بنجمين أورنشتاين، الناجي من محرقة اليهود


يتذكّر بنجمين أورنشتان، الناجي من محرقة اليهود قائلاً: "خضَعَت قريتنا للاحتلال، وشعر والدي الذي أطلق لحية غاية في الأناقة والجمال، شأنه شأن أيّ يهوديّ محتَرَم آخر، بالتهديد. لأنّ الجنود الألمان راحوا يلقون القبض على الملتحين ويقصّون لحاهم بحرابهم، ويقطعون لحمهم حتّى أحيانًا. وقد اعتاد الجنود أن يلتقطوا صورًا لضحاياهم ويقولون، "سأعرض هذه الصورة على خطيبتي!" ولكن عندما رأينا أنا وشقيقتي والدنا عائدًا إلى المنزل، أجهشنا بالبكاء."

بنجمين أورنشتاين، الناجي من محرقة اليهود، يشاركنا قصّته في اليوم العالميّ لإحياء ذكرى ضحايا محرقة اليهود، في قصر الأمم في جنيف، 28 كانون الثانيّ/ يناير 2019. © صور الأمم المتّحدة/ فيولين مارتينولد أورنشتاين قبل 93 عامًا في أنوبول، جنوب غرب بولندا، وهو الأصغر من بين خمسة إخوة في عائلة يهوديّة ملتزمة. وأشار إلى أنّ معاداة السامية قد انتشرت قبل الحرب العالميّة الثانيّة وأثناءها وبعدها. وما إنّ وصل الجيش الألمانيّ إلى بولندا، حتّى تمكّن من غزوها في غضون 10 أيام فقط.

وسرعان ما تمّ استبدال هؤلاء الجنود الألمان بقوّات الأمن الخاصة التي فرضت مدوّنة سلوك على سكّان القرية من اليهود، وأجبرتهم على وضع شارة على ذراعهم تحمل نجمة داود. ومَن رفض الانصياع لقي حتفه.

وراح الاضطهاد والقمع يتفاقمان أكثر فأكثر ويومًا بعد يوم؛ فقام الجنود أوّلاً بتدنيس كنيس القرية وأحرقوا جميع الكتب المقدّسة. ثمّ أخذوا اثنين من الأعيان إلى جسر القرية حيث أعدموهم. وتابع أورينشتاين قائلاً: "وكانت ضحيّتهم الثالثة ابن عمي جايكوب أورنشتاين؛ قُتِل أمام طفلَيْه وزوجته أثناء محاولته حمايتها من الجنود".

ومع حلول العام 1941، حوّلت قوّات الأمن الخاصة أنوبول إلى غيتو في الهواء الطلق، وامتدّ محيطه على كيلومتر واحد، كما منعت خروج القرويين منه.

"لم يحشرونا في هذه المساحة كي نعيش معًا؛ بل لنموت معًا. ولم تعتبر قوّات الأمن الخاصة أنّنا نموت بالسرعة المطلوبة، فابتدعت " الحل النهائي "في العام 1942".

وفرض الجنود أوّلاً على القرويّين الأشغال الشاقة؛ فعمل أورنشتاين في تكسير الصخور في المحجر المجاور؛ ثمّ نُقِل السكان إلى معسكرات الأشغال الشاقة. وكان والد أورنشتاين أول فرد في أسرته يُعتَقل ويُرَحَّل إلى إينيسزو؛ وكان يبلغ وقت ذاك من العمر 60 سنة.

وقال أورنشتاين: "كان أخي حاييم من المشرفين على هذا المعسكر. فسألني إن أنا مستعد لأحلّ محلّ والدي. فقلت نعم"، مع العلم أنّه لم يتخطَّ 15 سنة من عمره وقت ذلك. وتابع قائلاً: "لم أملك أيّ فكرة عمّا هو المعسكر. ولكن هل يمكنني أن أقول لا؟ بالطبع لا لأنّ المعسكر كان ليقتل والدي."

