الحفاظ على اعتدال المحتوى على الإنترنت: أَيَهْدُفُ إلى مكافحة الأضرار أم إلى إسكات الأصوات المعارضة؟


رجل يقف على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول وينظر إلى الشاشة © صور غيتي

في الأشهر الأخيرة، شهد العالم انتقادات متزايدة استهدفت وسائل التواصل الاجتماعي في ما يتعلق بكيفية إدارة المحتوى الذي ينتجه المستخدمون.

وغالبًا ما تواجه هذه الشركات معضلات خطيرة في مجال حقوق الإنسان: فمكافحة ما يُعتَبَر محتوى ضارًا بكلّ فعالية قد يُسكِتُ "الخطابات المحمية"، أي الخطابات التي يسمح بها القانون الدولي. ويؤثر التدخل في المحتوى أو إزالته على الحق في حرية التعبير والخصوصية، وقد يؤدي بكلّ سهولة إلى الرقابة.

ونظرًا إلى ضرورة بذل المزيد من الجهود لضمان المساءلة، بدأ العديد من الحكومات في تنظيم المحتوى عبر الإنترنت. فقد تم تبني حوالى 40 قانونًا جديدًا بشأن وسائل التواصل الاجتماعي في جميع أنحاء العالم في العامين الماضيين. ولا يزال 30 قانونًا آخرَ قيد الدرس.

وأكّدت مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان أنّ هذا الاتجاه مقلق للغاية، وله عواقب وخيمة على المناقشات والمشاركة العامة.

واعتبرَت مديرة الانخراط المواضيعي في مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان بيغي هيكس، أنّ كافة البلدان تقريبًا التي اعتمدت قوانين تتعلق بالمحتوى عبر الإنترنت، عرّضت حقوق الإنسان للخطر من خلال القيام بمجرّد ذلك.

وأفادت خلال مؤتمر صحفي عُقِد الأسبوع الماضي قائلة: "يحصل ذلك لأنّ الحكومات تستجيب للضغط العام من خلال التسرع في إيجاد حلول بسيطة لمشاكل معقدة. كما أنّ بعض الحكومات يرى هذه التشريعات على أنها وسيلة للحد من الخطابات التي لا تعجبها وإسكات المجتمع المدني أو غيره من الجهات المنتقدة الأخرى."

إن الطريقة الوحيدة لمواجهة هذه التحديات هي اعتماد نهج قائم على حقوق الإنسان.

وشدّدت هيكس قائلة: "نحن بحاجة إلى دق ناقوس الخطر بصوت عالٍ ومستمر، نظرًا إلى الميل إلى استنساخ التنظيمات المعيبة، وتفشّي الممارسات السيئة."

القوانين الجديدة مصدر قلق بالغ

في أعقاب سيل الإساءات العنصرية الموجهة ضد لاعبي كرة القدم الإنكليز السود بعد نهائي كأس الأمم الأوروبية 2021، تزايدت الدعوات في المملكة المتحدة لتنفيذ تشريعات جديدة على الإنترنت وبسرعة.

ولكن مشروع قانون الأمان على الإنترنت، الذي تم طرحه في أيّار/ مايو، سيضع أحكامًا من المحتمل أن تؤدي إلى إزالة كميات كبيرة من الخطابات المحمية.

وفي مقابل ذلك في الهند، وفي أعقاب بعض الحوادث الخطيرة للتحريض على العنف عبر الإنترنت، كشفت الحكومة في شباط/ فبراير عن المبادئ التوجيهية للوسطاء وعن مدونة سلوك أخلاقيات لوسائل الإعلام الرقمية. وفي حين أن القواعد الجديدة تنطوي على بعض الالتزامات المفيدة للشركات في ما يتعلق بالشفافية والتعويض، يثير عدد من الأحكام الأخرى القلق البالغ.

