح جميع المنحدرين من أصل أفريقي في تشيلي". وشدَّدت قائلة "نأمل في أن تتمكن دول أخرى في المنطقة من إحراز تقدم مماثل، وإن مكتبنا مستعد لدعمها في هذه الجهود".

وبوصفهم مدافعين عن حقوق الإنسان، يوافق كل من مارتا وكريستيان وأزينيث على الدور المهم الذي يؤديه مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لأميركا الجنوبية في هذه العملية. وقال كريستيان "يشكل المكتب شريكاً استراتيجياً ضمن إطار العقد وجهودنا الرامية إلى جعل السلطات تستوعب التزاماتها الدولية المتعلقة بعدم التمييز وتمتثل لها".

وإذ يشعر هؤلاء الناشطون بالقلق من السياق العالمي، هم يؤكدون أن حقوق الإنسان مهمة بالنسبة إلى المجتمع ككل. وقال كريستيان "لن يعود هذا التحسن بالفائدة على التشيليين من أصل أفريقي فحسب؛ بل هذه أيضاً مساهمة أخرى من شعبنا في هذا البلد المتعدد الثقافات. وبما أننا تشيليون من أصل أفريقي، لدينا دور خاص في مكافحة أي شكل من أشكال العنصرية ضد إخوة وأخوات منحدرين من أصل أفريقي يأتون من دول آخرى بحثاً عن مستقبل أفضل".

وفي هذه الأيام المغمورة بالسعادة، يفكر كل من المدافعين الثلاثة بأجدادهم. يشعرون بأنهم ورثوا عنهم الفخر والمثابرة والقوة. وقالت مارتا "أعلم أنهم لكانوا سعداء بهذا الإنجاز وبواقع أننا لم نستسلم أبداً". من جهتها، قالت أزينيث مع ابتسامة تعلو محيَّاها "توقفت عن جعل شعري أملساً منذ وقت طويل. فهذا الشعر هو تذكير بالشعب الأبي الذي أتحدَّر منه، وأنا أحب الآن إظهار شعري المجعد".

3 أيّار/مايو 2019

أنظر أيضاً