وسرعان ما تمكّن أورنشتاين من الهرب. وأخبر أنّ معسكرات الاعتقال النازيّة شهدت العديد من حالات الهرب، لكن لم ينجُ منها أحد. فمن وجد الهاربين نائمين في الغابات في "الهواء الطلق" أعادهم إلى جنود قوّات الأمن الخاصة للحصول على مكافأة: هي كناية عن لتر من البنزين، أو كيلو من السكر أو نصف زجاجة من الفودكا.

"تلك كانت قيمة حياة اليهود."

مسيرة باردة نحو الموت والحريّة

بعد بضعة أيّام من عودة أورنشتاين إلى قريته، اقتيد شقيقه ليون إلى معسكر الأعمال الشاقة في جانوسكا. وعاش يهود أنوبول كل يوم وسيف الموت مسلط على رقابهم. فعند الترحيل، يُمَنح أحد القادة حق الحياة أو القتل.

ثم تم ترحيل أورنتشتاين وأشقائه الثلاثة إلى راشو المجاورة في تشرين الأوّل/ أكتوبر 1942، ثمّ إلى بودزين برفقة أحد أشقّائه. وبعد بضعة أشهر، تم ترحيل الأخ إلى راشو، حيث أُعدم في العام 1943 مع باقي السجناء. وعلم أورنشتاين في وقت لاحق أن إخوته الآخرين قُتِلوا في معسكر الإبادة في بلزاك، بعد سيرهم عدّة أيّام. ماتوا اختناقًا في أقل من 35 دقيقة. ومع نهاية العام 1943، أمسى بنجمين أورنشتاين آخر فرد من أسرته على قيد الحياة.

ويتذكّر أورنشتاين قائلاً: "لو كنت وحدي في تلك المعسكرات، لما نجوت. فعندما تعرضت للتعذيب، رعاني إخوتي وحموني. رأيت عشرات الأشخاص يُعدمون، بما في ذلك أفراد من أسرة أمي".

"لا أعرف كيف أصف لكم الحياة في ذلك الوقت".

وتنهّد قائلاً: "حياة مروّعة لا يمكن وصفها ولا تصوّرها."

وبعد وصول أورينشتاين إلى مخيم أوستروفيك في أيّار/ مايو 1944، تم ترحيله إلى معسكر أوشفيتز في 4 آب/ أغسطس حيث وُشِم رقم هويته B 4416 على ذراعه الأيسر. وبعد بضعة أيام، اقتيد إلى معسكر فرستنغروبوب الفرعيّ حيث أُجبر على العمل مع معتَقَلين آخرين في مناجم الفحم القديمة.

وفي كانون الأوّل/ يناير 1945، رافقت قوّات الأمن الخاصة الأسرى إلى دورا، أخر معسكر اعتقال مرّ فيه أورينشتاين. وساروا مدّة 10 أيام في قساوة البرد. وقال: "آلاف الجثث مرميّة على جانبَي طريق الموت."

في 11 نيسان/ أبريل 1945، حرّر الجيش الأميركيّ مخيم دورا. وكان أورينشتاين يعاني قضمات الصقيع القارس وعدوى في ساقه. فنقله الصليب الأحمر إلى تيونفيل في فرنسا، وبعد أن اتّصل به أحد أقاربه، انتقل إلى ليون حيث يعيش منذ العام 1951.

روى بنجمين أورنشتاين قصته في 28 كانون الأوّل/ يناير 2018 في جنيف حيث أحيَتْ الأمم المتّحدة ذكرى المحرقة في قصر الأمم، مقرها الأوروبي.

قبل سبعين عامًا، في أعقاب الحرب العالميّة الثانيّة، شكّل الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان نقطة تحوّل في تاريخ البشريّة. وأصبح أوّل وثيقة مقبولة عالميًّا تقر بأنّ "تناسي حقوق الإنسان وازدراءها قد أفضيا إلى أعمال همجيّة آذت ضمير البشرية."

أورينشتاين من بين آخر الشهود على معسكرات الاعتقال النازيّة. ويكرس، وهو في الـ93 من عمره، ذكرى المحرقة بمشاركة قصته مع التلاميذ في المدارس الابتدائيّة والثانويّة في جميع أنحاء فرنسا.

أنظر أيضاً