فبموجب القواعد الجديدة مثلاً، تتمتع السلطات غير القضائية بصلاحية طلب إزالة إي محتوى على وجه السرعة، وفي حال لم تمتثل الشركات لهذه الطلبات قد تواجه وموظفيها مخاطر تحمّل مسؤوليات واسعة النطاق. بالإضافة إلى ذلك، تهدّد القواعد بتقويض التشفير الآمن من طرف إلى طرف. وقد ظهر في الواقع العديد من التوترات في هذا الصدد وتم عرضها على المحاكم الهندية.

كما أعرب خبراء من الأمم المتّحدة في مجال حقوق الإنسان عن مخاوفهم حيال قوانين جديدة ومشاريع قوانين تُعتَمَد في بلدان أخرى، بما في ذلك أستراليا، والبرازيل، وبنغلاديش، وفرنسا، وسنغافورة، وتنزانيا.

وأضافت هيكس أن مثل هذه القوانين غالبًا ما تعاني من مشاكل مماثلة، مع تعريفات ضعيفة لما يشكّل محتوى غير قانوني أو ضار. فقالت: "يبرز تركيز مفرط على إزالة المحتوى، والرقابة القضائية المحدودة والاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي والخوارزميات."

حجب وسائل التواصل الاجتماعي

أدى الإبلاغ عن المحتوى من قبل شركات التواصل الاجتماعي أيضًا إلى بعض ردود الفعل الصارمة من قبل الحكومات، بما في ذلك عراقيل واضطرابات كبرى على مستوى الشركات. ففي الشهر الماضي، أعلنت الحكومة النيجيرية تعليق تويتر إلى أجل غير مسمى بعد أن حذفت المنصة منشورًا من حساب الرئيس بخاري، معلنةً أنه ينتهك سياسات الشركة.

وفي غضون ساعات، مَنَعَتْ شركاتُ الاتصالات السلكية واللاسلكية الكبرى في نيجيريا الملايينَ من الوصول إلى تويتر، كما هدَّدَتْ السلطاتُ النيجيرية بمحاكمة أي شخص يتجاوز الحظر.

تعتبر مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان أنّ عمليات الحجب المماثلة تؤدّي دورًا لا يمكن إغفاله بما أنّها تقيّد قدرة الأشخاص على الوصول إلى المعلومات، كما تؤثر على الحقوق الأخرى بما في ذلك العمل والصحة والتعليم. وتنطوي أيضًا على تكاليف اقتصادية باهظة وتعيق التنمية.

"لكن المسألة ليست مجرد مسألة حقوق وقوانين، فالقواعد الشفافة بشأن الاعتدال في المحتوى المنشور وضمان التعبير عن وجهات نظر مختلفة هما أيضًا مسألة ثقة في المؤسسات، ما يشكّل أثمن السلع في المجتمعات الديمقراطية"، على حدّ تعبير هيكس.

قانون الخدمات الرقمية في الاتحاد الأوروبي: فرصة لحسن التنظيم

قد يكون للقرارات المتخذة في الاتحاد الأوروبي في الأشهر المقبلة تأثير على السياسة الرقمية على مستوى العالم، وفقًا لمفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان. فالاتحاد الأوروبي يدرس حاليًا قانون الخدمات الرقمية، وينطوي بمشروعه على بعض العناصر الإيجابية: فهو متجذّر في لغة حقوق الإنسان، ويحتوي على متطلبات واضحة لشفافية المنصات، وقد تمت صياغته على أساس عملية تشاركية.

على الرغم من ذلك، تعتبر مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان، أن بعض الإشارات المتناقضة لا تزال بارزة، بما في ذلك خطر فرض مسؤولية واسعة النطاق على الشركات بسبب المحتوى الذي ينتجه المستخدمون، ومحدودية الرقابة القضائية. المجال مفتوح لإشراك المزيد من الأصوات في المفاوضات بشأن عملية الصياغة.

