صرخات يأس تدوّي في ليبيا


في ليلة من ليالي شهر تشرين الثانيّ/ نوفمبر 2014، اقتحم أربعة رجال مقنّعين يرتدون زيًا عسكريًّا منزلاً في بنغازي في ليبيا.

ويتذكّر رجل في الـ45 من عمره قابله مكتب الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان قائلاً: "أمروني بأن أرافقهم."

وأضاف: "طلبت منهم أن يعرّفوا عن أنفسهم وأن يعلموني لما يريدون توقيفي. فكبّلوني وعصبوا عينّي واقتادوني إلى مكان مجهول. وما إن خرجت من سيّارتهم حتّى راح الحرّاس يعذّبونني ويهينونني بكلّ قسوة وأنا لا أزال معصوب العينَيْن."

ثمّ أُلقي في زنزانة برفقة أكثر من 40 موقوفًا. ولم يدرك أحد مكان وجودهم وسبب تواجدهم في هذا المكان. ومع حلول اليوم الثاني كان الجميع قد تلقّى ضربات عشوائيّة أنزلها به 15 حارسًا.

وقال: "لم نعرف لما قاموا بتعذيبنا بهذه الطريقة وتُرك معظمنا مرميّ على الأرض ينزف من دون الحصول على أيّ علاج طبّي."

هذه القصّة المأساويّ هي من شهادات الضحايا والشهود، التي يتخطّى عددها الـ200، وتشكّل جزءًا من تحقيق يجريه مكتب الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان بشأن ليبيا منذ مطلع العام 2014.

وقد نصّ تقرير جديد لمكتب الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان على عدد من هذه الشهادات، وخلُص إلى أنّ انتهاكات القانون الدوليّ لحقوق الإنسان والقانون الإنسانيّ الدوليّ ارتُكبَت في ليبيا خلال العامَيْن 2014 و2015، بالإضافة إلى اقتراف انتهاكات لحقوق الإنسان.

وقد أشار مفوّض الأمم المتّحدة السامي لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين قائلاً: "على الرغم من وضع حقوق الإنسان في ليبيا، بالكاد تذكر عناوين الصحف البلاد. وهناك مجموعة مختلفة من الجهات الفاعلة – حكوميّة وغير رسميّة على حدّ سواء – متّهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة قد يرقى معظمها إلى جرائم حرب."

وانعكس تدهور الأوضاع السياسيّة والأمنيّة في البلدان خلال العامَيْن 2014 و2015 سلبًا على الرجال والنساء والأطفال. ويعرض التقرير تفاصيل دقيقة عن الانتهاكات المرتكبة بحقّ الأطفال والمهاجرين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيّين والنساء والمشرّدين داخليًّا وغيرهم.

ومن بين هذه الانتهاكات القتل والإعدام غير القانونيَّيْن؛ والتوقيف التعسّفيّ؛ والاختطاف والإخفاء؛ والهجمات العسكريّة العشوائيّة على المدنيّين؛ والهجمات على الأشخاص والمرافق (المستشفيات وسيّارات الإسعاف والمباني السكنيّة) والهجمات التي تؤثّر على هذه المرافق المحميّة بموجب القانون الدوليّ، والتدمير غير المبرّر للأملاك الخاصة ونهبها؛ والتعذيب والمعاملة السيّئة؛ والعنف الجنسيّ وعلى أساس النوع الاجتماعيّ؛ وانتهاك الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة.

وبما أنّ هذه الأعمال انتشرت على كامل الأراضي الليبيّة فإنّ مرتكبيها ليسوا من الجهات الحكوميّة فحسب بل أيضًا من المجموعات المسلّحة التي ينتمي بعضها إلى التحالفَين المسلّحَيْن فجر ليبيا وعمليّة الكرامة.

فعلى سبيل المثال، يتمّ احتجاز عدد كبير من المهاجرين في مرافق احتجازٍ رسميّة حكوميّة أو غير رسميّة، وتحرسها أو تراقبها مجموعات مسلّحة. وفي العديد من الحالات، تمّ الاعتداء على هؤلاء المهاجرين وهم يعيشوا في ظروف غير ملائمة.

وفي غريان، وصف رجل أُوقِف في مركز احتجاز في مطلع العام 2014 المعاملةَ القاسية وعمليّات القتل غير القانونيّ التي شهدها.

فقال: "في حال فتح الحرّاسُ البابَ ولم يتحرّك الموقوفون بسرعة، يجلدونهم بسلسلة. ذات مرّة، أوقع رجلٌ صحنَ الشوربا. فأخذ أحد الحرّاس سلاحه وأطلق عليه النار وأصابه في رأسه فقتله أمام عينّي. بعد هذه الحادثة، قرّرت أنه عليّ الهروب حتمًا."

وقد أفاد عدد من النساء أنّهنّ تعرّضنّ إلى العنف الجنسيّ، ولكنّهن لم يرغبن في الدخول في تفاصيل ما عشنه أو بنشر قصصهنّ على العلن. إلاّ أنّ امرأة أفصحت أنّ أعضاء مجموعة مسلّحة اختطفوها وخدّروها واغتصبوها مرارًا وتكرارًا خلال ستّة أشهر.

كما أنّ الأطفال تعرّضوا أيضًا إلى الإساءة. فقد أشار صبيّان إلى أنّهما انتُزعا من كنف أسرتهما، وأجبرا على الخضوع إلى تدريبات دينيّة وعسكريّة على يد مجموعة أعلنت ولاءها لتنظيم الدولة الإسلاميّة.

كما أنّ صبيًّا وصف كيف تمّ الاعتداء عليه جنسيًّا.

فأشار قائلاً: "كنت أعرف ما يجب عليّ فعله [في المساء]، كان عليّ أن أنزع ثيابي وأن استدير نحو الحائط وأن أنحني."

وتؤكّد الشهادات وعمليّات التقييم التي يعرضها التقرير الحاجة الملحّة للتحقيق في هذه الانتهاكات ومحاسبة المرتكبين في ليبيا. وقد نصّ التقرير على 37 توصية وجّهها إلى كافة الأطراف في النزاع، وإلى الحكومة، والمجتمع الدوليّ ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان.

وشدّد زيد قائلاً: "من أبرز عناصر هذا التقرير التمكّن من الإفلات من العقاب الذي لا يزال مسيطرًا على ليبيا وفشل النظام القضائيّ المستمر. ويبيّن التقرير بكلّ وضوح أنّ النظام القضائيّ غير قادر على أجراء تحقيقات فوريّة ومستقلّة وذات مصداقيّة أو ملاحقة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان هذه."

وخلال التحقيقات، بقيت إمكانيّة وصول فريق التحقيق التابع إلى مكتب حقوق الإنسان إلى ليبيا محدودة بسبب الوضع الأمنيّ. وقد سافر الفريق إلى طرابلس لزيارة تستغرق يومًا واحدًا وأجرى تحقيقاتها من خلال بعثات إلى تونس ومصر وتركيا والأردن وإيطاليا حيث اجتمع بالضحايا والشهود.

في 25 شباط/ فبراير 2016

أنظر أيضاً