تقرير جديد يسلّط الضوء على ترحيل المهاجرين من ليبيا بطريقة غير آمنة ومهينة


© DCIM

أكّد تقرير جديد صدر هذا الأسبوع عن مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان أنّ المهاجرين في ليبيا "يتعرّضون بشكل روتيني لخطر الترحيل التعسفي أو الجماعي."

وتجري عمليات الترحيل هذه من دون إجراء أيّ تقييم فردي لظروفهم أو تلبية احتياجاتهم من الحماية.

وقد اعتمد التقرير الذي أتى بعنوان غير آمن ومهين: ترحيل المهاجرين قسرًا من ليبيا، على البيانات الرسمية الصادرة عن السلطات الليبية، وعلى عمليّات الرصد والتحليل عن بعد التي نُفِّذَت بين كانون الثانيّ/ يناير 2019 وكانون الأوّل/ ديسمبر 2020.

وعلنت مستشارة مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان في مجال الهجرة وحقوق الإنسان كارولينا هيرنانديز، قائلة: "يصل سنويًا آلاف المهاجرين إلى ليبيا بحثًا عن الأمان والكرامة لأنفسهم ولعائلاتهم." ومع ذلك، غالبًا ما يبقون عالقين في ليبيا بسبب نهجٍ لإدارة الهجرة والحدود يركّز على منعهم من الوصول إلى أوروبا."

وفي حين أنّه ما مِن بيانات حكومية رسمية متوفّرة في هذا الصدد، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 600,000 مهاجر ينتمون إلى أكثر من 44 جنسية متواجدون حاليًا في ليبيا، ومعظمهم غير موثق ويعيش في ظلّ أوضاع هشّة.

تزايد عمليات ترحيل المهاجرين

خلافًا لالتزامات ليبيا الدولية في مجال حقوق الإنسان، يجرّم القانون الليبي الدخول والخروج والعيش بطريقة غير شرعيّة في البلاد ويفرض عقوبات قاسية تقضي باحتجاز أي مهاجر يعيش في ظلّ أوضاع غير قانونية، وتلزمه بدفع الغرامات وتؤدّي إلى ترحيله من البلاد.

وفيما كانت عمليات الترحيل القسري من ليبيا نادرة جدًا لا بل استثنائيّة في الممارسة خلال السنوات الأخيرة، وثّق التقرير كيف أمست تسجّل حاليًا ازديادًا مستمرًّا، في ظلّ ترويج بعض المسؤولين الليبيين لخطط ترحيل "عدد أكبر من الأشخاص وبوتيرة أسرع من أي وقت مضى." وتنطوي هذه الخطط على ترحيل المهاجرين من مراكز الاحتجاز الليبية، وغالبًا بموجب ما يُعرَف بـ"إجراءات الطوارئ" المرتبطة بجائحة كوفيد-19 وغيرها من "الأمراض المعدية" الأخرى، بطريقة تعرّض المهاجرين إلى تصنيف تمييزي.

ووفقًا للإحصاءات الرسمية التي نشرتها وزارة الداخلية الليبية، فرع بنغازي التابع لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، تم طرد حوالى 7,500 مهاجر في العامين 2019 و2020.

ومع ذلك، تشير عمليات الرصد المستقلّة التي نفذّتها الأمم المتّحدة والمجتمع المدني إلى أن هذه الأرقام قد تكون أقل بكثير من عدد المهاجرين المُرَحّلين فعلاً، ولا تأخذ في الحسبان عمليات الطرد التي نفذتها سلطات الأمر الواقع في ليبيا.

عدم مراعاة الأصول القانونية والضمانات الإجرائية

أشار التقرير إلى أنّ عمليات الترحيل تحدث على نطاق واسع من دون تقييم الحالات الفردية، وغالبًا ما يُحرم المهاجرون من الحصول على المساعدة القانونية ومن الوصول إلى مترجمين فوريين، وغير ذلك من الضمانات الإجرائية البالغة الأهمية، بما فيها إمكانية الطعن بفعالية في شرعية العودة.

وأوضحت هيرنانديز أن "عمليات الإعادة هذه، خارج إطار الإجراءات القانونية الواجبة، تنتهك حظر الترحيل الجماعي ومبدأ عدم الإعادة القسرية."