وحثت هيكس على توخي الحذر مع تطور العملية: فقالت: "عندما تبدأ الديمقراطيات في التنظيم، يتفشّى تأثير مضاعف لهذه العمليّة في جميع أنحاء العالم، ما قد يحمل دولًا أخرى على اتّباع المسار نفسه. فلا حدود للإنترنت، ونحن بحاجة إلى أن نحقّق مساحة رقمية عالمية تضمن ممارسة الناس حقوقهم بكلّ أمان."

خمس إجراءات للمضي قدمًا

بهدف معالجة معضلات تنظيم المحتوى عبر الإنترنت والحفاظ على اعتداله، اقترحت مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان خمسة إجراءات على الدول والشركات النظر فيها.

أولاً، تحثّ مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان على أن يكون تركيز التنظيم على تحسين عمليات الحفاظ على اعتدال المحتوى، بدلاً من إضافة المزيد من القيود عليه.

على سبيل المثال، عند مواجهة مشاكل معقدة، يجب أن يتخذ الأشخاص القرارات وليس الخوارزميات.

ثانيًا، يجب أن تستند القيودُ التي تفرضها الدولُ على القوانين، ويجب أن تكون واضحة، وأن تكون ضرورية ومتناسبة وغير تمييزية.

ثالثًا، على الشركات أن تتحلى بالشفافية بشأن كيفية تنظيم المحتوى والحفاظ على اعتداله وكيفية مشاركة المعلومات، وعلى الدول أيضًا أن تتحلى بالشفافية بشأن طلباتها لتقييد المحتوى أو الوصول إلى بيانات المستخدمين.

رابعًا، يجب أن تتاح للمستخدمين فرص فعالة للطعن في القرارات التي يعتبرونها غير عادلة، ويجب أن يكون للمحاكم المستقلة القول الفصل في مشروعية المحتوى.

خامسًا وأخيرًا، ينبغي إشراك المجتمع المدني والخبراء في تصميم التنظيمات وتقييمها.

بإمكان الشركات لا بل عليها أن تقوم بما هو أفضل من ذلك

غالبًا ما يتم انتقاد شركات التواصل الاجتماعي لفشلها في إزالة المحتوى الضار، ولكن أيضًا بسبب قيامها بذلك بالضبط.

وفي كلا الحالتين، هناك عدد قليل من القنوات التي يستخدمها الأشخاص لمعالجة مخاوفهم. فعلى سبيل المثال، خلال تصاعد العنف مؤخرًا في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في أيّار/ مايو، قوّضت شركات التواصل الاجتماعي الأصوات الفلسطينية بشكل غير متناسب بسبب ممارسات الحفاظ على اعتدال محتوى، ولم تتوفّر سوى سبل محدودة للطعن في قرارات الإزالة. واعترفَت انستغرام بوجود مشاكل في أنظمة المعالجة الآلية الخاصة بها.

تنص المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان على أن جميع الشركات تتحمل مسؤولية احترام حقوق الإنسان.

وأكّدت هيكس أنّه بإمكان الشركات لا بل عليها أن تقوم بما هو أفضل من ذلك بكثير كي تكون شفافة وكي توفّر قنوات انتصاف فعالة يسهل الوصول إليها. فالأشخاص الذين يتم استهدافهم بالتحريض عبر الإنترنت، وأولئك الذين يخضعون للرقابة عبر الإنترنت، يحتاجون إلى ردود موضوعية وواضحة على مخاوفهم.

وقالت هيكس: "نواجه اليوم رؤى متنافسة بشأن خصوصيتنا وطريقة تعبيرنا وحياتنا، تديرها الاقتصادات المتنافسة والشركات المتنافسة.

لكنّ الشركات والدول وافقت على حد سواء على احترام حقوق الإنسان. فلنبدأ في إجبارها على الوفاء بوعدها."

في 23 تموز/ يوليو 2021

أنظر أيضاً