الاحتجاز والاعتقالات التعسفية

سلّط التقرير الضوء أيضًا على أن نظام الاحتجاز في ليبيا يشكّل أداة حاسمة في تنفيذ عمليات الترحيل القسري من البلاد ويثير مخاوف جدية بشأن استمرار عمليّات الاعتقال والاحتجاز في ليبيا، مشيرًا إلى أن النظام ’تعسفي في جوهره.‘

يتم إلقاء القبض على آلاف المهاجرين سنويًا ووضعهم في مراكز احتجاز دون المستوى المطلوب، حيث يتعرضون لمجموعة من انتهاكات حقوق الإنسان، بما فيها التعذيب والعنف الجنسي والاختفاء القسري والإتجار والحرمان من حقهم في الغذاء المناسب والمياه الكافية والرعاية الطبية.

وقد أبدت مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان قلقها البالغ من أن عددًا متزايدًا من عمليات الترحيل ينطلق على ما يبدو من مجموعة من المراكز التي أصبحت تُعرَف بـ"مراكز التجمع والعودة" الجديدة أو المعاد تجديدها أو المعاد تسميتها في جميع أنحاء البلاد، وتقع تحت سيطرة السلطات الليبية.

وفي بعض الحالات، كانت مراكز الاحتجاز التي أُغلقت سابقًا بسبب انتهاكات حقوق الإنسان الواسعة النطاق المرتكبة فيها ضد المهاجرين، من بين المراكز التي أُعيد افتتاحها. كما تم افتتاح مراكز احتجاز جديدة تخضع مباشرة لسيطرة الجماعات المسلحة التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، ما يثير مخاوف جدية بشأن سلامة المهاجرين والمساءلة على الانتهاكات المرتكبة بحقهم.

رحلات العودة القسرية: خطيرة ومهينة

شرح التقرير بالتفصيل أنّ السلطات الليبية لا تتصرف بطريقة ملائمة تضمن سلامة المهاجرين ورفاههم أثناء عمليات الإعادة القسرية، كما أنها لا تنسق بشكل فعال مع السلطات في البلدان التي يُرحَّل إليها المهاجرون.

وخلال إحدى عمليات ترحيل حوالى 900 رجل وامرأة من الكفرة في نيسان/ أبريل 2020، أفاد عدد من المهاجرين بأنهم قطعوا مئات الأميال في الصحراء وتُرِكوا في بلدات حدودية نائية في تشاد والسودان. ولم يكن لديهم ما يكفي من الغذاء والمياه والمأوى، واضطروا إلى حجر أنفسهم في ساحة مفتوحة بسبب القيود التي فرضها كوفيد-19.

وتابعت هرنانديز قائلة: "أخبرنا المهاجرون أنهم لم يُمنَحوا أي خيار، على الرغم من إبلاغهم بأنّ هذه العملية ’طوعية‘. وفي الواقع، يتم التخلي عن الكثير منهم في الصحراء. فيرزحون تحت ضغوط نفسية شديدة عقب تعرّضهم للاستغلال أو مشاهدتهم إيّاه بشكل مباشر، عن طريق العمل القسري أو الضرب أو التعذيب أو العنف الجنسي."

عدم إمكانية الوصول إلى العدالة

على الرغم من هذه المخاوف الخطيرة، لم يرد إلى مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان أيّ معلومات بشأن قضية قانونية واحدة رفعها في ليبيا مهاجرون أو ممثّلون عنهم بين العامَيْن 2019 و2020، للطعن مثلاً في قانونية ترحيلهم أو احتجازهم تعسفًا بغية ترحيلهم، أو بشأن أيّ شكوى رُفِعَت بسبب سوء المعاملة الممارَسة أثناء عملية الطرد.

كما أنّه ما من آليات رسمية معروفة لرفع الشكاوى ضمن جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، يهدف إلى الإصغاء إلى مثل هذه المطالبات والادّعاءات، في موازاة عدم إمكانيّة وصول آليات الرصدّ المستقلة لإجراءات العودة، بما فيها آليات الأمم المتحدة في ليبيا.

وفي هذا السياق، حدّد التقرير عددًا من التوصيات بما في ذلك الوقف الفوري لعمليات الترحيل التعسفي والجماعي. ودعا إلى "إعادة التفكير بصورة جذرية" في النهج الحالي لإدارة الهجرة والحدود، وبذل المزيد من العناية الواجبة عند توفير الدعم التشغيلي والمالي إلى الحكومة الليبية وبناء قدراتها.

وشدّد التقرير على أنّ إلغاء تجريم الهجرة غير النظامية في ليبيا يجب أن يشكّل أولوية ملحّة، كما يجب توسيع مسارات الهجرة الآمنة في المنطقة، لا سيما بالنسبة إلى المهاجرين الذين يعيشون أوضاعًا هشة، بما في ذلك منحهم فرصة تسوية أوضاعهم وتمديد تصاريح الإقامة والعمل.

انتهى


أنظر أيضاً